استمع إلى الملخص
- تسعى مصر لعقود طويلة الأجل مع قطر لضمان استقرار التوريد بأسعار تفضيلية، مما يمثل فرصة لقطر لتعزيز نفوذها في سوق الطاقة وحلاً لمصر لأزمة الكهرباء.
- رغم قرب إسرائيل، تعرقل العقبات الجيوسياسية الاتفاق، بينما تتمتع قطر بعلاقات قوية مع مصر، مما يعزز التعاون في مجال الطاقة.
في ظل تعثر صفقة الغاز الإسرائيلي المقدرة بقيمة 35 مليار دولار منذ نحو ثلاثة أشهر، أفادت تقارير إعلامية مصرية وعبرية باحتمال اتجاه القاهرة نحو الدوحة من أجل تعويض فجوة الغاز، مع تشديد وزارة البترول المصرية على سياسة التنويع وعدم الاعتماد على مصدر واحد.
وأكد خبراء اقتصاد لـ"العربي الجديد" أن الصفقة أصبحت خياراً استراتيجياً ملحاً للقاهرة لتعويض الفجوة المفاجئة الناتجة من تعثر الاتفاق مع إسرائيل وخاصة أن الدوحة لديها القدرة على توفير أي كميات تحتاجها القاهرة، إلا أن هناك عوامل عديدة متداخلة لحسم هذا التوجه ومنها السعر.
ولم ترد إدارة شركة قطر للطاقة، حتى إعداد التقرير، على استفسار "العربي الجديد" الذي أرسل عبر البريد الإلكتروني لقسم الإعلام والاتصال في الشركة حول هذا الموضوع. وفي أغسطس/ آب الماضي، أعلنت شركة "نيو ميد إنرجي" (NewMed Energy)، الشريك في حقل "ليفياثان" الإسرائيلي، عن توقيع تعديل على اتفاق تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، يشمل إضافة نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى الاتفاق الأصلي، موزعة على مرحلتين، الأولى تشمل تصدير نحو 20 مليار متر مكعب فور دخول التعديل حيز التنفيذ.
وتنص المرحلة الثانية على تصدير قرابة 110 مليارات متر مكعب، لكنها مشروطة باستيفاء متطلبات استثمارية وتوسعة في البنية التحتية لنقل الغاز، مع تمديد فترة التوريد حتى عام 2040، أو حتى استنفاد الكمية الإضافية المتفق عليها، أيهما يحدث أولاً.
وأعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية، أول من أمس، أن المحادثات حول اتفاقية توريد الغاز الطبيعي إلى مصر وصلت إلى "مراحل متقدمة"، لكن لا تزال هناك مسائل تحتاج إلى حل.
خيار استراتيجي للقاهرة
يرى الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة قطر، جلال قناص، أن الصفقة أصبحت خياراً استراتيجياً ملحاً للقاهرة لتعويض الفجوة المفاجئة الناتجة من تعثر الاتفاق مع إسرائيل، موضحا أن ما يدعم ذلك جاهزية مصر اللوجستية مؤخراً عبر استئجار وحدات "تغويز" عائمة في العين السخنة والعقبة، مما أزال العقبات الفنية لاستقبال الغاز المسال.
وعن إمكانية تزويد قطر لمصر بكميات الغاز المطلوبة، أكد قناص في حديث مع "العربي الجديد" أن الدوحة قادرة كلياً على تلبية الطلب المصري، مدعومة بمشروع توسعة حقل الشمال، الذي سيرفع إنتاج قطر 77 مليون طن سنويا حاليا، إلى 126 مليون طن العام المقبل ثم إلى 142 مليون طن سنوياً بحلول 2030. إذ تبحث قطر عن أسواق مستدامة ومستهلكين كبار لتصريف هذا الفائض المستقبلي، ومصر تمثل "الزبون المثالي" جغرافياً واستهلاكياً.
وذهب أستاذ الاقتصاد إلى أن الاتجاه نحو صفقه عقود طويلة الأجل (5 سنوات فأكثر) لضمان استقرار التوريد، بكميات قد تصل إلى عشرات الشحنات سنوياً لسد العجز المصري المتفاقم (2-3 مليارات قدم مكعبة يومياً)، حيث سيصل الغاز مسالاً (LNG) عبر البحر، وليس عبر أنابيب مباشرة.
واعتبر أن السعر هو التحدي الرئيسي؛ إذ تسعى مصر للحصول على أسعار تفضيلية أو تسهيلات في الدفع في جزء من "تفاهمات سياسية واقتصاديه" لتجنب أسعار السوق الفوري المرتفعة، وهو أمر وارد في ظل العلاقات الدافئة حالياً.
وخلص قناص إلى أن الصفقة تمثل طوق نجاة لمصر لإنهاء أزمة انقطاع الكهرباء وتأمين الصناعة، وفرصة ذهبية لقطر لتعزيز نفوذها في سوق الطاقة الإقليمي.
مستقبل الاستيراد من إسرائيل
أما الخبير في الطاقة والنفط، طارق الشيخ، فيقول، "قبل البحث عن إمكانية توقيع الصفقة مع مصر من المهم معرفة أسباب توقف مباحثات مصر مع إسرائيل حول التعديل الأخير للاتفاقية، والذي أعلن عنه في أغسطس/ آب الماضي؟ وهل وصلت محادثاتهما إلى طريق مسدود، أم أنه في لحظة ما ستزول العقبات ويُبحث اتفاق جديد؟".
واقتصاديا يرى الشيخ في حديث مع "العربي الجديد"، أن استيراد مصر الغاز من إسرائيل ربما يكون خيارا أفضل، نظرا لقرب المسافة، ولكنه محاط بعقبات جيوسياسية قد تحول دون مضي مصر بالاتفاق مع إسرائيل، موضحا أن علاقات مصر مع قطر على صعيد الطاقة لم تسر في خط مستقيم دوما، ويوجد تعاون في استكشاف الغاز واستخراجه بين البلدين، وهناك توافق فيما يتعلق بمرور الغاز المسال القطري عبر قناة السويس، وإن كانت مصر تحاول، من حين لآخر، فرض شروط تضيق على مرور الغاز القطري عبر قناة السويس، لكنها لا تلبث أن تتراجع.
ولفت إلى أنها محاولات تبدو مدفوعة بطموحات مصر، وتنقيبها عن الغاز الطبيعي، ورغبتها في التحول إلى مصدر إلى أوروبا القريبة جغرافيا.
ويتفق الشيخ مع قناص على أنه يمكن لقطر توفير ما تحتاجه مصر من الغاز المسال خاصة مع الاعتبار لطبيعة اتفاقيات الغاز المسال من جهة، والتي تأخذ أجلا طويلا، ما يعني أن قطر وبعد اكتمال مشاريع التوسعة في إنتاج الغاز الطبيعي المفترض أن يبدأ في 2026، ستكون قادرة على توفير احتياجات مصر من الغاز المسال، موضحا أن الدوحة أبدت دوما موقفا منفتحا تجاه مصر لتوفير احتياجاتها من الغاز المسال. وخلص الشيخ إلى أن هذا الأمر رهين برغبة مصر ونتيجة المفاوضات مع إسرائيل التي يعتقد أنها لن تتوقف لأسباب جيوسياسية وتبعا للمسار السياسي للأحداث في المنطقة.
وخلال السنوات الخمس الأخيرة، حضرت قطر بقوة في مشروعات الغاز والطاقة في مصر، وارتفع عدد المناطق التي تعمل فيها شركة قطر للطاقة إلى ست مناطق بحرية رئيسية بالشراكة مع عمالقة عالميين مثل "إيني"، "شيفرون"، و"إكسون موبيل". وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، استحوذت الشركة على حصة 40% في منطقة شمال رفح البحرية بالبحر المتوسط (مساحة 3000 كلم²، بأعماق تصل إلى 450 مترًا) من إيني التي تحتفظ بـ60%، بعد موافقة الحكومة المصرية، تليها صفقة أخرى في نفس الشهر بنسبة 27% في شمال كليوباترا بالتعاون مع شل (36%) وشيفرون (27%) وثروة للبترول (10%).
كما سبق لها الاستحواذ على 40% في كتلتي مسري والقاهرة البحريتين مع إكسون موبيل في مايو/ أيار 2024، و23% في شمال الضبعة (H4) مع شيفرون في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. وتخطط "قطر للطاقة" لحفر ثلاث آبار استكشافية جديدة العام المقبل ضمن برنامج يمتد خمس سنوات، مما يعزز ثقتها في إمكانات الحوض المصري الغني بالغاز ويؤكد الشراكة القوية مع وزارة البترول المصرية.
تجدر الإشارة، إلى أن صادرات قطر من الغاز المسال، تراجعت خلال الربع الثالث من العام الجاري بنسبة 0.6% على أساس سنوي، مدفوعة بتراجع الشحنات خلال شهري يوليو/تموز، وأغسطس/آب، خلافًا لشهر سبتمبر/أيلول، بحسب تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية الصادر عن وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن).