مضيق هرمز بين روايتين متناقضتين... واشنطن وطهران تتنازعان السيطرة على الممر الحيوي
تحوّل مضيق هرمز الحيوي، رئة أسواق الطاقة العالمية، إلى محور مباشر للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بعدما انتقل الخلاف حول الممر المائي الاستراتيجي من التصريحات السياسية إلى إجراءات عسكرية فعلية وتراجع حاد في حركة الملاحة. وبينما يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده تملك "سيطرة كاملة" على المضيق، تصر طهران على أن الممر "تحت سيطرة إيران وإدارتها"، وأنها صاحبة القرار في إبقائه مغلقاً أو فتحه.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الصراع لا يدور فقط حول من يملك السيطرة نظرياً، بل حول الطرف القادر على فرض إرادته عملياً على السفن التي تعبر واحداً من أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية. وكان ترامب قد كتب، الثلاثاء، على منصة "تروث سوشال" أن الولايات المتحدة "تسيطر بالكامل على مضيق هرمز"، مضيفاً: "أعتقد أننا سنواصل ذلك"، واصفاً الحصار الأميركي للمضيق بأنه "جدار من فولاذ"، وقال إن إيران لا تستطيع فعل شيء حيال ذلك.
ولم يقتصر خطاب الرئيس الأميركي على الحديث عن المضيق، إذ قدّم توصيفاً شديد القسوة لقدرات إيران العسكرية والاقتصادية، فقال إن طهران لا تملك قوات بحرية ولا قوات جوية، وإن ما تبقى من جنودها لا يتقاضون رواتبهم، مشيراً إلى أن الحرس الثوري تعرض لضربات قاسية وأن أفراداً منه يفرون، بينما قيادته غير واضحة. وأضاف أن إيران لا تملك المال وأن البلاد تتعرض للقصف، معتبراً أن ما تملكه حالياً هو "إعلام كاذب" وتضخم بنسبة "300%"، وأن أوضاعها تتجه إلى مزيد من التدهور.
لكن الرواية الإيرانية جاءت معاكسة تماماً. فقد نقلت وكالة "فارس" شبه الرسمية في طهران، الخميس، عن قائد قوات الباسيج شبه العسكرية، حسين طائب، قوله إن مضيق هرمز "تحت سيطرة إيران وإدارتها"، وذلك في رد مباشر على إعلان الرئيس ترامب السيطرة الأميركية الكاملة. وقبل ذلك، أعلنت "هيئة إدارة الممر المائي للخليج" الإيرانية، الأربعاء، أن المضيق سيبقى مغلقاً حتى قبول شروط طهران، معتبرة أن التصريحات والمنشورات الأميركية بشأن رفع الحصار الإيراني لا تغير واقع الممر.
وقالت الهيئة إن "مضيق هرمز لا يزال مغلقاً، ولن يُفتح مجدداً حتى قبول شروط إيران"، لتضع بذلك مسألة فتح الممر في إطار الشروط الإيرانية، في مقابل تأكيد واشنطن أنها هي التي تفرض الحصار وتتحكم بحركة السفن. وتأتي هذه المواجهة في وقت تراجعت حركة الملاحة بصورة كبيرة. فقد أظهرت بيانات شركة "كبلر" أن عدد السفن التي رُصدت في مضيق هرمز الثلاثاء، بلغ ثماني سفن فقط، وهو أدنى مستوى خلال أسبوع، وأقل من متوسط الأيام العشرة السابقة البالغ نحو 12 سفينة.
وكان ذلك أدنى عدد يومي منذ الخامس من أغسطس/آب، علماً أنه لم تخرج من المضيق سوى سفينة واحدة، وهي ناقلة فحم، بينما واصلت باقي السفن طريقها عبر الممر. أما السفن السبع التي دخلت المضيق، فسلكت جميعها المسار الإيراني. كما أظهرت بيانات منفصلة صادرة عن مجموعة بورصات لندن مرور 11 سفينة عبر المضيق الثلاثاء، مقارنة مع 14 سفينة في اليوم السابق.
وتكشف هذه الأرقام حجم الانكماش في حركة الملاحة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل إغلاق المضيق. فقد كانت تمر عبره عادةً بين 130 و140 سفينة قبل أن تغلق إيران الممر المائي عقب بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير/شباط. وفي المقابل، أظهرت بيانات "كبلر" أن حركة السفن عبر مضيق باب المندب، في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، لم تشهد التراجع نفسه، إذ بلغ عدد السفن العابرة الثلاثاء، 30 سفينة، متجاوزاً متوسط الأيام العشرة البالغ 25 سفينة.
وتحاول الولايات المتحدة تثبيت روايتها بشأن السيطرة على المضيق من خلال إجراءات ميدانية، لا الاكتفاء بالتصريحات. ففي 14 يوليو/تموز الماضي، أعادت واشنطن فرض الحصار البحري على إيران بتوجيه من ترامب، لتصبح إعادة فتح المضيق واحدة من القضايا الرئيسية في المواجهة بين البلدين.
وفي أحدث خطوة، أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، الثلاثاء، استهداف منظومة توجيه سفينة في مضيق هرمز، بعدما قالت إن السفينة انتهكت الحصار الأميركي المفروض على إيران. وأوضحت "سنتكوم" أن قواتها عطلت في وقت مبكر الثلاثاء، منظومة توجيه سفينة الشحن "إم/في فيلا نوفا" التي ترفع علم بنما، بعدما حاولت عبور خليج عمان والتوجه إلى ميناء إيراني. وقالت إن الطاقم المدني للسفينة لم يستجب لتحذيرات القوات الأميركية، وإن مروحية من طراز MH-60 تابعة للبحرية الأميركية أطلقت صاروخين من طراز "هيلفاير" على غرفة محركات السفينة، مؤكدة أن السفينة لم تعد تبحر باتجاه إيران، مضيفة أن الحصار الأميركي "لا يزال سارياً بالكامل".
وبحسب "سنتكوم"، غيّرت القوات الأميركية حتى 11 أغسطس/آب، مسار 55 سفينة تجارية حاولت انتهاك الحصار، كما استولت على سفينتين وعطلت ثلاث سفن. وتمنح هذه الأرقام واشنطن أساساً لتقديم عمليات اعتراض السفن وتغيير مساراتها باعتبارها دليلاً على قدرتها على فرض قواعد الملاحة، فيما تصر إيران على أن قرار فتح المضيق وإغلاقه لا يزال في يدها.
في موازاة ذلك، تحاول طهران تقديم مبررات اقتصادية وبيئية لإجراءاتها بشأن حركة الملاحة. فقد بررت خطط فرض رسوم على السفن التي تمر عبر المضيق بالأضرار البيئية الناجمة عن عقود من التلوث في الخليج وخليج عُمان. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن التلوث تسبب في أضرار لإيران تقدر بتريليونات الدولارات، مضيفاً أن الدول والشركات المستفيدة من الملاحة عبر المضيق تتحمل التزاماً قانونياً وأخلاقياً بالمساهمة في معالجة هذه الأضرار.
وأشار بقائي إلى أن حماية البيئة يجب أن تكون جزءاً من أي إدارة مستقبلية للممر المائي، لكنه لم يوضح التدابير البيئية التي تقترحها إيران أو كيفية تطبيق الرسوم. واستشهد ببقعة نفط ظهرت أخيراً على ساحل جزيرة قشم الإيرانية، قائلاً إن النتائج الأولية أشارت إلى مسؤولية سفينة شحن أجنبية عنها. وتقول إيران إنها تريد فرض رسوم المرور بالتنسيق مع سلطنة عُمان، لكن الولايات المتحدة رفضت الفكرة بشدة، ما يضيف بعداً اقتصادياً وتنظيمياً إلى النزاع حول من يملك حق إدارة حركة الملاحة.