هل ينجح الاقتصاد المصري في تجاوز تداعيات الحرب بأقل الخسائر الممكنة؟

12 مارس 2026   |  آخر تحديث: 13:06 (توقيت القدس)
محطة وقود سيارات في مصر، الجيزة 10 مارس 2026 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تأثر الاقتصاد المصري بشكل كبير بسبب الأزمات الإقليمية والعالمية، مما أثر على معيشة المواطنين والتضخم واستقرار العملة الوطنية والاستثمارات الخارجية، مما يبرز أهمية الإصلاحات الاقتصادية المدعومة من صندوق النقد الدولي.

- كشفت الأزمات عن اعتماد مصر الكبير على "الأموال الساخنة"، حيث أدى خروج هذه الأموال إلى تراجع الجنيه المصري، مع تخارج استثمارات مالية بين 5 و8 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب.

- استجابة لارتفاع أسعار الوقود العالمية، زادت الحكومة المصرية أسعار الوقود المحلية بنسبة تصل إلى 17%، واتخذت إجراءات لتهدئة المخاوف مثل زيادة الأجور وخفض الإنفاق غير الضروري، مع تعزيز الاحتياطيات المالية عبر اتفاقات سياحية وقروض.

بالرغم من المساحة الشاسعة التي تفصل مصر عن ساحة الحرب الدائرة حاليا، مُني الاقتصاد المصري ببعض من أكبر الخسائر التي لحقت بدول المنطقة منذ شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، وردت طهران باستهداف دول الخليج العربية.

تكشف الحرب من جديد، هشاشة الاقتصاد المصري ومدى تأثره بالأزمات الإقليمية والعالمية، بدءا من الحرب في أوكرانيا مرورا بالحرب الإسرائيلية على غزة وأخيرا في الحرب الراهنة، في كل هذه الأزمات انعكست التداعيات سلبيا على معيشة المواطنين والتضخم واستقرار العملة الوطنية والاستثمارات الخارجية.

لكن الفارق هذه المرة يتمثل في أن الحرب الراهنة تمثل اختبارا لقدرة الإصلاحات الاقتصادية المدعومة من صندوق النقد الدولي، والتي من المفترض أنها صُممت لتقي مصر تداعيات الأزمات المماثلة.

وحسب تقرير نشرته بلومبيرغ اليوم الخميس، فقد خرجت مليارات الدولارات من استثمارات المحافظ الأجنبية من البلاد، وتراجعت السندات، وانخفضت العملة إلى مستوى قياسي منخفض. كما تضيف أسعار الطاقة المرتفعة ضغوطاً على الموازنة العامة وتهدد بارتفاع الفواتير على سكان يعانون أصلاً من سنوات من التضخم المرتفع.

الأموال الساخنة

وتقول الوكالة إن الأزمات بدءا من حرب أوكرانيا في 2022، كشفت مدى اعتماد مصر على "الأموال الساخنة"، وهي التي يؤدي خروجها الى تراجع الجنيه المصري. وتشير عبارة "الأموال الساخنة" في أسواق المال إلى رؤوس أموال شديدة المضاربة وقصيرة الأجل تتحرك بسرعة عبر الحدود والعملات وفئات الأصول المختلفة بهدف تحقيق عوائد سريعة وكبيرة.

وغالباً ما يقود هذه التدفقات مستثمرون مثل صناديق التحوط، حيث تتجه هذه الأموال إلى الأسواق التي توفر أسعار فائدة مرتفعة أو فرصاً استثمارية جذابة. لكنها تدخل تلك الأسواق وتخرج منها بسرعة كبيرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق المالية، وتكوين فقاعات في أسعار الأصول، وعدم استقرار في أسعار العملات.

وحسب تقرير بثته وكالة رويترز الثلاثاء الماضي استنادا إلى تقديرات مصرفيين محليين، فإن إجمالي التخارج من استثمارات المحافظ المالية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط بلغ على الأرجح بين 5 و8 مليارات دولار. وتُظهر بيانات البورصة أن المستثمرين الأجانب أصبحوا بائعين لأذون الخزانة في الأسواق الثانوية خلال الأسبوع الأول من مارس، لكن هذه البيانات لا تعكس إجمالي عمليات التخارج.

ومع ذلك، فإن هذه التدفقات الخارجة ما زالت أقل بكثير من نحو 20 مليار دولار خرجت مع بداية جائحة كوفيد-19 في عام 2020، ثم مرة أخرى عندما غزت روسيا أوكرانيا بعد ذلك بعامين. لكن الضغوط ساهمت بالفعل في دفع الجنيه المصري إلى أكثر من 52 جنيهاً مقابل الدولار، مقارنة بنحو 47 جنيهاً قبل الحرب، وفقاً للمحللين.

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على واردات الغذاء والطاقة، في حين تفتقر إلى الموارد الطبيعية ولديها شبكة دعم اجتماعي واسعة، ما جعلها عرضة منذ فترة طويلة للاضطرابات الخارجية. ومع ذلك، فإن مكانة البلاد ركيزة أساسية في منطقة مضطربة ساعدتها في الحصول على الدعم المالي غير المسبوق قبل عامين.

ارتفاع أسعار الوقود

سارعت السلطات خلال الأسبوع الماضي إلى محاولة تهدئة المخاوف، مؤكدة أن السلع الأساسية متوافرة، ومتعهدة بزيادة الأجور. كما اتخذت "إجراءات استثنائية"، بما في ذلك خفض الإنفاق غير الضروري ورفع أسعار الوقود للمرة الأولى منذ عدة أشهر.

ومع ارتفاع أسعار النفط العالمية التي تجاوزت 100 دولار للبرميل مجدداً صباح الخميس، لم تتردد الحكومة في تمرير زيادة التكاليف إلى المستهلكين. فقد ارتفعت أسعار الوقود المحلية بنسبة تصل إلى 17% يوم الثلاثاء الماضي، وهي أكبر زيادة منذ سنوات.

وكان صندوق النقد الدولي، الذي ضاعف أكثر من مرتين برنامج قروضه لمصر ليصل إلى 8 مليارات دولار في أوائل عام 2024، قد جعل مرونة سعر الصرف وخفض الدعم شرطين رئيسيين، قائلاً إنهما سيساعدان مصر على التعامل مع الصدمات الخارجية.

في هذا السياق، فعل الجنيه المصري ما كان متوقعاً منه. فقد تراجع بنحو 8% منذ بداية الحرب مع إيران، وهو الأسوأ أداءً عالمياً، في انعكاس واضح لقوى العرض والطلب. وهذا يختلف عن الأزمات السابقة عندما كان البنك المركزي يدعم الجنيه ويستنزف الاحتياطيات.

وكان الدين المصري مفضلاً لدى المستثمرين الأجانب في السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية مقارنة بمعظم دول العالم. وتقدر "سيتي بنك" حيازات الأجانب من أذون وسندات الخزانة بنحو 32 مليار دولار قبيل الأزمة، رغم عدم توفر بيانات حديثة معلنة.

أسعار الفائدة المصرية

وحسب بلومبيرغ، فإن تدفقات الأموال الساخنة إلى الخارج في الوقت الراهن، لا تزال أقل بكثير من إجمالي 20 مليار دولار فقدتها مصر بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، وأنها في حدود 7 مليارات دولار. وقدر "سيتي بنك" أن 1.5 مليار دولار عادت في اليوم التالي، بعدما أشار الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" إلى أن الصراع قد ينتهي سريعاً. واستعاد الجنيه بعض مكاسبه يومي الثلاثاء والأربعاء. وتراجعت السندات المصرية المقومة بالدولار بنسبة 2% منذ بدء الحرب، بينما بلغ متوسط التراجع في الأسواق الناشئة 1%. كما انخفض مؤشر البورصة الرئيسي EGX30 بنسبة 4.1% منذ بداية الشهر.

وقد تمكنت مصر على مدى العامين الماضيين، من تعزيز احتياطاتها المالية، مدعومة باتفاقات سياحية مع دول الخليج ودفعات قروض من "صندوق النقد الدولي". وبلغ صافي الاحتياطيات الأجنبية 52.7 مليار دولار الشهر الماضي، أي بزيادة نحو 30% مقارنة بما كان عليه عند اندلاع حرب أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، ارتفعت الأصول الأجنبية الصافية للبنوك التجارية إلى 14.5 مليار دولار في يناير، وهو أعلى مستوى منذ عام 2012.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التأثير المحتمل على الموازنة العامة ومحاولات إعادة تنشيط الاقتصاد عبر زيادة الصادرات والاستثمارات الخاصة. وقال وزير الخارجية بدر عبد العاطي يوم الثلاثاء، إن السلطات تتواصل مع بعض المؤسسات الدولية التي سبق أن تعهدت بدعم الموازنة، في محاولة لتسريع صرف القروض.

كما أن خفض صادرات الغاز الإسرائيلية إلى مصر، الذي يقول الجانب الإسرائيلي إنه لأسباب تتعلق بالحرب، سيضيف إلى فاتورة الواردات. وقد اشترت مصر شحنتين من الغاز الطبيعي المسال هذا الأسبوع. ولا يزال من غير الواضح كيف سيتأثر مصدران رئيسيان للعملة الأجنبية في مصر: تحويلات المصريين في الخارج والسياحة.

فقد أدى تزايد الثقة بالجنيه المصري إلى إرسال المغتربين مبالغ قياسية إلى البلاد خلال العام الماضي، رغم أن الجزء الأكبر من إجمالي 41.5 مليار دولار في عام 2025 جاء من العمال في دول الخليج. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على عودة أعداد كبيرة من نحو 5 ملايين مصري يعملون في تلك المنطقة.

كما تستعد مصر لأي تداعيات محتملة على قطاع السياحة الحيوي، الذي سجل رقماً قياسياً بلغ 19 مليون زائر في عام 2025. وقد حقق القطاع إيرادات بنحو 13.5 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وفق أحدث بيانات البنك المركزي.

وقالت غرفة السياحة الأسبوع الماضي إن بعض الإلغاءات "متوقعة وطبيعية في مثل هذه الظروف". وقد بقي القطاع في معظمه بمنأى عن تأثير حرب غزة القريبة، فيما ساعد افتتاح متحف آثار ضخم بتكلفة مليار دولار في نوفمبر على جذب مزيد من الزوار الأجانب. كما لم تتغير تحذيرات السفر الدولية الخاصة بمصر منذ اندلاع الصراع الأخير.