هل الفقاعة المالية قادمة؟

22 ابريل 2021
الصورة
قلق استثماري من الارتفاعات القياسية بأسواق المال الأميركية
+ الخط -

هنالك علامات على قرب وقوع "فقاعة" مالية جديدة، تعود بِنَا إلى ما حصل في عام 2008 حيث اندلعت أزمة مالية عالمية؟ هل النمو السريع في الرقم القياسي لأسعار الأسهم المتداولة في البورصات الأميركية، مثل ناسداك، داو جونز، وستاندرد أند بورز، والتي ارتفعت خلال الأيام العشرة الأخيرة ارتفاعاً مذهلاً، يشكل علامة على ذلك؟

لقد تجاوز الرقم القياسي، حسب مقياس داو جونز، إلى 34,200 نقطة في نهاية التداول يوم السادس عشر من شهر إبريل/ نيسان الجاري، وقد كان قبل سنة تقريباً في حدود 22,790 نقطة. وقد تمثل هذا الارتفاع، بشكل واضح، في شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والشركات المالية، وشركات الأدوية، وشركات مطاعم الوجبات السريعة، وغيرها. وقد سجل مؤشر داو جونز ارتفاعاً سنوياً في دخل المستثمرين نسبته 41% تقريباً.
وفِي الوقت نفسه، بدأت تظهر علامات تحمل نُذُراً بالخطر. وبسبب التطاير والتقلب في أسواق المضاربة على العملات الرقمية المشفرة "الكريبتو"، حصلت خسائر كبيرة للمضاربين بها، وقد خسر الأميركيون ما قدره 1.7 مليار دولار في عام 2018.
وفِي شهر يناير/ كانون الثاني 2021، خسرت هذه العملات الرقمية حوالى مائتي مليار دولار من قيمتها. وبسبب التحايل، أورد موقع "Investopedia" أن الخسائر الناجمة عن عمليات النصب في هذه العملات الافتراضية يصل إلى تسعة ملايين دولار كل يوم، أو بواقع 3.2 مليارات في السنة، وهنالك قصص استجدّت عن حجم الخسائر في هذا السوق، كما جرى لشركة مالية أميركية كبيرة خسرت ما قيمته 800 مليون دولار بسبب استثمار جزء من أموالها في شركة كانت تضارب على عملة بيتكوين "Bitcoin".
وكلما هبطت أسعار العملات الافتراضية، يسارع رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك (Elon Musk) إلى إصدار بيان يشجع فيه المستثمرين والمخاطرين والباحثين عن الربح السريع على المضاربة على هذه العملات، خصوصاً البيتكوين، العملة الرقمية الأشهر، فترتفع الأسعار ثانية.
وقد أصبح ماسك، صاحب مصانع تيسلا لإنتاج السيارات الكهربائية، والمستثمر في سياحة الفضاء، نجم أسواق العملات الافتراضية، ويتبعه الناس. ونأمل ألا يكون الدور الذي يقوم به نسخة عن مغامرات من نعت بأنه أكبر نصاب في التاريخ، برنارد مادوف، (Bernand Madoff) الذي كان كبار المشاهير يجرون وراءه ليستثمر لهم أموالهم، إلى أن تبيّن أنه اختطف منهم ما يفوق 150 مليار دولار. وقد توفي الأسبوع الماضي عن عمر 82 عاماً.

ولا يقف الأمر بالطبع عند هذه المقارنات، بل يتعدّاه إلى الأسباب العلمية الكافية وراء إدارة أزمة كورونا، والإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيسين الأميركيين دونالد ترامب وجو بايدن من أجل إنعاش الاقتصاد الأميركي. لقد بلغت كلفة مجموعة إجراءات الإنقاذ من الرئيس ترامب، بعد انفجار أزمة كورونا، حوالى 1.7 تريليون دولار. أما كلفة مشروع الإنقاذ الاقتصادي التي تقدّم بها الرئيس جو بايدن، فقد تعدّت تريليوني دولار. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى أكثر من ثلاثة تريليونات دولار عند استكمال الموافقات عليه. ومع أن هذا المبلغ سيُستثمَر في تحسين البنى التحتية، والطاقة المتجدّدة، ونصرة الفقراء، ودعم الرواتب، ودعم المرأة، إلا أن العبرة ليست في أوجه الإنفاق فحسب، ولكن في مصدر الحصول على هذه المبالغ.
ما فعله الرئيسان، إصدار عملة تسمّى النقد الإلزامي (Fiat money)، التي تصبح نقداً إلزامياً بِحُكْم القانون (Legal tender)، لكن مصدرها يأتي من طريق طباعة النقود دون مقابل إنتاجي يزيد من الناتج المحلي الاجمالي. وتمنح هذه النقود للناس فيعيدون إنفاقها، وتدخل ضمن آلية السوق من دون أن يكون السوق قد أنتج ما يكفي لتوفيره كمقابل لها. وهنا تحصل فجوة بين الراغبين في استخدام هذه النقود والسلع والخدمات المتاحة مقابلها، ولذلك ترتفع الأسعار.
وقد حلل هذه الظاهرة الاقتصادي الشهير الحائز جائزة نوبل، ميلتون فريدمان "Milton Friedmen" صاحب النظرية الكلاسيكية الجديدة والمدافع الأكبر عنها. في بداية ضخ النقود، تنزل أسعار الفوائد، لأن العملة المتاحة بين يدي الناس تكثر فجأة، وتكون الزيادة في المقادير المتاحة للإقراض أعلى من الطلب عليها، ما يؤدي إلى خفض سعر الفائدة. هذا ما حصل في المدى القصير.
ولكن في المدى المتوسط، ينتج من انخفاض أسعار الفائدة ارتفاع في الطلب على الاستهلاك والاستثمار، لأن انخفاض كلفة المال على الودائع وعلى القروض يغري الناس بمزيد من الإنفاق، فيتسارع الإنفاق، وتبدأ الأسعار (أو التضخم) في الارتفاع. وبارتفاع الأسعار، يحصل تفاوت واضح بين أسعار الفوائد الحقيقية والأسعار النقدية، ما يؤدّي إلى اضطراباتٍ في أسواق المال. ولذلك، يلجأ الناس في توقعاتهم إلى التنجيم والمقامرة والتفاؤل والتشاؤم، وهو ما يُسمى أثر جيبسون "Gibson Effect".
وباضطراب التوقعات، تبدأ منحنيات العائد غير منطقية. وتصبح بعض السندات والأوراق المالية ذات الأجل القصير أعلى فائدة من السندات ذات المدى الطويل، أو ما يسمّى "منحنى العائد المقلوب". ومتى ما حصل هذا التوقع، يبدأ الناس في بيع وشراء سندات الإقراض وأسهم الملكية على غير هدى، ما قد يؤدي إلى انهيار السوق.
إذاً، بداية المخاوف من انهيار الأسواق المالية والتجارية ثانيةً تبدأ من بوابة التضخم، لا يزال التضخم في الاقتصاد الأميركي في حدود 2%، وهو رقم متدنٍّ بكل المقاييس. لكن مجلة "فوربس" "Forbes" تقول: "صحيح أن التضخم لم يأتِ بعد، لكنه حتماً قادم. وتقول وكالة بلومبيرغ الأميركية "Bloomberg" إن التضخم تصعب السيطرة عليه، لكن ذلك لا يعني حتمية قدومه. والآراء تكاد تكون منقسمة حول حتمية التضخم، لكن الموضوع مثار بشكل قوي.

إذا وقع التضخّم، فسيأتي بعده تراجع اقتصادي كبير يصيب العالم، فهل سيدخل العالم في منافسة بين الأقوياء، أم أنهم سيتفقون على التعاون لإحقاق الاستقرار الاقتصادي والنقدي في العالم؟

المساهمون