وعود ترامب الاقتصادية لآسيان أكبر من مكاسبها الفعلية

29 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 11:48 (توقيت القدس)
من قمة رابطة آسيان الـ47، ماليزيا 27 أكتوبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أبرمت الولايات المتحدة اتفاقيات تجارية مع دول آسيان، مثل كمبوديا وماليزيا، لتعزيز المصالح الأميركية عبر وصول أوسع للسلع الأميركية والتزامات شراء تشمل المنتجات الزراعية والطاقة والطائرات، مع إعفاءات جمركية محدودة.

- تعتمد دول آسيان على الصناعات التصديرية وتحتاج إلى الإعفاءات الجمركية، لكن المكاسب الاقتصادية ستكون رمزية بسبب الإعفاءات المحدودة، مع تركيز الاتفاقيات على منح الولايات المتحدة أفضلية في الوصول إلى الموارد الحيوية.

- تسعى دول آسيان لتحسين موقعها التفاوضي مع الولايات المتحدة، لكن المحللين يرون أن الاتفاقيات قد تكرّس الاختلال التجاري القائم، مما يثير تساؤلات حول استدامتها وقدرتها على خلق توازن حقيقي.

قالت وكالة "بلومبيرغ إيكونوميكس" إن أحدث اتفاقات التجارة التي عقدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع أعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) تنطوي على خطر أن تحصل هذه الدول على مكاسب أقل مما تحصل عليه واشنطن بالمقابل. وذكرت المحللتان نيكول غورتون-كاراتيلي وتمارا ماست هندرسون في مذكرة بحثية صدرت اليوم الأربعاء أن الاتفاق مع كمبوديا، وهو الوحيد المفصل بما يكفي للتدقيق، يشكل نذير سوء للدول الأخرى التي تأمل خفض الرسوم الجمركية المتبادلة بشكل ملموس.

وأضافتا أنه إذا تمسّك المفاوضون بالقائمة الضيقة نفسها من الاستثناءات التي تعرضها واشنطن، فإن هذه الاتفاقيات لن تقلّص فعلياً الرسوم الجمركية التي يواجهها التكتل على صادراته إلى الولايات المتحدة. وحتى لو ألغت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية المتبادلة على كل منتج مدرج حالياً في قائمتها المحتملة من الاستثناءات، تُقدّر "بلومبيرغ إيكونوميكس" أن هذا سيغطي أقل من 1% من الواردات من كمبوديا، و3% من ماليزيا، و3.5% من تايلاند، و2.7% من فيتنام.

وأعلن ترامب يوم الأحد عقد اتفاقات تجارية مع كمبوديا وماليزيا، إلى جانب اتفاقات إطارية مع تايلاند وفيتنام. وتتضمن هذه الترتيبات وعوداً بمنح وصول واسع للسلع الأميركية، والتزامات شراء تشمل المنتجات الزراعية والطاقة والطائرات الأميركية، إضافة إلى الوصول إلى المعادن الحيوية. وفي المقابل، تعرض الولايات المتحدة إعفاءات من الرسوم الجمركية المتبادلة على مجموعة محدودة من المنتجات، لم يُحدّد معظمها بعد.

وتشير الاتفاقات الأربعة جميعها إلى القائمة نفسها من الاستثناءات الجمركية المحتملة التي كشفت عنها الولايات المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي، ما يعني، بحسب غورتون-كاراتيلي وهندرسون، أن أي تنازلات ستأتي من تلك القائمة كما في حالة كمبوديا، وهذا لا يبشر بالخير بالنسبة إلى آسيان.
وأوضحتا أن هذه القائمة محدودة أصلاً، إذ إن العديد من البنود المدرجة فيها مستثنى أصلاً من الرسوم الجمركية أو يخضع لشروط تقلل من فائدته، مثل أن يطبق فقط على المكونات المستخدمة في الطائرات المدنية. كذلك فإن هذه المنتجات ليست من القطاعات التصديرية الأساسية لدول آسيان. ومع ذلك، أشارتا إلى أن تركيز الإدارة الأميركية على المعادن الحيوية قد يمنح ماليزيا وتايلاند وفيتنام "بعض الهامش لتحسين مواقفها التفاوضية".

صفقات تجارية ضيقة بآفاق واسعة

تأتي اتفاقيات التجارة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب

مع دول رابطة آسيان في مرحلة تتسم بتغيرات كبيرة في خريطة التجارة العالمية، حيث تسعى الولايات المتحدة لإعادة صياغة علاقاتها الاقتصادية مع آسيا بما يخدم مصالحها الصناعية والاستراتيجية، في ظل منافسة محتدمة مع الصين التي تُعد الشريك التجاري الأكبر لمعظم دول المنطقة.

منذ تولي ترامب الرئاسة للمرة الثانية، اعتمدت واشنطن سياسة "الصفقات الثنائية" بدلاً من الاتفاقات الجماعية، في محاولة لإعادة التوازن إلى ميزان التجارة الأميركية عبر الضغط على الدول الشريكة لتقديم تنازلات أوسع في مجالات الرسوم الجمركية والواردات الزراعية والطاقة والمعادن. ويأتي ذلك امتداداً للنهج الذي تبنّته الإدارة السابقة في مواجهة العجز التجاري الأميركي، خصوصاً مع الاقتصادات الناشئة في آسيا.

بالنسبة إلى دول آسيان، تُشكّل الولايات المتحدة أحد أهم أسواق التصدير ومصدراً رئيسياً للاستثمار الأجنبي المباشر، إلا أن هذه الدول تعتمد في الوقت نفسه على الصين مركزاً رئيسياً لسلاسل الإمداد الصناعية. لذا فإن التوازن بين القوتين الاقتصاديتين يمثل تحدياً استراتيجياً للمنطقة، خصوصاً في ظل اشتداد التنافس الأميركي–الصيني على النفوذ في مجالات التكنولوجيا والطاقة والمعادن النادرة.

اقتصادياً، تعتمد دول مثل فيتنام وماليزيا وتايلاند على الصناعات التصديرية المرتبطة بالإلكترونيات والمعدات الصناعية، وهي قطاعات تعتمد جزئياً على الإعفاءات الجمركية والتدفقات الاستثمارية. غير أن قائمة الإعفاءات المحدودة التي تقدمها واشنطن – والتي لا تشمل سوى نسبة ضئيلة من الصادرات – تعني أن المكاسب الاقتصادية لهذه الدول ستكون رمزية أكثر منها جوهرية. فبدلاً من فتح الأسواق الأميركية بشكل واسع، تركز الاتفاقات على منح الولايات المتحدة أفضلية في الوصول إلى الموارد الحيوية كالليثيوم والكوبالت والنيكل، وهي معادن تدخل في تصنيع البطاريات والتكنولوجيا الخضراء.

في المقابل، تحاول دول آسيان استثمار هذه الاتفاقيات لتكون ورقة ضغط لتحسين موقعها التفاوضي، وجذب المزيد من الاستثمارات الأميركية في قطاعات المعادن والطاقة والبنية التحتية، خصوصاً في ظل تراجع الطلب الصيني وتباطؤ النمو العالمي. لكن محللين يرون أن هذه الصفقات قد تكرّس الاختلال التجاري القائم بين واشنطن وآسيان بدلاً من تقليصه، إذ تمنح الولايات المتحدة امتيازات واسعة لمنتجاتها الصناعية والزراعية مقابل تنازلات محدودة. بشكل عام، تعكس هذه الاتفاقيات توجهاً أميركياً نحو إعادة بناء شبكات الإمداد خارج الصين عبر بوابة جنوب شرق آسيا، إلا أن ضآلة الفوائد الجمركية المقدمة لدول آسيان تثير تساؤلات عن مدى استدامة هذه التفاهمات وقدرتها على خلق توازن حقيقي في التجارة والاستثمار بين الجانبين.

المساهمون