هكذا يُربك إغلاق الحكومة الأميركية البنك المركزي ويشل أدوات التقدير المالي

28 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 21:45 (توقيت القدس)
مؤتمر صحافي حول إغلاق الحكومة في واشنطن، 28 أكتوبر 2025 (ناثان بوسنر/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي تحديات في اتخاذ قرارات نقدية بسبب نقص البيانات الاقتصادية نتيجة إغلاق الحكومة الأمريكية، مما يؤثر على نشر تقارير حيوية مثل مؤشر أسعار المستهلك وتقرير الوظائف الشهري.

- تلجأ المؤسسات إلى بدائل إحصائية مثل تقارير ADP Research وIndeed، لكن هذه البدائل لا تضاهي دقة البيانات الحكومية، مما يضع الفيدرالي في موقف صعب لاتخاذ قرارات دقيقة بشأن أسعار الفائدة.

- يحاول الفيدرالي الموازنة بين تباطؤ سوق العمل ومخاوف التضخم، معتمدًا على تقارير بديلة، وقد يؤدي تقرير التضخم الأضعف لشهر سبتمبر إلى خفض الفائدة في ديسمبر.

في لحظة حرجة من عمر الاقتصاد الأميركي، يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام أحد أكثر اجتماعاته غموضاً منذ سنوات. فمع استمرار إغلاق الحكومة توقّفت عجلة إنتاج البيانات الاقتصادية التي يعتمد عليها الفيدرالي في قراراته حول أسعار الفائدة، ما يعني أن صانعي السياسة النقدية سيضطرون هذه المرة إلى اتخاذ قرارات مصيرية وسط ضبابٍ من المعلومات الناقصة.

فقد توقّف عمل وكالات حكومية أساسية مثل مكتب إحصاءات العمل (BLS) ومكتب التحليل الاقتصادي (BEA)، ما أدّى إلى تعليق نشر تقارير مفصلية مثل مؤشر أسعار المستهلك (CPI) وتقرير الوظائف الشهري وبيانات مبيعات التجزئة. فبعدما صدر تقرير الأسعار لشهر سبتمبر/أيلول في 24 أكتوبر/تشرين الأول، تأخّر موعده الأصلي أكثر من أسبوع، فيما أُجّل نشر بيانات التوظيف والتجارة لأجلٍ غير مسمّى.

في غضون ذلك، يجتمع مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي اليوم وغداً، لتحديد ما إذا كانوا سيواصلون خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها كما هي، لكن هذه المرة من دون امتلاك أحدث المؤشرات حول التضخم وسوق العمل. وفي غياب هذه البيانات الرسمية، سيلجأ الفيدرالي إلى تحليل الاتجاهات السابقة والتقارير الخاصة من القطاع الخاص والانطباعات الميدانية لاستشراف مسار الاقتصاد.

وتنقل بلومبيرغ عن محلّلين قولهم إن نقص البيانات سيعقّد مهمة الفيدرالي في تقييم مدى استقرار الأسعار وسرعة تباطؤ سوق العمل، وهما العاملان الأساسيان في تحديد السياسة النقدية المقبلة.

انقطاع البيانات الرسمية بسبب إغلاق الحكومة الأميركية

من المعروف أن جمع البيانات الإحصائية في الولايات المتحدة عملية ضخمة تعتمد بشكل كبير على المسوحات الميدانية، إذ يقوم موظفو مكتب الإحصاءات بجمع نحو 80 ألف سعر سلعة وخدمة شهرياً على ثلاث مراحل تمتدّ عشرة أيام لكل منها. وبسبب الإغلاق، لم يتمكن المكتب من جمع بيانات تشرين الأول، ما يجعل صدور التقرير المخصص له في 13 نوفمبر/تشرين الثاني موضع شكّ كبير.

وبحسب محلّلين في بنك باركليز، يمكن لمكتب الإحصاءات اللجوء إلى وسائل بديلة مثل جمع الأسعار إلكترونياً من مواقع التجزئة أو اعتماد أسلوب الاستكمال الإحصائي (imputation) عبر استخدام بيانات مشابهة لسدّ الفجوات. غير أن جودة الأرقام ستكون موضع تساؤل مهما بلغت الدقة المنهجية.

أما على صعيد سوق العمل، فيتوقّع خبراء في مورغان ستانلي أن تبقى بيانات التوظيف قابلة للتعويض بعد انتهاء الإغلاق، لأن معظم الشركات والمؤسسات تحتفظ بسجلاتها الداخلية. لكن المسوحات المنزلية قد تتأثر جزئياً كما حدث في إغلاق عام 2013، حين تراجعت نسبة الاستجابة بشكل طفيف فقط. في المقابل، تبدو بيانات مبيعات التجزئة أكثر حصانة لأن جمعها يتم عبر البريد والمنصات الإلكترونية، ما يجعلها "محمية نسبياً" من آثار إغلاق الحكومة الأميركية الحالي.

تاريخ من الشلل الإحصائي في الولايات المتحدة

الإغلاق الحالي هو الخامس عشر منذ عام 1981، وقد تسبّب كل منها بتعطيل مؤقت أو تأجيل للتقارير الاقتصادية. أبرزها إغلاق الحكومة الأميركية عامي 1995-1996 و2018-2019، حين أُلغيت أو تأخرت عدة تقارير تشمل الناتج المحلي الإجمالي والتجارة والتوظيف.

والإغلاق الأخير في 2018 كان الأطول في التاريخ الأميركي (35 يوماً)، وأدى إلى إلغاء بعض التقارير نهائياً مثل بيانات التجارة المتقدمة والمخزون، فيما نجا مكتب الإحصاءات من التعطيل بفضل تمويل مسبق مكّنه من إصدار تقارير التوظيف والتضخم في موعدها.

البدائل الإحصائية الخاصة في أميركا

ووسط انقطاع البيانات الرسمية، تتزايد أهمية البدائل الخاصة التي توفّرها شركات ومؤسسات مالية. فشركة "إيد دي بي" (ADP Research) تصدر تقديرات شهرية للوظائف الخاصة، بينما تنشر منصة "إنديد" (Indeed) أرقاماً حول فرص العمل، وتقدّم شركة "تشالينجر، غراي وكريسماس" (Challenger, Gray & Christmas) إحصاءات عن التسريحات الشهرية. كما تطوّر مؤسسات مثل "ريفيليو لابز" (Revelio Labs) بياناتها المستقلة بالاعتماد على أكثر من 100 مليون ملفّ توظيف إلكتروني.

كذلك توفّر بنوك كبرى مثل "غولدمان ساكس" و"بنك أوف أميركا" و"كارلايل غروب" تقارير داخلية عن النمو والتوظيف، لتزويد المستثمرين بمؤشرات بديلة تساعدهم على قراءة المشهد. لكن خبراء الاقتصاد يؤكدون أن هذه البدائل، رغم قيمتها، لا تضاهي المنهجية المعيارية للبيانات الحكومية.

وفي ظلّ هذا الالتباس، يحاول الفيدرالي الموازنة بين مؤشرات تباطؤ سوق العمل، التي تدفع نحو خفض الفائدة، ومخاوف تصاعد التضخم بفعل الرسوم الجمركية، التي قد تستدعي الحذر أو التريّث. وفي هذا الصدد، تنقل بلومبيرغ عن عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر إشارته في مقابلة مع قناة "سي إن بي سي" (CNBC) إلى أنه يتابع تقارير صادرة عن ADP وCarlyle كبدائل مؤقتة، مؤكداً أنها جميعاً "تحكي القصة نفسها: سوق العمل تضعف".

ومن المفارقات أن ADP كانت تزود الفيدرالي سابقاً ببيانات أسبوعية سرية، لكنها توقفت عن ذلك بعدما ذكر والر استخدامها في خطاب علني في آب الماضي، لتعلن لاحقاً أنها ستنشرها بشكل علني أسبوعياً إلى جانب تقريرها الشهري.

وتشير قراءة الاقتصاديين إلى أن تقرير التضخم لشهر سبتمبر/أيلول، الذي جاء أضعف من المتوقع، قد يفتح الباب أمام خفض جديد للفائدة في اجتماع كانون الأول، خاصة إذا لم تصدر أي بيانات رسمية إضافية قبل ذلك الموعد. أما اجتماع 28 و29 أكتوبر الحاصل حالياً، فسيكون اختباراً لقدرة الفيدرالي على التحكّم بسياسات نقدية دقيقة في غياب البوصلة الرقمية التي لطالما استند إليها.

المساهمون