استمع إلى الملخص
- تلعب شركة هيومن دوراً محورياً في خطة السعودية لتنويع اقتصادها عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مع تحديات تتعلق بالحصول على موافقات أميركية لتصدير الرقائق.
- تعكس استثمارات السعودية في الذكاء الاصطناعي تحولاً نوعياً في شراكتها مع الولايات المتحدة، وسط ضغوط مالية داخلية، مما قد يعيد تعريف الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، الأولى منذ سبع سنوات، في لحظة حساسة تتقاطع فيها الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الرياض وواشنطن. وعلى جدول الأعمال، لا تقتصر النقاشات على القضايا التقليدية كالدفاع والطاقة والشرق الأوسط، بل تمتد إلى ملف الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، حيث تحاول السعودية ترسيخ موقعها شريكاً أساسياً في الثورة التقنية العالمية، مستفيدة من ثقلها المالي وموقعها الجيوسياسي، في مقابل حاجة الشركات الأميركية إلى أسواق واستثمارات جديدة. في هذا السياق، تبرز شركة هيومن بوصفها إحدى أهم أدوات المملكة في تعميق هذا التقاطع الاقتصادي–التقني مع الولايات المتحدة.
رهان هيومن على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
تجعل السعودية من شركة هيومن حجر الزاوية في خطتها لتنويع اقتصادها، والحصول على حصة من التدفق التاريخي للأموال التي تُضخ في قطاع الذكاء الاصطناعي. وتخطط المملكة لبناء بنية تحتية تقترب في حجمها من مشروع Stargate التابع لـOpenAI، فيما يتوقع طارق أمين، الرئيس التنفيذي لشركة التكنولوجيا المدعومة من الدولة في المملكة، أن تصبح دول الخليج في نهاية المطاف ثالث أكبر مُصدّر لموارد الحوسبة في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين.
منذ تأسيس هيومن في مايو/أيار، عقدت الشركة سلسلة من الاجتماعات مع شركات تكنولوجيا تحتاج بشدة إلى قدرات حوسبة وموارد إضافية. وقال أمين في مقابلة حديثة في الرياض: "لقد كانت مناقشة مباشرة للغاية مع الجميع". وقبيل الزيارة — التي ستكون أول رحلة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض منذ مقتل الناقد جمال خاشقجي عام 2018 — أجرت هيومن محادثات مع عدد من المستثمرين وشركات التكنولوجيا الأميركية حول بناء مراكز بيانات مخصصة للذكاء الاصطناعي بسعة تصل إلى 2 غيغاواط داخل المملكة، وفقاً لأشخاص مطلعين على المحادثات رفضوا الكشف عن هوياتهم لأن المناقشات خاصة.
ويأتي ذلك بالإضافة إلى عدة إعلانات سابقة هذا العام مع Nvidia Corp وAdvanced Micro Devices Inc وQualcomm Inc، التي قالت إنها ستوفر أول رقائق تسريع رسومي لمصلحة الشركة. ووفق "بلومبيرغ"، قال متحدث باسم هيومن إن الشركة لديها قدرة كبيرة مخطَّط لها خلال السنوات الخمس المقبلة، لكنه رفض التعليق على الخطط المحددة المقبلة.
ومع ذلك، تحتاج تلك الشركات الأميركية إلى موافقات رسمية للبيع، وبدون الوصول إلى هذه الرقائق، ستكون قدرات هيومن محدودة في تطوير حلولها للذكاء الاصطناعي أو تقديم موارد حوسبة تنافسية لوادي السيليكون. وسيتعين على السعودية إقناع الحكومة الأميركية بعدم وجود خطر على الأمن القومي، وبأن الرقائق المتقدمة لن تنتقل إلى الصين بما يخالف حظر التصدير الفعلي، وقد تعهّد أمين باستخدام مزوّدين غربيين فقط ضمن الشركة.
في السياق نفسه، حصلت الشركات الأميركية أخيراً على الضوء الأخضر لشحن الرقائق إلى الإمارات بعد عدة أشهر من اتفاق ثنائي، في خطوة تأخرت جزئياً بسبب مخاوف من وصول الصين إلى تلك التكنولوجيا الحيوية عبر الخليج، فشركات الإمارات لا تزال من دون تراخيص للرقائق. كما توجد هذه المخاوف الأمنية أيضاً في حالة السعودية، التي تحافظ على علاقات وثيقة مع بكين. وخلص تقرير حديث صادر عن مركز الأمن الأميركي الجديد إلى أن إدارة ترامب تمتلك نفوذاً كبيراً في المفاوضات، إلى حد كبير لأن قدرات الصين في مجال أشباه الموصلات ليست بمستوى نظيرتها الأميركية. وجاء في التقرير بشكل صريح: "السعودية تحتاج الذكاء الاصطناعي الأميركي أكثر مما تحتاج أميركا رأس المال السعودي".
مشاريع ضخمة ومجنونة
تأسست الشركة عبر صندوق الثروة السيادي السعودي، وأعلنت عن سلسلة من الصفقات مع شركات رقائق أميركية مهمة، كما أجرت محادثات مع أبرز مطوري الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شركة Anthropic وXAI التابعة لإيلون ماسك. ووعدت الشركة بإطلاق ذراع استثمارية وصناعات تخدم قطاعات الإعلانات والألعاب، كما أطلقت نسخة عربية مقلدة من ChatGPT ومستشاراً لمجالس الإدارة يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
نيوم والمشاريع العملاقة
في الوقت نفسه، يواجه واحد من أكبر مشاريع السعودية — مدينة نيوم المستقبلية البالغة كلفتها 1.5 تريليون دولار — انتكاسات خطيرة. وقد وقف أمين على مسرح FII على بعد بضع أقدام من جناح نيوم، الذي كان حضور الزوار فيه ضعيفاً. ووصف أحد المستثمرين في المؤتمر شركة هيومن بأنها نيوم الجديدة — أي الشغف الجديد لولي العهد وثروة المملكة. وقد أدى الإنفاق على ما يسمى بالمشاريع العملاقة، بما في ذلك مشروع ذا لاين — برجين متوازيين بطول 100 ميل بواجهات معكوسة — إلى إرهاق النظام المصرفي في البلاد. وبالمقارنة، يبدو أن بناء مراكز البيانات يمثل فرصة سوقية أكثر وضوحاً.
وحاولت دول أخرى بناء نسخ وطنية من ChatGPT في مسعى للسيطرة على تكنولوجيا تأتي في معظمها من الولايات المتحدة والصين. وبدأت الإمارات، المنافس الخليجي للسعودية، بإنشاء مراكز بيانات ضخمة مماثلة، ولديها بطل وطني في الذكاء الاصطناعي هو شركة G42، أما قطر، الأصغر حجماً من السعودية، فقد استهدفت أيضاً استثمارات في شركات ذكاء اصطناعي بارزة.
ويأتي تحوّل المملكة نحو التكنولوجيا المتقدمة في وقت أثيرت أسئلة حول وضعها المالي. فقد أدى انخفاض أسعار النفط وتفاقم العجز في الميزانية إلى تحويل السعودية من مُصدّر لرأس المال إلى بلد يحتاج إلى جذب المستثمرين الأجانب. وعلى هذا الصعيد، أظهرت خطوة التوسع في الذكاء الاصطناعي مؤشرات مبكرة على التقدم؛ إذ أعلنت شركة الأسهم الخاصة العملاقة Blackstone Inc الشهر الماضي، أنها ستتعاون مع هيومن لبناء مراكز بيانات في المملكة برأسمال أولي قدره نحو 3 مليارات دولار.
ولم يكشف صندوق الاستثمارات العامة السعودي، المالك الرئيسي لهيومن، عن حجم التمويل الذي خصصه للشركة. لكنه واصل ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع تُعدّ ذات أهمية لتعزيز الاقتصاد المحلي. وفي أكتوبر/تشرين الأول، قالت شركة النفط الوطنية السعودية أرامكو إنها تنوي الاستحواذ على حصة أقلية كبيرة في هيومن، فيما رفض متحدث باسم أرامكو التعليق على تفاصيل الصفقة. ومثل كثير من قادة التكنولوجيا، يؤكد أمين أن الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي لا يشبع، ما يعني أن الشركات لا تبني مراكز البيانات بالسرعة الكافية.
ومن الصعب تتبع الحجم الهائل للإنفاق في هذا المجال؛ وحدها OpenAI أعلنت أنها ستنفق تريليونات الدولارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وخلال FII، أشارت المديرة المالية للشركة، سارة فراير، إلى عيوب السياسة الانتخابية في مجال التخطيط الصناعي طويل الأمد، الذي قالت إنه ضروري لازدهار هذه التكنولوجيا، موضحة: "غالباً ما تخطط لـ10 أو 20 سنة… لديك امتياز، بطريقة ما، لأن حكومتك طويلة الأمد".
أرامكو ودورها في المنظومة الرقمية
هيومن ليست شركة ناشئة بقدر ما هي كيان ناتج عن اندماج؛ فقد تأسست من تجميع عمليات تقنية متفرقة كان يديرها صندوق الاستثمارات العامة أو جهات حكومية أخرى. وعند تأسيسها، اختارت السلطات السعودية طارق أمين لقيادتها بعدما كان يشغل منصب رئيس Aramco Digital، الذراع التكنولوجية لشركة النفط العملاقة.
وكانت أرامكو محرّكاً رئيسياً لجلب موارد الحوسبة من الخارج إلى المملكة قبل عصر ChatGPT، وقد رحبت السعودية بأبطال التكنولوجيا الصينيين إلى جانب الشركات القادمة من وادي السيليكون. وتمتلك عدة شركات تقنية صينية مراكز سحابية منفصلة في المملكة، كما روّجت أرامكو لفوائد استخدام منصة DeepSeek الصينية، المنافسة لـOpenAI. وقال متحدث باسم أرامكو إن الشركة تشغّل نموذج DeepSeek في أحد مراكز بياناتها، لكنها لا تمتلك علاقة تجارية مع الشركة الناشئة الصينية.
وأشار أمين إلى أن هيومن ستدير ذراعاً استثمارية بقيمة 10 مليارات دولار، ما يعني أن هذه الأداة ستُستخدم لدعم الهدف السعودي المتمثل في جلب التكنولوجيا إلى داخل المملكة. وأضاف أنه يريد للشركات التي تموّلها هيومن أن تحقق ما لا يقل عن 11% من مبيعاتها داخل السعودية، وهو ما أكده متحدث باسم الشركة بالقول إن هذا التوجه لا يزال قائماً. وعلى مدى السنوات الثماني المقبلة، تعهدت الشركة ببناء 6.6 غيغاواط من قدرة مراكز البيانات — وهو مستوى يقل قليلاً عن مشروع Stargate الأميركي الضخم المخطط له من OpenAI. وتتباين تقديرات تكلفة مثل هذه المراكز، لكن بلومبيرغ أفادت بأن خطط Stargate بقدرة 7 غيغاواط ستكلف حوالي 400 مليار دولار، أي ما يقرب من 57 مليار دولار لكل غيغاواط.
حتى الآن، تمتلك الشركة فقط الموافقات المحلية للحصول على 18,000 رقاقة من Nvidia، في انتظار موافقة الولايات المتحدة على تصديرها. وقال أمين لبلومبيرغ في أكتوبر/تشرين الأول إن لدى هيومن خططاً أكبر، تشمل نشر ما يصل إلى 400,000 رقاقة بحلول عام 2030 من مجموعة متنوعة من الموردين.
العلاقات السعودية الأميركية... أبعاد اقتصادية وأمنية
تشهد العلاقات السعودية الأميركية شراكة وتعاوناً متناميين اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، مع توقعات بزيادة زخمهما في ظل زيارة بدأها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، وأوضح الديوان الملكي السعودي في بيان، أن الزيارة جاءت بناءً على توجيه الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة للدعوة المقدمة للأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأضاف البيان أن ولي العهد السعودي سيلتقي خلال الزيارة الرئيس الأميركي لبحث العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك. وبدأت الزيارة اليوم الثلاثاء، وتستمر ثلاثة أيام، ومن المتوقع أن تشهد توقيع اتفاقات اقتصادية ودفاعية، إضافة إلى بحث ملفات الشرق الأوسط.
ووفق معلومات سعودية رصدتها وكالة الأناضول، تعود العلاقات بين المملكة وواشنطن إلى ما قبل 92 عاماً، ووصلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية قبل أشهر، وسط تعاون في ثلاثة ملفات رئيسية، غير أن أبرزها العلاقة الاقتصادية، حيث تربط البلدين علاقات قوية، إذ كان مجلس الأعمال السعودي–الأميركي، ولعقود، شريكاً مهماً في تسهيل المشاريع التجارية الجديدة بين الشركات السعودية والأميركية. وتُعد المملكة من أبرز الشركاء التجاريين للولايات المتحدة في المنطقة، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2024 نحو 32 مليار دولار، إذ صدّرت المملكة سلعاً ومنتجات إلى الولايات المتحدة بقيمة 13 مليار دولار، مقابل واردات منها بلغت 19 مليار دولار.
ومن أبرز السلع المستوردة: الآلات والأدوات وأجزاؤها، السيارات وأجزاؤها، الأجهزة الطبية والبصرية والتصويرية، الأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزاؤها، ومنتجات الصيدلة.
وتعمل المملكة، ممثلة بوزارة الطاقة، مع الجهات المعنية في الولايات المتحدة في منصات ومبادرات دولية عديدة ذات علاقة بالطاقة والتغير المناخي. وبلغ رصيد الاستثمارات الأميركية المباشرة في المملكة خلال 2024 نحو 15.3 مليار دولار. كما وقّع البلدان في يوليو/تموز 2024 اتفاقية تعاون استراتيجي في مجال استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية.
وخلال زيارة ترامب للسعودية في مايو/أيار 2017، أعلنت المملكة عزمها ضخ استثمارات بقيمة 600 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال أربع سنوات، ووقّع الطرفان حينها «وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية» و12 اتفاقاً ثنائياً في عدة قطاعات، أبرزها الطاقة والدفاع. وخلال زيارته الحالية، يُنتظر أن يشارك الأمير محمد بن سلمان، الأربعاء المقبل، في مؤتمر الاستثمار السعودي–الأميركي في واشنطن.
اقتصادياً، تكشف رهانات السعودية على هيومن والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي عن تحوّل نوعي في طبيعة الشراكة مع الولايات المتحدة: من علاقة تتركز تقليدياً على النفط والسلاح إلى علاقة تسعى لامتلاك أصول استراتيجية في اقتصاد المستقبل، أي الحوسبة الفائقة والبيانات والبرمجيات.
واستثمار عشرات مليارات الدولارات في مراكز بيانات وفتح الباب أمام شراكات مع عمالقة الرقائق الأميركية، يعكسان رغبة سعودية في التحول من مجرّد مستورد للتكنولوجيا إلى منصة إقليمية لتوفير قدرات الحوسبة لشركات العالم، بما يمنح المملكة مصدر دخل جديداً، ويزيد من جاذبيتها للاستثمار الأجنبي المباشر. في المقابل، تحصل الشركات الأميركية على تمويل ضخم وسوق متعطشة للبنية التحتية الرقمية، فيما تبقى مفاتيح التكنولوجيا الحساسة بيد واشنطن عبر منظومة التراخيص والقيود على التصدير.
لكن هذا الرهان لا يخلو من مخاطر: فهو يأتي في ظل ضغوط مالية داخلية ناجمة عن انخفاض أسعار النفط والعجز في الموازنة، وتزامن مشاريع عملاقة مثل نيوم وذا لاين مع استثمارات مكلفة في الذكاء الاصطناعي، ما قد يثقل النظام المصرفي ويزيد من حساسية الاقتصاد لأي صدمات خارجية. كما أن اعتماد السعودية على الرقائق الأميركية عالية التقنية يكرّس تبعيتها التنظيمية والسياسية لواشنطن، ويجعل مستقبل المشروع مرتبطاً مباشرة بمسار العلاقات الثنائية، وبموقع الصين في معادلة المنافسة التكنولوجية.
مع ذلك، إذا نجحت المملكة في تحقيق التوازن بين طموحها التكنولوجي وقدرتها المالية، واستطاعت ترجمة شراكاتها مع الولايات المتحدة إلى نقل حقيقي للمعرفة وبناء كفاءات محلية، فإن هيومن قد تتحول بالفعل إلى منصة مركزية في الاقتصاد الرقمي الخليجي، وتصبح زيارة ولي العهد الحالية إلى واشنطن محطة مفصلية في إعادة تعريف شكل ومضمون الشراكة الاقتصادية السعودية–الأميركية في عصر الذكاء الاصطناعي.