هكذا صنعت الصين فائضاً تجارياً قياسياً يفوق تريليون دولار
استمع إلى الملخص
- حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من "اختلالات" في العلاقات التجارية للصين، بينما هدد الرئيس الفرنسي بفرض رسوم جمركية مماثلة لتلك التي فرضها ترامب.
- شهد قطاع السيارات أكبر زيادة في الفائض التجاري للصين، حيث ارتفع إلى 66 مليار دولار، مع فائض في البطاريات بقيمة 64 مليار دولار، مما يعكس تحولًا في تجارة السيارات الكهربائية.
في عام هيمنت عليه حرب الرسوم الجمركية التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب
، وسط عاصفة من الرسوم والمفاوضات التجارية المتقطّعة، كشف الفائض الصيني البالغ تريليون دولار بوضوح أنّ بكين ما زالت قوة تصدير لا يمكن وقفها. ورغم أنّ فائض الصين التجاري مع الولايات المتحدة يقلّ بأكثر من 100 مليار دولار حتى الآن هذا العام، مقارنة بإجمالي العام الماضي، فإنه ارتفع في عدد كبير من الوجهات الأخرى من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا. والنتيجة فائض تاريخي في تجارة السلع على مستوى العالم بلغ 1.08 تريليون دولار لغاية نوفمبر/ تشرين الثاني، مدفوعاً بصادرات قيمتها 3.41 تريليونات دولار، متجاوزاً كل الأرقام المسجّلة في الأعوام السابقة.وخلال هذا الأسبوع حذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا في بكين من "اختلالات" في العلاقات التجارية للصين، بعد ساعات فقط من تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنّ هذه الاختلالات باتت "لا تحتمل" وهدّد بفرض رسوم جمركية على بكين أسوة بما فعله ترامب.
ويعكس هذا الفارق التجاري صعود الصين في سلاسل القيمة الصناعية، ولا سيما في قطاع السيارات، إضافة إلى هيمنتها الراسخة منذ سنوات في مجالات مثل الهواتف والحواسيب إلى جانب السلع الأقل قيمة.
وقالت كبيرة خبراء الاقتصاد للصين الكبرى في بنك سوسيتيه جنرال، ميشيل لام، لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، اليوم الخميس، إنّ "الفائض التجاري سيستمر في النمو على الأرجح في الأجل القريب"، مضيفة أنّ هذه "مشكلة لن تختفي في أي وقت قريب".
قفزة في جنوب شرق آسيا
يُعد نمو صادرات الصين إلى جنوب شرق آسيا من أبرز سمات النظام التجاري الناشئ، وهو عامل يخضع لتدقيق مكثّف بسبب علاقته بحرب الرسوم التي شنّها ترامب. فقد بلغ فائض الصين مع هذه المنطقة 245 مليار دولار في الأشهر الـ11 الأولى من العام الجاري، متجاوزاً بكثير مستوى 191 مليار دولار المسجّل في عام 2024 بأكمله. وجاء ذلك مدفوعاً بزيادة الفائض مع دول مثل فيتنام وتايلاند، وكذلك ماليزيا التي سجّلت الصين معها عجزاً في العام الماضي.
ويقول اقتصاديون إن هذا يعكس على الأرجح "إعادة شحن" للبضائع الصينية عبر دول المنطقة، التي قفزت صادراتها هي الأخرى إلى الولايات المتحدة هذا العام. كذلك تُظهر البيانات الإقليمية توسّع الصين في عدد من الأسواق الأخرى هذا العام، فقد ارتفع فائض الصين مع أفريقيا خلال الأشهر الـ11 الأولى بنحو 27 مليار دولار مقارنة بأرقام عام 2024 الكامل، مدفوعاً بنيجيريا وليبيريا ومصر ومبيعات سفن الشحن للقارة. وازداد فائض الصين مع الاتحاد الأوروبي بنحو 20 مليار دولار تقريباً، بينما ارتفع فائضها مع أميركا اللاتينية بنحو 9 مليارات دولار.
رهان السيارات ولواحقها
أكبر زيادة منفردة في الفائض التجاري هذا العام جاءت من قطاع السيارات، فقد ارتفع فائض الصين في هذا القطاع بنحو 22 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 66 مليار دولار. ويمثل ذلك تحولاً استثنائياً مقارنة بما قبل ثلاث سنوات فقط، حين كانت الصين تسجل عجزاً مع باقي العالم في تجارة السيارات. ولم تتجاوز الصين اليابان بوصفها أكبر مصدّر سيارات في العالم إلا في عام 2023.
كذلك تحوّل ميزان تجارة السيارات بين الصين والاتحاد الأوروبي هذا العام من عجز إلى فائض لمصلحة بكين، فيما ساعدت صادرات السيارات على تعزيز فائضها مع أفريقيا. وسجّلت الصين أيضاً فائضاً تجارياً عالمياً في البطاريات بقيمة 64 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى، وهو ما يعكس اندفاعة وطنية نحو السيارات الكهربائية جعلت شركات السيارات الكهربائية الصينية الرائدة مثل "بي واي دي" (BYD) أسماءً مألوفة عالمياً.
سجّلت الصين أيضاً فائضاً تجارياً عالمياً في البطاريات بقيمة 64 مليار دولار، وهو ما يعكس اندفاعة وطنية نحو السيارات الكهربائية
أرض المصنع العالمي
لا يزال القطاع الصناعي الصيني الهائل قاعدة حاسمة للشركات متعددة الجنسيات من شركة آبل الأميركية إلى شركة فولكسفاغن الألمانية، إلى جانب المنتجين المحليين. وتُظهر بيانات الجمارك أنه خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، جاءت صادرات بقيمة 837 مليار دولار، أي أكثر من ربع إجمالي صادرات الصين، من شركات ذات استثمارات أجنبية.
وكانت الهواتف ومنتجات الاتصالات أكبر مساهم في الفائض التجاري للصين خلال هذه الفترة، بفائض قدره 151 مليار دولار، تلتها الحواسيب التي أضافت 70 مليار دولار أخرى. كذلك تعزّز الفائض الصيني بفعل مجموعة واسعة من السلع منخفضة القيمة، بما في ذلك طفرة في الطرود الصغيرة الرخيصة، وهو نموذج الأعمال الذي تعتمده منصات التجزئة الإلكترونية مثل "شي إن" و"تيمو"، التي تعرّضت لانتقادات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لاستفادتها من ثغرات الإعفاءات الجمركية.
وأضافت هذه الطرود منخفضة القيمة 22 مليار دولار إلى الفائض التجاري خلال الأشهر العشرة الأولى، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع قفزة حادة في الشحنات المتجهة إلى أوروبا.
ما تشتريه الصين
فيما ارتفعت صادرات الصين هذا العام، فإن الواردات تراجعت قليلاً إلى 2.3 تريليون دولار. وتتمثل أكبر مصادر وارداتها الفردية بالسلع الأولية مثل خام الحديد والنحاس وفول الصويا والبتروكيماويات. كذلك تعدّ الصين مستورداً رئيسياً لأشباه الموصلات، التي أصبحت محوراً رئيسياً للضغوط التجارية الأميركية. وأشار شوانغ إلى وجود بعض "علامات الإحلال محل الواردات"، أي إن منتجات كانت تستوردها الصين في السابق، مثل الآلات والروبوتات الصناعية، أصبحت تُصنّع محلياً الآن.
لكن الصين تواجه أيضاً ضعفاً في الطلب المحلي وتراجعاً في قطاع العقارات يدخل عامه الخامس. وتشير مجموعة من المؤشرات الحديثة، مثل تراجع الاستثمارات، إلى أن الصادرات باتت عنصراً حاسماً في دفع نمو الاقتصاد. وتوقع وولف أن يواصل الفائض التجاري الارتفاع نحو 1.5 تريليون دولار إذا ظل الاستثمار في الأصول الثابتة ضعيفاً، خصوصاً في قطاع البناء، الذي يعتمد أكثر على السلع الأولية ويساعد عادة في تعزيز الواردات. وقال إن "صدمة الصين الجديدة ستستمر ما دام الطلب المحلي ضعيفاً".