هيمنة أوروبية نادرة على قوائم أسواق الأسهم العالمية لعام 2025
استمع إلى الملخص
- دعمت قوة اليورو وارتفاعه بنسبة 12% الأداء الأوروبي، مع زيادة الإنفاق الألماني على الدفاع والبنية التحتية، وبرزت قطاعات البنوك والدفاع والطاقة المتجددة كقادة للصعود.
- رغم التفاؤل، تواجه الأسواق تحديات مثل عدم اليقين السياسي في فرنسا والمنافسة الصينية، لكن التقييمات الجاذبة للأسهم الأوروبية توفر فرصًا لتعزيز موقعها الاستثماري.
هيمنت أوروبا هذا العام على قوائم أفضل أسواق الأسهم في العالم، إذ إن واحدا من كل مؤشرين ضمن الـ20 سوقا الأفضل أداء عالميا هو مؤشر أوروبي. وهو إنجاز لم يتحقق إلا ثلاث مرات من قبل (2004 و2015 و2023)، ويُعد إشارة واضحة إلى تجدد ثقة المستثمرين في القارة، في وقت كانت فيه أغلب التوقعات ترجح مكاسب محدودة في أوروبا مقابل تفوق متجدد لأسهم الولايات المتحدة في وول ستريت.
موجة صعود أوروبية
مع تبقي شهر واحد على نهاية عام 2025، سجلت أسواق مثل المجر وسلوفينيا وجمهورية التشيك ارتفاعات تفوق 60% عند القياس بالدولار، ما وضعها ضمن الأسواق العشرة الأفضل أداء في العالم. وتلحق بها عن قرب أسواق إسبانيا وبولندا والنمسا، بينما ارتفع المؤشر الألماني، في واحدة من أكبر البورصات الأوروبية، بنسبة 20% باليورو و34% بالدولار.
في الوقت نفسه، يقترب المؤشر الأوروبي "ستوكس 600" (Stoxx 600) من تسجيل أكبر تفوق نسبي له على مؤشر الأسهم الأميركي "ستاندرد آند بورز 500" منذ عام 2006 عند القياس بالدولار. ويعتبر كثير من المستثمرين أن هذه الأرقام تعكس تحسنا في آفاق أوروبا، مع بقاء التضخم في منطقة اليورو أدنى من مستوياته في الولايات المتحدة، واستعداد ألمانيا لزيادة الإنفاق المالي، وتوقعات بانتعاش أرباح الشركات الأوروبية بعد فترة من الضعف.
وأظهر أحدث مسح شهري لبنك "أوف أميركا" أن مديري الأصول باتوا في وضع "زيادة وزن" على الأسهم الأوروبية، مقابل خفض طفيف في أوزان الأسهم الأميركية.
شهية المستثمرين تميل إلى أوروبا
وأوضح رئيس تداول الأسهم الدولية في بنك "أوف أميركا" نيك لوكس لبلومبيرغ أن "العديد من المستثمرين كانوا متحفظين في بداية العام تجاه موجة الصعود في أوروبا، لكن الأداء المتفوق دفعهم تدريجيا إلى زيادة تعرضهم للأسهم الأوروبية". ويرى لوكس أن هناك مجالا لمزيد من التفوق الأوروبي في العام المقبل، متوقعا أن تشهد بداية 2026 إعادة توجيه جزء من الاستثمارات نحو أسواق خارج الولايات المتحدة، مع التأكيد أن استمرار هذه الحركة مرتبط بقدرة الأسهم الأوروبية على الحفاظ على أداء مقنع.
تأثير الحرب التجارية وضعف فقاعة التكنولوجيا
في عام طبعه التصعيد في الحرب التجارية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، برزت الدول الأوروبية التي تعتمد أرباح شركاتها بدرجة أكبر على الطلب المحلي، مثل إيطاليا وإسبانيا، كوجهة مفضلة للمستثمرين، نظرا لانكشافها الأقل على التقلبات في التجارة العالمية وسلاسل التوريد.
وفي المقابل، جاء ضعف انخراط أوروبا في موجة أسهم الذكاء الاصطناعي عاملا داعما آخر، ففي الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف من تشكّل فقاعة جديدة في قطاع التكنولوجيا الأميركي، تبدو الأسواق الأوروبية أقل تعرضا لهذا الخطر. وبوجه عام، يوجد 10 مؤشرات أوروبية ضمن الـ20 سوقا للأسهم الأفضل أداء هذا العام.
أما المؤشرات القيادية في ألمانيا وفرنسا، فرغم حلولها في مراتب أبعد نسبيا (المركزان 34 و53 على التوالي)، فإنها لا تزال متقدمة بفارق واضح على مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" الأميركي، الذي جاء في المرتبة 63 بالدولار من بين 92 مؤشراً عالمياً ترصدها وكالة بلومبيرغ.
اليورو القوي والإنفاق الألماني
ووفقا لوكالة بلومبيرغ فإن جزءا مهما من هذا الأداء المتفوق يرتبط بقوة اليورو إذ ارتفعت العملة الأوروبية بنحو 12% مقابل الدولار الأميركي خلال العام، مستفيدة من تعهد ألمانيا بإنفاق مليارات اليوروهات على الدفاع والبنية التحتية، بما ساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي. ومن المقرر أن يوافق البرلمان الألماني في الأيام المقبلة على حزمة إنفاق تبلغ 2.9 مليار يورو (3.4 مليارات دولار) لعقود مشتريات عسكرية تشمل طائرات مسيّرة وبنادق وصواريخ، في صفقات ستذهب في معظمها إلى الشركات المصنّعة داخل ألمانيا.
كما عاد التضخم في منطقة اليورو إلى نطاقه المستهدف، وهو ما منح البنك المركزي الأوروبي مساحة لخفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. وفي المقابل تراجع الدولار تحت ضغط الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، والتي أججت المخاوف من تآكل ما يُعرف بـ"الاستثناء الأميركي" في الاقتصاد العالمي.
أداء قوي في وول ستريت
رغم التفوق النسبي للأسهم الأوروبية، فإن الأسهم الأميركية لم تسجل عاما ضعيفا، فقد ارتفع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنحو 16% في عام 2025، ما يجعله في طريقه لتحقيق العام الثالث على التوالي من المكاسب ذات الرقمين المزدوجين. وبرغم القلق من سخونة مفرطة في أسهم التكنولوجيا، لا يزال كثير من المستثمرين يراهنون على متانة الأساسيات الاقتصادية في الولايات المتحدة. في المقابل، أثبتت الأسهم الأوروبية قدرتها على الصمود حتى عند القياس بالعملات المحلية، مدعومة بأداء قوي لقطاعات البنوك والدفاع والطاقة المتجددة.
قطاعات تقود الصعود
وتصدرت أسهم البنوك الأوروبية موجة الارتفاع الحالية، مع مكاسب تقارب 67%، في ظل توقعات باستمرار أرباح قوية وتحسن نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ، إلى جانب رهان على استقرار نسبي في أسعار الفائدة. كما ارتفعت أسهم شركات الصناعات الدفاعية، مثل الشركة الألمانية لصناعات الدفاع "راينميتال إيه جي" والشركة الإيطالية في مجال الطيران والدفاع "ليوناردو إس.بي.إيه" بدعم من التوقعات بأن تظل ميزانيات الدفاع الأوروبية في مسار صعودي لسنوات مقبلة.
في الوقت نفسه، استفادت أسهم شركات الطاقة المتجددة من الطلب المتزايد على الكهرباء اللازمة لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما جعلها من القطاعات المستفيدة من التقاطع بين الثورة التكنولوجية والتحول الطاقي.
وفي هذا السياق أشار رئيس قسم الاقتصاد الكلي في شركة إدارة الأصول السويسرية "لومبارد أوديير" فلوريان إيلبو، إلى أن "أوروبا في موقع جيد حاليا، فكلما زادت الشكوك حول استدامة رالي الأسهم الأميركية، برزت الأسهم الأوروبية كخيار دفاعي لأنها أقل اعتمادا على أسهم التكنولوجيا".
انتعاش الكماليات والتعدين والرعاية الصحية
قطاع السلع الفاخرة بدأ هو الآخر يُظهر مؤشرات تعاف، بعدما أشارت مجموعة السلع الفاخرة الفرنسية "إل في إم إتش" إلى تحسّن في الطلب الاستهلاكي بعد عدة فصول من التراجع. كما استفادت أسهم شركات التعدين الأوروبية من ارتفاع الطلب على المعادن المرتبطة بالتحول في مجال الطاقة، إلى جانب محدودية الإمدادات، ما جعلها توصف في العديد من المحافظ الاستثمارية بأنها "أصول لا غنى عنها". وحتى قطاع الرعاية الصحية، المعروف بطابعه الدفاعي، عاد إلى جذب اهتمام المستثمرين مع تراجع المخاوف بشأن ضغوط التسعير على الأدوية ومخاطر الرسوم الجمركية، إضافة إلى تقييمات تُعتبر جذابة مقارنة بقطاعات أخرى.
أرباح أوروبا تحاول تضييق الفجوة
على مستوى الأرباح، يتوقع المحللون أن يساعد نمو أرباح الشركات الأوروبية في تضييق الفجوة مع الشركات الأميركية بعد فترة من التأخر منذ عام 2023. ووفقاً لبيانات بلومبيرغ يُنتظر أن تحقق شركات مؤشر "ستوكس 600" نموا في الأرباح بنسبة تقارب 11% العام المقبل، بينما تُقدر وتيرة نمو أرباح شركات مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنحو 13% في عام 2026.
مع ذلك، يحذر بعض خبراء السوق من أن موجة التفاؤل تجاه أوروبا قد تكون ذهبت بعيدا. فحالة عدم اليقين السياسي في فرنسا لا تزال تلقي بظلالها على معنويات المستثمرين، كما أن هناك تساؤلات حول الأثر الحقيقي للتحفيز المالي الألماني على النمو الفعلي. إلى جانب ذلك، تتصاعد المنافسة من الصين في قطاعات محورية مثل السلع الاستهلاكية وصناعة السيارات، ما قد يضغط على هوامش الشركات الأوروبية.
وفي هذا الصدد قالت كبيرة استراتيجيي الأسهم الأوروبية في بنك مورغان ستانلي مارينا زافولوك، إن "الأسهم الأوروبية تواجه مخاطر مرتفعة على مستوى توقعات الأرباح للعام المقبل"، معتبرة أن تقديرات المحللين "متفائلة أكثر من اللازم"، ما يرفع احتمالات مراجعة هذه التوقعات بالخفض.
تقييمات جاذبة
في المقابل، تبقى نقطة قوة رئيسية لصالح أوروبا هي جاذبية التقييمات، إذ يتداول مؤشر "ستوكس 600" بخصم يناهز 35% مقارنة بمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" استنادا إلى مضاعف السعر إلى الربحية المستقبلي. وهذا يعني أن أي نمو ولو محدودا في الأرباح، بعد شبه جمود في 2025، يمكن أن يكون كافياً لدفع المؤشر الأوروبي إلى مستويات قياسية جديدة.
كما تعكس حركة رؤوس الأموال تحولا واضحا في المزاج الاستثماري، فحسب بيانات "بنك أوف أميركا" استناداً إلى أرقام شركة البيانات المتخصصة في تتبع تدفقات الصناديق الاستثمارية "إي بي إف آر غلوبال" فقد جذبت صناديق الأسهم الأوروبية تدفقات صافية تقارب 52 مليار دولار هذا العام، بعد أن سجلت خروجا للأموال بنحو 66 مليار دولار في العام السابق.
وبين التفاؤل بدورة جديدة للأسهم الأوروبية والتحذيرات من مبالغة في التوقعات، تبدو القارة أمام فرصة نادرة لتثبيت موقعها في خريطة الاستثمار العالمية، بشرط أن تتمكن الشركات والسياسات الاقتصادية من مواصلة تحويل هذا الزخم السعري إلى مكاسب مستدامة في الأرباح والنمو.