هل يشكّل الذكاء الاصطناعي مكسباً اقتصادياً صافياً؟

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:24 (توقيت القدس)
الروبوتات والذكاء الاصطناعي في الصين، بكين، 11 سبتمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يُعتبر الذكاء الاصطناعي محركًا محتملاً للنمو الاقتصادي، مع تقديرات تشير إلى زيادة الإنتاجية بنسبة تصل إلى 15%، لكن تحقيق الفوائد الكاملة يتطلب تحولًا تنظيميًا وثقافيًا طويل الأمد في الشركات.

- يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف بشأن سوق العمل، حيث يمكن أن يحل محل بعض الوظائف البشرية، لكنه قد يخلق وظائف جديدة في القطاعات الرقمية، مما يتطلب من الأفراد التكيف بسرعة لتجنب البطالة الهيكلية.

- رغم تقليل تكاليف الإنتاج، قد يزيد الذكاء الاصطناعي من تكاليف التمويل ويعزز الإيرادات الضريبية في الاقتصادات المتقدمة، بينما يوسع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية في العالم العربي.

منذ اندلاع الثورة التقنية الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي، تتعالى التوقعات حول دخول العالم مرحلة نمو اقتصادي استثنائية، وتغيّر جذري في طبيعة العمل، وتحسين في مستويات الإنتاج والإنتاجية، وصولاً إلى حلول مبتكرة للأزمات المالية المزمنة. غير أنّ هذا التفاؤل الذي يغذّيه الاستثمار الهائل في شركات الذكاء الاصطناعي وأسهم التكنولوجيا، يصطدم بتحليلات أكثر تشكيكاً حول الأثر الحقيقي بعيد المدى لهذه الطفرة. وبينما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة خارقة قادرة على رفع معدلات النمو، تشير المعطيات الاقتصادية إلى أنّ تأثيره الإجمالي قد يكون أقل مما يُسوَّق له، وربما لا يتجاوز كونه تغييراً متوازناً لا يحسم مصير الاختلالات المالية الكبرى. 

إنتاجية أم فقاعة تفاؤل؟

السؤال الأول الذي يحدّد وزن الذكاء الاصطناعي اقتصادياً هو: إلى أي حدّ يمكنه رفع الإنتاجية والنمو؟ حتى الآن، الإجابات متباينة. ووفق بلومبيرغ، يحذر الخبير الاقتصادي دارون عجم أوغلو من الإفراط في التوقعات، مشيراً إلى أن التأثير لن يشمل معظم الأعمال، ولن يتجاوز 1% خلال العقد القادم، مشبهاً الذكاء الاصطناعي بتقنيات تاريخية استغرق اندماجها عقوداً طويلة، كالكهرباء والحوسبة.

على الجانب الآخر، تقدّر مجموعة غولدمان ساكس أن الذكاء الاصطناعي، حين يُدمج بالكامل في سلاسل الإنتاج، يمكن أن يرفع الإنتاجية بنحو 15%. لكنه تقدير مشروط بمدى قدرة الشركات على إعادة هيكلة أعمالها ونماذجها التشغيلية، وهي عملية تستغرق سنوات، وربما عقوداً، فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي: يلزمها تحول تنظيمي وثقافي وتعليمي يسمح بالاستفادة منها.

إحدى أهم المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هي مستقبل الوظائف. هل ستُستبدل اليد العاملة البشرية بالآلات الخوارزمية؟ أم سيولد الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة كما فعلت الثورات الصناعية السابقة؟ الإجابة المعقولة هي: كلاهما. فالذكاء الاصطناعي سيُسرّع تنفيذ المهام، كما في البرمجة والتحليل القانوني والترجمة والصحافة، وبذلك ستقلّ الحاجة إلى نفس عدد العاملين لإنتاج كمية العمل ذاتها.

لكن في المقابل، وعلى غرار ما حصل بعد انتشار الإنترنت، قد ينمو الطلب الإجمالي على الخدمات الرقمية، ما يخلق وظائف جديدة. السؤال هنا ليس فقط: مَن سيخسر عمله؟ بل: هل يستطيع هؤلاء الانتقال بسرعة إلى قطاعات جديدة؟ كلما كانت وتيرة التحوّل أسرع، ازدادت البطالة الهيكلية، وارتفع معدل البطالة الطبيعي الذي يسمح باستقرار الأسعار. بمعنى آخر، قد يُحدث الذكاء الاصطناعي اضطراباً في سوق العمل، حتى لو كان مكسباً على المدى الطويل.

أسعار الفائدة: مفارقة النمو التكنولوجي

تاريخياً، دفعت كل ثورة تكنولوجية نحو زيادة الطلب على رأس المال ورفع أسعار الفائدة الحقيقية، بسبب الحاجة إلى بناء بنى تحتية جديدة. حدث ذلك خلال طفرة الاتصالات في تسعينيات القرن الماضي مع تمديد شبكات الألياف الضوئية، وهو يحدث الآن في سباق بناء مراكز بيانات عملاقة ومعالجات متقدمة ومحطات طاقة مخصّصة للذكاء الاصطناعي. هذا يعني أنّ الذكاء الاصطناعي قد يُقلّص تكاليف الإنتاج، لكنه أيضاً سيرفع تكاليف التمويل. فإذا كان الهدف هو دعم النمو، فإنّ ارتفاع الفائدة الناتج عن زيادة الاستثمار قد يحدّ من أثره الصافي على الاقتصاد الكلي، خصوصاً في البلدان ذات مستويات الديون المرتفعة.

الذكاء الاصطناعي والديون العامة: هل هو الحل السحري؟

في بلد مثل الولايات المتحدة التي تواجه مساراً مالياً غير مستدام، يُطرح الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً لإنقاذ الموازنة وخلق فوائض ضريبية. صحيح أن النمو المرتفع يخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ويزيد الإيرادات. لكن في المقابل، سيؤدي ارتفاع الفائدة إلى زيادة خدمة الدين، وربما بمعدلات أسرع من زيادة الإيرادات.

وبذلك، فإن الذكاء الاصطناعي، رغم أهميته، لن يحل أزمة الدين الأميركي ولا فجوة الضمان الاجتماعي ولا نقص التمويل الفيدرالي. إنه مجرد عنصر ضمن مشهد اقتصادي أعقد بكثير. حتى الآن، تتركز الفوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في شركات التكنولوجيا الكبرى، وخاصة في الولايات المتحدة. لكن ماذا عن الاقتصادات النامية والعربية؟

ففي العالم العربي، تتسابق الحكومات لدمج الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية والتعليم والطاقة، لكن غالبية الدول تبقى مستوردة للتكنولوجيا وليست منتِجة لها. هذا يخلق فجوة جديدة بين من يملك البيانات والتقنيات، ومن يستهلكها فقط. وقد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، بدل تضييقها. أما في سوق العمل العربية، فالتأثير قد يكون أشد حدة بسبب هشاشة نظم التدريب والتأهيل وضعف الحماية الاجتماعية. فأي فقدان للوظائف دون مسارات واضحة لإعادة التأهيل سيترجم إلى بطالة مرتفعة وتهميش وظيفي طويل الأمد.

بين الخيال والواقع

الذكاء الاصطناعي اليوم يشبه، في نظر الكثير من الاقتصاديين، بداية عصر الكهرباء في مطلع القرن العشرين أو الحوسبة في السبعينيات: القدرة التحويلية موجودة، لكن التنفيذ بطيء ومعقد. وهناك فارق مهم: الكهرباء والحواسيب قدّمت قيمة مضافة واضحة ومباشرة، أما الذكاء الاصطناعي، فهو لا يزال يواجه تحديات أخلاقية، قانونية، وسياسية تتعلق بالخصوصية والتحيز والمساءلة.

السؤال الذي يبقى مطروحاً: هل الذكاء الاصطناعي "لحظة أرخميدس" التي ستغير قواعد اللعبة؟ أم نقطة تطور تدريجي ضمن مسار تكنولوجي طويل يراكم المكاسب ببطء؟. الأرجح، كما تقول بلومبيرغ، أنه لن يكون عصاً سحرية للاقتصاد العالمي. نعم، سيغيّر قطاعات بأكملها، ويولّد ثروات هائلة، لكنه في الوقت نفسه سيخلق تعقيدات تضاهي الفرص.

لا شك أن الذكاء الاصطناعي يمثّل منعطفاً اقتصادياً وتكنولوجياً كبيراً، لكنّه ليس حلاً سحرياً لأزمات النمو والدين والبطالة. سيولّد مكاسب إنتاجية وفرصاً جديدة، لكنه في المقابل سيُحدث اختلالات في سوق العمل ويضغط على أسعار الفائدة والمالية العامة. وبينما تتعامل الاقتصادات المتقدمة مع هذه التحولات عبر الاستثمار والبنية التنظيمية.

لذلك؛ تبدو الاقتصادات العربية أمام اختبار أكثر تعقيداً: هل ستكتفي بالاستيراد والاستهلاك، أم ستستثمر في بناء قدرات محلية تحول الذكاء الاصطناعي إلى قوة إنتاج فعلية لا إلى فقاعة استهلاكية عابرة؟ المعادلة واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس قدراً اقتصادياً، بل هو خيار سياسيّ. ومن سيحدد حجم المكاسب أو الخسائر ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل كيفية إدارتها.

المساهمون