هل تحد مصر من الاستثمارات الإماراتية في الموانئ والشركات الاستراتيجية؟
استمع إلى الملخص
- ارتفعت الاستثمارات الإماراتية في مصر بنسبة 4.8% لتصل إلى 2.2 مليار دولار، مع التزام الحكومة بتوجيه 68% من الاستثمارات العامة نحو القطاع الخاص، مع الحفاظ على دورها في الاقتصاد عبر شراكات استراتيجية.
- تواجه البورصة المصرية تحديات في ملكية الشركات الكبرى مع تزايد استحواذ المستثمرين الأجانب، مما يقلل من نسب التداول الحر ويثير قلق الحكومة بشأن تأثير ذلك على صغار المساهمين والاستثمار المحلي.
رفضت الشركة القابضة للنقل البحري والبري في مصر بيع أسهمها في عرض شراء إجباري للاستحواذ على أصولها في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع لشركة تابعة لهيئة موانئ دبي الإماراتية يوم الاثنين قبل الماضي. وتحدثت مصادر اقتصادية لـ"العربي الجديد" عما سمته "توجهات عليا"، يقصد بها عادة تعليمات من مؤسسة الرئاسة أو أجهزة الأمن القومي والجيش، بعدم تخلي الحكومة عن نسبة حاكمة من أسهم الشركات المطروحة للبيع للمستثمرين الأجانب والمصريين، التي تعمل في قطاعات استراتيجية والتي تشمل النقل واللوجيستيات بالموانئ والمطارات، وصناعات البترول والأسمدة والبنوك والمعاملات المالية.
وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي ارتفاع قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر إلى 2.2 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2024 /2025.
وجاء ذلك مقارنة بـ2.1 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالي 2023 /2024، بنسبة زيادة بلغت 4.8%. وكانت مصر وقعت في فبراير/ شباط 2024 عقداً لتطوير مشروع رأس الحكمة بشراكة إماراتية، على أن يستقطب المشروع استثمارات تزيد قيمتها عن 150 مليار دولار لتنمية الساحل الشمالي، تتضمن 35 مليار دولار استثماراً أجنبياً مباشراً.
في السياق، قال مصدر مطلع لـ"العربي الجديد" إنه في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أُطلقت توجهات جرى التوافق عليها بين الحكومة وبعثة صندوق النقد الدولي التي زارت القاهرة نهاية 2025، وسيتم العمل بها، ضمن اتفاق يضمن استمرار الحكومة في خطة وثيقة بيع الأصول العامة المتفق عليها مع الصندوق عام 2022، وجرى تطويرها في مارس/ آذار 2024، على ألا تتدخل بعثة الصندوق في إعادة هيكلة المؤسسات الاستراتيجية وهيكلة الشركات التابعة للجهات السيادية، التي تعتبرها الحكومة ماسة بالأمن القومي.
وفقاً للمصدر المطلع، الذي رفض ذكر اسمه، فإن الحكومة منحت صندوق النقد ضمانة بأن توجه 68% من الاستثمارات العامة نحو القطاع الخاص، على أن يظل دورها مستمراً في الاقتصاد عبر شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص المصري والأجنبي، مع وضع أولوية لطرح الشركات الناجحة أمام القطاع الخاص، لتشجيعه على الولوج إلى مشروعات طرح الأصول العامة، التي ستباع لمستثمرين استراتيجيين أو في اكتتابات عامة في بورصة الأوراق المالية.
الأمن القومي المصري
وأكد مسؤول سابق في هيئة الرقابة المالية، يعمل مستشاراً دولياً في خصخصة المشروعات الحكومية لـ"العربي الجديد" أن عدم تمرير صفقة استحواذ شركة "بلاك كاسبيان لوجستيكس هولدنج ليمتد" المملوكة لهيئة موانئ دبي الإماراتية، على 90% من شركة تداول الحاويات والبضائع المصرية، يرجع إلى عدم وجود نية للحكومة في بيع الأسهم المملوكة لها، التي تمثل 35.369% من إجمالي الأسهم، وذلك بعد استحداث تعليمات حكومية، بضرورة وجود استثمارات حكومية داخل الشركات المرتبطة بالموانئ والمنافذ السيادية، تمكنها من ملكية حاكمة تضمن لها دوراً كبيراً في تشكيلات مجالس إدارة الشركات المطروحة للبيع، وبما يسمح لها بالرقابة عن كثب لكافة أعمال تلك الشركات أو تغيير مجالس الإدارات والاعتراض على قراراتها في حالة تعارضها مع سياسات الدولة.
قال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب لـ"العربي الجديد" إن المفاوضات الأخيرة بين مصر وصندوق النقد، والتي يجري استكمال التحاور بشأنها حالياً في واشنطن، استهدفت ضمانات مرونة سعر الصرف والتزام الحكومة بعدم تجاوز سقف الدين العام الأجنبي والخارجي الحالي، مع طرح أصول عامة أمام المستثمرين لتمويل العجز في الموازنة، مؤكداً أن الاتفاق تناول عدم تدخل إدارة الصندوق في إعادة هيكلة الشركات التابعة للجهات السيادية التي تمثل أحد أطراف المعادلة في الأمن القومي المصري، والإفصاح عن كافة تفاصيلها يضر بتلك الجهات، مقابل التزام الحكومة بباقي بنود الاتفاق، التي تمنح القطاع الخاص صلاحيات واسعة في إدارة الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.
عروض الشركات الإماراتية
في تفسير آخر للحدث أكدت خبيرة في بورصة الأوراق المالية لـ"العربي الجديد" أن العرض الذي تقدمت به "موانئ دبي" عبر شركتها الفرعية، لشراء أسهم "الإسكندرية للحاويات" عبارة عن عرض شراء إجباري للاستحواذ على 90% من رأسمال "الحاويات المصرية" التي تملك بها حالياً نسبة 19.32% من أسهمها، بسعر شراء مبدئي بقيمة 22.99 جنيها للسهم، سيؤهل هيئة موانئ دبي التي تمتلك 51.328% من أسهم "الإسكندرية للحاويات" عبر شركتيها الفرعيتين "بلاك كاسبيان لوجستيكس" و"ألفا أوريكس ليمتد" للسيطرة على 92.37% من حصة الشركة القابضة للنقل البحري والبري في "الإسكندرية للحاويات"، بينما تظل الملكية العامة محدودة عند 7.63% فقط والتي تملكها هيئة ميناء الإسكندرية.
وأضافت الخبيرة أن امتناع هيئة النقل البحري عن تلبية طلب هيئة موانئ دبي، يعد تنفيذاً لسياسة بدت واضحة في الربع الأخير من العام الماضي، لمنع عمليات الاستحواذ التي قامت بها شركات أجنبية والتي مثلت أغلبها شركات إماراتية، لضمان احتفاظ الجهات المصرية بثقل تصويتي ومواقع قوية في مجلس إدارة الشركات المطروحة للبيع، وضمان عدم تحويلها إلى كيان شبه مملوك بالكامل لمستثمر واحد، مبينة أن العرض الإماراتي غير ملزم لقبوله من الشركة القابضة للنقل البحري، بخاصة أن السهم الذي تطلبه له قيمة أعلى، ويحقق توزيعات أرباح للدولة بشكل أفضل من الخروج من نشاط النقل البحري الذي يلقى رواجاً حالياً.
تفسر خبيرة سوق المال، التي رفضت ذكر اسمها، تعطيل صفقة بيع أسهم "الإسكندرية للحاويات"، بأنها رسالة للمستثمرين الذين يضغطون على الحكومة لبيع الأصول العامة على عجل، بسبب الضغوط المالية التي تواجهها حالياً، لإتمام اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، الذي يضمن حصول مصر على نحو 2.7 مليار دولار، في حالة إتمامها صفقات لبيع الأصول العامة بقيمة 6 مليارات دولار، قبيل يونيو/ حزيران 2026، منوهة إلى أنها رسالة بأن الحكومة لا تقبل الأسعار المتدنية لأصولها، وليست مضطرة للبيع، كما يعد الامتناع بدون رفض صريح للصفقة من قبل الحكومة، باباً مفتوحاً للحصول على عروض أفضل أو شروط أكثر أمناً في حالة إعادة التفكير في العرض الإماراتي مستقبلاً.
أشارت خبيرة التمويل والتسويق إلى سبب جوهري آخر، انتبهت إليه هيئة سوق المال وإدارة البورصة المصرية مؤخراً، حيث تعدد الخروج الطوعي للشركات المباعة لمستثمرين رئيسيين من سوق التداول بالبورصة، ووجود مؤشرات على رغبة شركات إماراتية في الخروج الطوعي من سوق التداول خلال عام 2026، تعمل في قطاعات استراتيجية، منها الأسمدة والبتروكيميائيات والنقل البحري، في اتجاه معاكس لرغبة الحكومة في زيادة عدد الأوراق المالية المطروحة للتداول أمام المتعاملين، لتشجيع زيادة تعامل المستثمرين والأفراد وتوجه المدخرات نحو شراء الأسهم، للحد من ظاهرة الدولرة والمضاربة في سوق العقارات والذهب والمعادن، التي تسبب إحجام أصحاب المدخرات عن توجيه الأموال لتمويل المشروعات الإنتاجية والصناعية.
كما نوّهت إلى أن خروج الشركات المستحوذ عليها، يأتي طوعياً بعد موافقة الجمعيات العمومية التي يتحكم في إدارة أعمالها الملاك الجدد، ولا تستطيع الجهات الرسمية التدخل في قراراتها، إلا في حدود اعتراض بعض المساهمين، رغم تسببها في تقليل التداول الحر وإعادة تقييم موقع السهم وتغيير شكله في السوق، الأمر الذي يضر بصغار المساهمين.
أوضحت الخبيرة أن شركة "حديد عز" تمثل أكبر حالات الاستحواذ التي جرت عام 2025، والتي مكنت أكبر مالك للأسهم من إعادة هيكلة الملكية، وشراء أسهم المعترضين بأعلى سعر، ورفع الشركة من تداول أسهمها في البورصة، رغم الثقل الكبير الذي كانت تمثله في قطاعات الصناعات الهندسية بسوق المال، مبينة أن مجموعة "السويدي إليكتريك" التي استحوذت عليها شركات إماراتية مؤخراً، تسعى إلى الخروج من البورصة نتيجة ارتفاع ملكية المستثمرين الكبار، الذين قللوا من التداول الحر على أسهم الشركة التي باتت جاهزة للخروج من مؤشرات البورصة.
تغيير الملكيات في البورصة
تشهد البورصة منذ فبراير 2025، تغييرات واسعة في مؤشر إيجي أكس-30 الرئيسي، مع تغيير في ملكية شركات كبيرة لأفراد أو كيانات أجنبية منفردة، منها بي إنفستمنت وبنك فيصل الإسلامي المصري ومجموعة مستشفيات كليوباترا وشركة "هليوبوليس هوسنج" للإسكان، والبنك التجاري الدولي وشركة "فوري" لتحويل الأموال وأبو قير للأسمدة و"موبكو" لإنتاج الأسمدة، التي لا تزال متداولة في البورصة، مع ذلك تشهد تراكماً كبيراً في الملكية لدى مستثمرين أغلبهم إماراتيون، بما قلل من نسب التداول الحر على أسهم تلك الشركات، بعد أن ظلت لسنوات قاطرة النمو بسوق التداول للأسهم.
في سياق متصل، أوضح رئيس البورصة المصرية إسلام عزام، في تصريحات صحافية مطلع الأسبوع الجاري، بأن رأس المال السوقي يشهد زيادة نمو بالشركات المدرجة بنسبة 39% بنهاية 2025، لتبلغ 250 شركة مقيدة في 18 قطاعاً بإجمالي رأسمال سوقي 2.9 تريليون جنيه (الدولار = نحو 47.5 جنيها)، تمثل 16% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح أن قيمة التداول اليومية تخطت 6 مليارات جنيه في الربع الأخير من العام الماضي، مع ارتفاع المتوسط اليومي للكمية المتداولة إلى نحو 1.6 مليار ورقة مالية بعدد عمليات تزيد عن 113 ألف عملية، في حين بلغ المتوسط اليومي لعدد المستثمرين المتداولين بجلسة التداول الواحدة، نحو 37 ألف متداول، يعكسون ارتفاعاً في المتوسط اليومي لعدد المستثمرين الجدد إلى 1157 عميلاً.