هل تنجح العقوبات الغربية في حجب النفط الروسي عن الأسواق؟

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
شركة لوك أويل، سانت بطرسبرغ في 5 يونيو 2024 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت أسعار النفط تقلبات حادة بسبب التوترات الجيوسياسية، حيث انخفضت الأسعار نتيجة وفرة المعروض وعدم اليقين السياسي، ثم ارتفعت بعد فرض عقوبات أمريكية على شركات النفط الروسية.

- تهدف العقوبات الأمريكية إلى تقليص عائدات النفط الروسية لتمويل حربها في أوكرانيا، مما يفرض ضغوطاً على دول مثل الصين والهند التي تشتري النفط الروسي بأسعار مخفضة، رغم الشكوك في فعالية العقوبات.

- أدت العقوبات إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، مما يزيد الضغوط الاقتصادية على المستهلكين، خاصة في أوروبا، مع توقع استمرار تقلب الأسعار بسبب التطورات السياسية.

حتى إغلاق يوم أمس الأربعاء، كانت أسعار النفط وأسهم شركاته تحت مقصلة التقلب مثل كل السلع الرئيسية في الآونة الأخيرة في ظل تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. لكن هم النفط همّان، أولهما عدم اليقين السياسي، والثاني وفرة المعروض مع إطلاق دول أوبك+ لطاقاتها التي عطلتها طوعاً لخفض الإنتاج، كان طبيعياً لذلك أن تصل الأسعار أمس إلى ما دون 59 دولاراً للبرميل وهي الأقل على مدى عام.

لكن الأسواق استيقظت الخميس على واقع مختلف، ليتأكد مجدداً أن السلعة الاستراتيجية الأهم في العالم لا تحكمها شروط السوق ومعادلة العرض والطلب فقط، بل "الجيوبوليتكس" قبل أي شيء آخر. فالعقوبات الأميركية على عملاقي النفط الروسيين روسنفت، و لوك أويل، دفعت الأسعار إلى أعلى مجدداً وسجل خاما برنت وغرب تكساس الوسيط أعلى مستوياتهما في نحو أسبوعين بعد موجة الارتفاع الأخيرة. ولأن ارتفاع النفط يرتبط هذه المرة بقرارات سياسية وعقوبات من طرف واحد، فالمتوقع كما يتفق الخبراء أن تظل الأسعار رهينة لهذه القرارات، لذلك فمن الضروري معرفة كيف تؤثر على السوق في الفترة المقبلة.

النفط الروسي في الأسواق

من المبكر القول ما إذا كانت العقوبات الأميركية الجديدة ستؤدي إلى حجب كامل النفط الروسي عن الأسواق العالمية، ومن ثم تفعيل معادلة طلب أكثر/معروض أقل، فنصيب روسنفت و لوك اويل يبلغ قرابة نصف الصادرات الروسية، ويبلغ 3.6 ملايين برميل يومياً. لكن الولايات المتحدة وأوروبا، سعتا منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا قبل أكثير من ثلاثة أعوام، لقطع الخام الروسي عن الأسواق وهو ما يذكر بما حدث مع إيران وفنزويلا من قبل، لكن في معظم الأحوال لم تكن تلك العقوبات صارمة بما يكفي للتأثير على السوق.

ونجحت موسكو في بيع خامها بسعر مخفض قليلاً عن الأسعار العالمية، وضمنت اثنين من كبار المستهلكين هما الهند والصين، اللتان أصبحتا منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض محط استهداف من الجانب الأميركي/ الأوروبي لإجبارهما على التوقف عن شراء النفط الروسي. لكن إغراء النفط الرخيص كان موجوداً حتى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه مع مواصلة سلوفاكيا والمجر الحصول على حصة منه. وللتذكير فإن روسيا هي ثالت أكبر منتج للنفط في العالم بعد السعودية والولايات المتحدة، بحصة تبلغ 10% من الإنتاج و13% من الصادرات، وقد يؤدي غيابها الكامل إلى اختفاء ما يراوح بين 7-8 ملايين برميل يومياً، وهو رقم ليس بالهين.

المأزق الصيني - الهندي

في رأي الكثيرين، أن وضع روسنفت ولوك أويل على القائمة السوداء من قبل أميركا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، يمثل ضربة مزدوجة ليس لعائدات النفط التي تمول "آلة الحرب الروسية" فقط، بل للاقتصاد الصيني الذي يحصل من روسيا على 20% من وارداته، أي مليوني برميل يومياً. وتتوقع الدوائر الغربية أن تحدث العقوبات صدى عميقاً في قلب صناعة النفط الصينية، حيث تواجه المصافي الحكومية والخاصة على حد سواء ضغوطاً متزايدة للحفاظ على الإمدادات وتجنب الوقوع تحت طائلة العقوبات.

أما الهند التي دفعت الثمن مبكراً متمثلاً في رسوم أميركية بنسبة 50% على صادراتها للولايات المتحدة حتى تتوقف عن شراء النفط الروسي، فيبدو موقفها متأرجحاً وسط تقارير أخيرة عن قبولها للتوقف التام عن شراء النفط الروسي ضمن تسوية مع إدارة ترامب، وهو امر لم تؤكده نيودلهي رسمياً حتى اللحظة.

وتكمن المخاطر أمام كل من الصين والهند — أكبر زبائن روسيا — في التعامل مع الكيانات الخاضعة للعقوبات، إذ قد يؤدي ذلك إلى تعرض الشركات لعقوبات ثانوية قاسية تشمل العزل عن النظام المصرفي الغربي والوصول إلى الدولار، أو استبعادها من التعامل مع المنتجين والتجار وشركات الشحن والتأمين الغربية التي تشكّل العمود الفقري لأسواق السلع العالمية، وهو أمر لم يتضح حتى الآن.

ويستبعد خبير النفط العالمي الدكتور ممدوح سلامة، في تصريحات لـ"العربي الجديد" انصياع الصين والهند بالكامل للعقوبات الغربية على النفط الروسي، ففي رأيه أن الحرب الروسية الأوكرانية  قد أحدثت تغيراً جوهرياً في سوق النفط الروسي، وجعلت مركزه يتحول من أوروبا إلى منطقة المحيط الباسيفيكي وتحديداً الصين والهند. ويقول سلامة " هذه العقوبات لن يكون لها أي تأثير مثل سابقاتها، وستفشل فشلاً ذريعاً". ويرى أن "الصين ترفض رفضاً قاطعاً العقوبات الغربية وتستمر في شراء ليس فقط النفط الروسي، ولكن النفط الإيراني والفنزويلي أيضاً، أما الهند فقد أبلغت الولايات المتحدة أنه لا يمكنها التوقف عن شراء النفط الروسي لأن مصالحها الوطنية تتطلب شراء النفط الأرخص".

هدف العقوبات وتأثيرها

من الواضح أن الهدف الرئيسي للعقوبات هو الحد من قدرة روسيا على تمويل الحرب في أوكرانيا، ولكي يحدث ذلك لا بد من قطع شريان العوائد النفطية التي تمثل ربع مداخيل الميزانية الروسية. لكن ترامب رجح في تصريحاته أن تكون العقوبات مؤقتة ريثما يتم التوصل إلى تسوية سلمية. وفي حال عدم فرض عقوبات ثانوية على الشركات التي ترتبط مباشرة بمشتري النفط الروسي، أي شركات الشحن، والتأمين والمستثمرين، فربما يظل تأثيرها محدوداً أو لن يظهر إلا بعد فترة.

وكتب إدوارد فيشمان، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية في منشور على موقع إكس، أن أهمية العقوبات الجديدة  تعتمد على الخطوة التالية: “هل ستلوّح واشنطن بعقوبات ثانوية ضد المصارف الصينية، أو التجار الإماراتيين، أو المصافي الهندية التي تتعامل مع روسنفت ولوك أويل؟". وأشار إلى أنه يتوقع “تراجعاً جزئياً في التعاملات النفطية مع روسيا على المدى القصير".

وقد أدت أنباء العقوبات إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، إذ صعد خام برنت بنسبة 5%، مقارنة بزيادة قدرها 1.6% بعد إعلان بريطانيا عقوباتها الأسبوع الماضي. وتؤكد روسيا باستمرار أن العقوبات الغربية على منتجاتها من النفط والغاز تؤدي إلى حالة من الاضطراب في الإمدادات وتؤثر على الأسعار الخاصة بالمستهلكين، وهو أمر اختبره الأوروبيون أكثر من غيرهم عندما توقفوا عن شراء الغاز الروسي الأرخص مع بداية الحرب، الأمر الذي خلق أزمة تكاليف المعيشة التي لم تنته بعد، وطاولت كل شيء تقريباً في الحياة اليومية للمواطن الأوروبي.

يتكرر الأمر هذه المرة مع موجة أكبر من عدم اليقين في الأسواق، ويجمع المراقبون على أن الأسعار ربما لن تتأثر على الأجلين المتوسط والطويل، ما دامت العقوبات لا تشمل مصادر الشحن والتمويل المتعلقة بهذه الشركات، لكن الدرس البسيط هنا هو أن أسعار النفط أكبر من تنبؤ دائم وسط محيط عالمي مضطرب ورئيس أميركي متقلب.

المساهمون