استمع إلى الملخص
- شهدت أسعار النفط انخفاضاً ملحوظاً، حيث تراجع خام برنت إلى 62.57 دولاراً للبرميل، مع توقعات بانخفاض الأسعار إلى نطاق الثلاثينات بحلول 2027 بسبب الفائض في الإنتاج.
- استمرار الفائض قد يجبر أوبك+ على وقف زيادات الإنتاج، لكن العوامل الجيوسياسية أو قرارات خفض الإنتاج قد تعيد التوازن مؤقتاً، مع تأثير تكلفة إنتاج النفط الصخري.
حذّر تقرير سوق النفط الصادر عن وكالة الطاقة الدولية لشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو أحد أكثر المصادر موثوقية وحداثة في البيانات والتوقعات والتحليلات حول سوق النفط العالمية، من توقعات سلبية تشير إلى احتمال هبوط حاد في أسعار النفط خلال العامين المقبلين، وسط سيناريوهات متشائمة بانخفاض الأسعار إلى نصف قيمتها الحالية، أي إلى نطاق الثلاثينات (فوق 30 دولاراً للبرميل)، نتيجة تباطؤ نمو الطلب العالمي. وأكد التقرير أن توازن سوق النفط العالمية يزداد اختلالاً، إذ يتقدّم المعروض العالمي على الطلب، بينما يبقى نمو الطلب متواضعاً مقارنة بالمعايير التاريخية. وأضاف أن المخاطر التي تهدد التوقعات لا تزال كبيرة، خاصة في ظل عدم وضوح آثار العقوبات الجديدة على روسيا وتداعيات الاضطرابات الجمركية الأخيرة.
وسجّلت أسعار النفط الخام المؤرخ في بحر الشمال انخفاضاً قدره 3.26 دولارات للبرميل في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لتصل إلى متوسط 62.57 دولاراً للبرميل، في رابع تراجع شهري متتالٍ، بعدما كانت تتداول عند حوالي 64.64 دولاراً. كما أشار التقرير إلى ارتفاع المعروض النفطي العالمي بشكل كبير، حيث زاد الإنتاج بمقدار 6.2 ملايين برميل يومياً منذ يناير/كانون الثاني الماضي، رغم تراجع الإنتاج في أكتوبر بمقدار 440 ألف برميل يومياً ليصل إلى 108.2 ملايين برميل يومياً.
وقالت ناتاشا كانيفا، محللة بنك جيه بي مورغان لاستراتيجية السلع العالمية، إن أسواق النفط تدخل مرحلة من تخمة المعروض، مع استمرار ارتفاع الإنتاج من المنتجين خارج أوبك، في حين يظل نمو الطلب بطيئاً. وتوقعت أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 57 دولاراً للبرميل في عام 2027، وأن يصل خام غرب تكساس الوسيط إلى 53 دولاراً. وأضافت أن استمرار الفائض في المعروض قد يعرّض الأسعار لمزيد من الانخفاض.
ونقلت صحيفة بيزنس إنسايدر في 25 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري عن كانيفا قولها إن أسعار النفط قد تنهار بأكثر من 50% خلال العامين المقبلين، بسبب تباطؤ نمو الطلب واستمرار ارتفاع العرض بشكل مطرد. وبحسب تقديرات جيه بي مورغان، فإن الخلل الهيكلي بين العرض والطلب قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار بنسبة تصل إلى 50% بحلول نهاية عام 2027، ما قد يجعل العامين المقبلين أكثر صعوبة لمنتجي النفط الخام إذا تحققت هذه التوقعات.
وانخفض سعر النفط بنحو 15% منذ بداية العام الحالي. ويقول محللو البنك إن المشكلة الأساسية تكمن في أن العرض يفوق الطلب، ما يجعل هبوط الأسعار أمراً متوقعاً. ويتوقع البنك استمرار هذا الخلل الهيكلي خلال السنوات المقبلة، مع نمو العرض بمعدل ثلاثة أضعاف نمو الطلب خلال عامي 2025 و2026. ومن وجهة نظر جيه بي مورغان، فإن المشهد مهيأ لانخفاض محتمل يصل إلى 50% في أسعار النفط حتى نهاية 2027، مما قد يدفع سعر خام برنت إلى نطاق الثلاثينات دولاراً للبرميل من مستواه الحالي البالغ حوالي 63.5 دولاراً.
وأوضحت كانيفا أن نمو العرض سيأتي بشكل رئيسي من المنتجين خارج أوبك+، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤدي إلى فائض مستمر يضغط على الأسعار. ووفقاً لتحليلها، من المرجح أن تنخفض أسعار برنت إلى ما دون 60 دولاراً في 2026، ثم تهبط إلى أوائل الخمسينيات بنهاية العام، قبل أن تتدهور أكثر في 2027 إلى متوسط 42 دولاراً، مع احتمال انزلاق الأسعار إلى الثلاثينات في نهاية العام. وتوقعت المحللة أن يبلغ الفائض النفطي 2.8 مليون برميل يومياً في عام 2026، و2.7 مليون برميل يومياً في العام التالي، ما لم تتدخل الحكومات لتقليص الإنتاج، مستبعدة ذلك نظراً إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعم لحفر آبار النفط.
كما أشارت التوقعات إلى أن المنتجين من خارج أوبك+، ومن بينهم الولايات المتحدة والبرازيل وكندا وجيانا، سيقودون نمو المعروض العالمي بوتيرة تفوق نمو الطلب، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأميركية. ومع استمرار زيادة كفاءة الاستهلاك وانتشار السيارات الكهربائية وتدهور الأوضاع الاقتصادية الكلية، يُتوقع تحقق سيناريو أكثر تشاؤماً، قد تهبط فيه الأسعار إلى الثلاثينات بحلول عام 2027، بحسب كانيفا. وكانت وكالة الطاقة الدولية قد حذّرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي من فائض عالمي ضخم في عام 2026 قد يصل إلى 4 ملايين برميل يومياً فوق الطلب العالمي، نتيجة قرار أوبك+ وعدد من المنتجين رفع الإنتاج بعد تخفيف التخفيضات السابقة.
أما وكالة بلومبيرغ فحذرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي من أن الأسعار المرتفعة تعدّ حيوية لمنتجين كبار مثل السعودية، إذ تساهم في استقرارهم المالي والتخطيط الاقتصادي. وأوضحت أن زيادة الإنتاج بمقدار مليون برميل يومياً يمكن أن تحسّن الموازين المالية والحساب الجاري للمملكة بنسبة تتراوح بين 2.3% و2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، مشيرة إلى أن سعر التعادل المالي للنفط السعودي يبلغ 94 دولاراً للبرميل، ويرتفع إلى 111 دولاراً عند احتساب إنفاق صندوق الاستثمارات العامة.
أما بالنسبة إلى الإمارات، فإن ارتفاع إنتاج النفط قد يؤدي إلى نمو القطاع بنسبة 5.8% في عام 2026، مقابل 4.9% هذا العام، وفقاً لتقديرات وحدة الأبحاث التابعة لـفيتش سوليوشنز. لكن في حال انخفاض الأسعار، قد يسجل الاقتصاد عجزاً صافياً في الصادرات، مع تباطؤ الاستثمارات الثابتة التي تعدّ المحرّك الرئيس للنمو. وترى تقارير نفطية أن هذه المؤشرات تمثل جرس إنذار للأسواق، إذ قد تؤدي تخمة المعروض إلى مزيد من التراجع في الأسعار، مما قد يجبر أوبك+ على وقف زيادات الإنتاج، بينما يحدّ ضعف النمو العالمي من النشاط غير النفطي.
في المقابل، تشير تقديرات أخرى إلى أن انهيار الأسعار ليس مضموناً بالكامل، إذ يمكن لعوامل جيوسياسية — مثل الاضطرابات في الشرق الأوسط أو العقوبات على منتجين كروسيا وإيران — أن تقلل العرض فجأة وترفع الأسعار. كما أن قرارات خفض إنتاج مفاجئة من أوبك+، أو انتعاش اقتصادي عالمي غير متوقع، قد يعيدان التوازن بين العرض والطلب مؤقتاً. كذلك، فإن تكلفة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة قد تؤدي إلى توقف بعض المنتجين عن الحفر في حال استمرار الأسعار المنخفضة، مما يقلّص المعروض ويوقف الهبوط، خاصة أن هيئة الطاقة الأميركية تتوقع انخفاض إنتاج النفط الصخري في عام 2026.