هل نجحت الصين في لي ذراع شركات ألمانيا بصادرات المعادن النادرة؟

25 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 21:39 (توقيت القدس)
علما الصين وألمانيا في رسم تعبيري، 17 مايو 2020 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الشركات الألمانية تحديات بسبب القيود الصينية على تصدير المعادن النادرة، مما يضطرها لتقديم معلومات حساسة عن سلاسل التوريد، ويضع ألمانيا في موقف صعب بدون استراتيجية واضحة.
- تتطلب القواعد الصينية الجديدة من الشركات الأجنبية تقديم بيانات سرية للحصول على رخصة استيراد، مما يمنح الصين القدرة على تحديد نقاط ضعف الاقتصاد الألماني، ويثير قلق الشركات الألمانية.
- تحاول الحكومة الألمانية التفاوض مع الصين لتخفيف القيود، بينما تواجه ضغوطًا لتنويع مصادرها، مما يضعها في موقف صعب بين الحفاظ على العلاقات الاقتصادية وضمان أمنها الاقتصادي.

بينما تكافح الشركات الألمانية مع القيود الصينية الجديدة على تصدير المعادن النادرة، تجد نفسها مضطرة لتقديم معلومات حساسة عن سلاسل التوريد لبكين، وهي بيانات يمكن أن تستخدمها الصين مستقبلاً للضغط على المصنّعين أو تعطيل خطوط الإنتاج في أكبر اقتصاد أوروبي. وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ اليوم السبت، فإنّ الحكومة الألمانية نفسها لا تملك رؤية واضحة عمّا يجري. فبينما يطالب المسؤولون الصينيون بمعلومات تفصيلية قبل الموافقة على أوامر صادرات المعادن النادرة، لا تملك برلين أدوات مماثلة لفرض الشفافية على شركاتها، ولا استراتيجية فورية لمعالجة الأزمة، وفقاً للمصادر التي طلبت عدم ذكر أسمائها لسرّية المناقشات.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الاقتصاد الألمانية لويزا ماريا سبو، في بيان، إنّ الوزارة "تتابع بقلق بالغ التوسع المستمر في قيود التصدير الصينية"، مضيفة أن الحكومة "تستخدم جميع القنوات المتاحة لمعالجة هذه القضية". الأزمة المتصاعدة في برلين هي انعكاس جديد للحرب التجارية المتفاقمة بين الولايات المتحدة والصين، فبعدما استخدمت واشنطن اعتماد بكين على المنتجات الأميركية ورقة ضغط، تردّ الصين بالمثل، وهو ما يؤدي إلى زعزعة استقرار اقتصادات كبرى مثل ألمانيا التي ربطت نفسها بالإمدادات الصينية.

وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يخطط لطرح القضية على المسؤولين الصينيين في بكين الأسبوع المقبل، لكن رحلته أُجّلت فجأة أمس الجمعة، ما أثار تساؤلات حول موعد زيارة المستشار فريدريش ميرز التي طال انتظارها.

بالنسبة للشركات الألمانية، فإنّ نتائج الجمود مقلقة، لا سيما مع تزايد تورط مورّدين أساسيين لأشباه الموصلات، مثل شركة نيكسبيريا المملوكة للصين التي تتخذ من هولندا مقراً لها، في وسط النزاع التجاري. وتقول ريبيكا أرسيساتي، كبيرة المحللين في مركز أبحاث الصين "ميريكس"، إنّ "المعلومات التي تجمعها بكين يمكن أن تُكرّس هيمنة الشركات الصينية وتمنحها شروطاً أفضل لتوسيع حضورها واستثماراتها في أوروبا"، وتضيف: "من وجهة نظر الصين، امتلاك نفوذ على طريقة بناء سلاسل التوريد الصناعية هو مكسب هائل".

شروط صينية

وبموجب القواعد التي أصدرتها الصين في إبريل/ نيسان وشدّدتها في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الجاري، يتعيّن على الشركات الأجنبية تقديم بيانات تفصيلية وسرّية للغاية للحصول على رخصة استيراد لمدة ستة أشهر لعناصر الأرض النادرة التي تخضع لهيمنة وتجارة الشركات الصينية. وتتضمن النماذج مستوى غير مسبوق من التفاصيل، منها صور للمنتجات تُظهر مكان المعادن داخلها، ورسومات تصنيع، وبيانات العملاء، وفي بعض الحالات، بيانات الإنتاج السنوية لثلاث سنوات مضت وتوقعات لثلاث سنوات قادمة.

هذه المعلومات تتيح لبكين رسم خريطة لنقاط ضعف الاقتصاد الألماني، مثل الشركات التي تعتمد على مورد صيني واحد أو تلك التي تملك مخزوناً محدوداً. في الحالات الطبيعية، ستحرص الشركات على سرّية هذه المعلومات، إلا أن الشركات الألمانية لا تملك خياراً آخر إزاء هذه القواعد، إذ تستورد 95% من المعادن النادرة من الصين، وهي نسبة تتجاوز أي دولة أوروبية أخرى، بحسب مركز ميريكس. من جانبها، تبرّر وزارة التجارة الصينية هذه الإجراءات بأنها "تسهم في الدفاع عن السلام العالمي"، مشيرة إلى إمكانية استخدام تلك المعادن النادرة في صناعات عسكرية.

ولتسريع الموافقات، قدمت السفارة الألمانية في بكين قائمة أولويات "قائمة بيضاء" للحكومة الصينية. ورغم أن الخطوة ساعدت الشركات الكبرى، إلا أنها تركَت الشركات الصغيرة من دون دعم، ومنحت بكين رؤية أعمق لاختناقات الاقتصاد الألماني. وتخشى برلين ألا تقتصر تداعيات الأزمة على ألمانيا فقط، بل أن تمتد لتُهدد سلاسل الإمداد الأوروبية بأكملها، ما قد يؤثر سلباً على خطط التسلح الأوروبية الضخمة في ظل تصاعد التوتر مع روسيا.

وقالت أرسيساتي من مركز ميريكس: "من خلال المعلومات التي تجمعها، يمكن للسلطات الصينية أن تكوّن صورة دقيقة عن القواعد الصناعية الدفاعية في دول ناتو ومدى ترابطها". وبالفعل، يتسبب تأخر صدور التراخيص من الجانب الصيني في نقص الإمدادات لدى شركات أوروبية، ما أدى إلى توقف الإنتاج في عدد منها. ووفقاً لغرفة التجارة الأوروبية في الصين، أظهرت دراسة في سبتمبر/ أيلول أنّ من أصل 141 طلب تصدير، لم تصدر موافقة إلا على 19 فقط، ما تسبب في 46 حالة توقف إنتاج في ذلك الشهر، مع توقع 10 حالات إضافية بحلول ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

في ألمانيا، تأثرت حتى الآن الشركات الصغيرة والمتوسطة فقط، وغالباً بعيداً عن أعين الحكومة، بينما تحصل الشركات الكبرى، كمصنعي السيارات، على تراخيصها بسرعة كافية لمواصلة الإنتاج، لكنها تخلّت عن فكرة تخزين احتياطي خوفاً من إثارة شكوك بكين التي حذرت من أن أي شركة تطلب كميات تفوق حاجتها التشغيلية ستُعتبر مشتبهاً بها في التهريب لأغراض عسكرية أو لصالح الولايات المتحدة.

ردّ برلين

بدأت الحكومة الألمانية تدرك حجم المشكلة، لكن الحوار بين المسؤولين والشركات يسير في اتجاهين متوازيين لا يلتقيان. فقد أرسلت وزارة الاقتصاد استبيانات إلى الشركات لجمع البيانات نفسها التي تطلبها الصين، لكنها لم تتلقّ إجابات تُذكر، وفقاً لمسؤولين مطلعين، ثم استدعت قادة الأعمال لاجتماع طارئ من دون أن تحقق نتائج ملموسة.

ويرى مراقبون أن فرض التزامات قانونية على الشركات لتقديم البيانات سيكون مسألة سياسية حساسة، إذ تشتكي الشركات أصلاً من البيروقراطية، بينما وعدت حكومة ميرز بتقليص الإجراءات الإدارية. لكن الطرفين لا يزالان عالقيْن في المأزق، فالشركات تتردد في تنويع مصادرها من دون تعويض حكومي، في حين يرى السياسيون أن على القطاع الخاص تحمّل مسؤولية تأمين سلاسله بنفسه. ويقول المستشار ميرز إن القضية على رأس أولوياته: "الاعتماد يجعلنا عرضة للابتزاز. ومن أجل أمننا وتنافسيتنا، يجب أن يكون تنويع مصادر المواد الخام وسلاسل التوريد أولوية قصوى".

الصين تضغط والمفاوضات مستمرة

يعتقد مطلعون على تفكير بكين أن الصين تستخدم نهجها المتشدد لانتزاع تنازلات. فقد عرضت بكين تخفيف بعض القيود إذا خففت ألمانيا بدورها قيود تصدير التكنولوجيا المتقدمة. وتسعى برلين لإقناع بكين بتمديد صلاحية تراخيص الاستيراد إلى أكثر من ستة أشهر، فيما تجرى مناقشات بين بكين والاتحاد الأوروبي حول إجراءات انتقامية محتملة.

لكن بكين أوضحت أنها تفضّل التفاوض الثنائي مع المستشار الألماني بدلاً من حوار أوروبي موحّد، ما يزيد الضغط على فريقه. ورغم تأكيد مستشاري ميرز أنه لن يواصل سياسة التساهل القديمة مع الصين، إلا أن قدرته محدودة لأن تبديل سلاسل التوريد سيزيد التكاليف. وقال رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل في مقابلة مع "بلومبيرغ": "يكون من الأفضل التوصل إلى نوع من الاتفاق. لكن إذا كانت المواجهة الخيار الأخير، فعلينا أن نكون أقوياء ونتخذ قراراً جريئاً".

ورغم أن بعض قادة الأعمال يخشون من تباطؤ الحكومة الألمانية بسبب انشغالها بالأزمات الداخلية، إلا أنهم يعترفون بصعوبة التخلي عن المكاسب التي يوفرها التعامل مع الصين. وقال مسؤول ألماني إن الشركات تحتاج إلى اليقين والاستقرار، لكنه عبّر عن قلقه من قبولها شروط بكين بالكامل، مضيفاً أنه من الصعب انتقاد الصين بينما لا تملك ألمانيا بدائل حقيقية.

المساهمون