هكذا التهم العدوان مدخرات أهل غزة وسلبهم أمنهم المالي

26 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 09:06 (توقيت القدس)
ورشة لإصلاح الأوراق النقدية القديمة والمهترئة في غزة، 2 يونيو 2025 (سعيد جرس/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه الفلسطينيون في غزة أزمة معيشية حادة بسبب الحرب الإسرائيلية، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية وبلغت البطالة والفقر مستويات غير مسبوقة، مما أدى إلى تآكل مدخرات العائلات وتحول معركة البقاء إلى صراع يومي.
- الحرب دمرت الاستقرار المالي للأسر، مع غياب شبكات الحماية المالية واعتماد 95% من السكان على المساعدات، مما يهدد بخلق "جيل بلا مدخرات" ويستدعي تقديم دعم نقدي مباشر وتحريك الاقتصاد.
- أصدرت سلطة النقد الفلسطينية تعليمات للمصارف بتأجيل أقساط القروض لتوفير السيولة، لكن القطاع المصرفي يواجه ضغطًا كبيرًا في ظل استمرار الحرب.

يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة واحدة من أعقد الأزمات المعيشية والمالية التي أطاحت مدخرات الغزيين، وسط واقع اقتصادي خانق فرضته الحرب الإسرائيلية المستمرة. ومع القصف والدمار والنزوح، دخلت آلاف الأسر في دوامة الانهيار المالي، حيث التهم الغلاء مدخرات الناس، وتصاعدت نسب البطالة والفقر بشكل غير مسبوق. فقد شهدت أسعار بعض السلع الأساسية ارتفاعاً تجاوز 1000%، بينما بلغت البطالة نحو 83%، وفاقت معدلات الفقر الـ90%. في هذا السياق القاتم، اختفت المدخرات لدى العديد من العائلات التي كانت تعتمد عليها وقت الأزمات، وتحولت معركة البقاء اليوم إلى صراع يومي من أجل تأمين أبسط الاحتياجات.

ولم تمضِ أيام على شراء المواطن أحمد عليان شقة في مشروع سكني بمنطقة بيت لاهيا، حتى اندلعت الحرب لتغيّر مجرى حياته. ففي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، دُمّر البرج السكني الذي كان يقطنه، مما أدى إلى ضياع كامل مدخراته. وقال عليان لـ"العربي الجديد": "كنت أظن أنني أؤمّن مستقبل عائلتي، وضعت كل ما أملك في الشقة (نحو 49 ألف دولار) واليوم لا بيت ولا مال، وما زلت مطالبًا بسداد أكثر من 15 ألف دولار". ما حدث مع عليان ليس استثناءً، بل هو صورة مكررة لواقع مئات العائلات التي استثمرت مدخرات أفرادها في سكن أو مشاريع صغيرة، ليتحوّل كل شيء إلى أنقاض دون أي تعويض أو دعم.

الغلاء يبتلع مدخرات الغزيين

محمد فارس، عامل عاد من الداخل المحتل بعد أن ادّخر 20 ألف دولار خلال عامين، خسر كل ما جمعه بفعل النزوح والغلاء المتصاعد. "لم يتبقَّ لدي سوى 3 آلاف دولار، ويبدو أنها ستنتهي أيضاً قريباً، فكل شيء باهظ: الطعام، الإيجارات، النقل. أسعار غير معقولة"، يقول فارس الذي كان يحلم بشراء شقة تنقله من حياة الإيجار، لكنه اليوم بلا عمل ولا أمل.

مصدر مطلع في سلطة النقد الفلسطينية كشف لـ"العربي الجديد" أن أكثر من 30% من الأسر اضطرت لسحب مدخراتها بالكامل لتغطية نفقات المعيشة. ورغم تسجيل ودائع مصرفية بنمو 83% خلال 2024، فإن هذا الارتفاع لا يعكس رخاءً، بل هو نتيجة إيداع الأموال في البنوك خوفاً من سرقتها أو تلفها جراء القصف.

ووفق بيانات رسمية، تجاوزت ودائع العملاء في غزة 3.2 مليارات دولار حتى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، رغم تعطل معظم الخدمات المصرفية. وقال المصدر إن تكاليف النقل والغذاء والرعاية الصحية ارتفعت بين 600% و1100%، مما خلق ضغطاً هائلاً على موازنات الأسر، خصوصاً الشباب الذين توقفت مشاريعهم الريادية وتبخرت فرص العمل لديهم. كما حذّر من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى "جيل بلا مدخرات"، مشيراً إلى أن بعض العائلات بدأت ببيع ما تبقى من ممتلكاتها لتأمين الأساسيات.

تآكل الأمان المالي في غزة

هذا ويرى الخبير الاقتصادي محمد بربخ أن الحرب لم تدمّر البنية التحتية فحسب، بل دمرت أيضاً أسس الاستقرار المالي للأسر. ويؤكد أن "الادخار السالب"، أي إنفاق الأسرة أكثر مما تجنيه، أصبح واقعاً عاماً، ما اضطر كثيرين إلى الاستدانة أو استنزاف آخر ما يملكون. وأوضح بربخ لـ"العربي الجديد" أن أسباب الظاهرة تعود إلى انقطاع مصادر الدخل، وغلاء الأسعار الذي تجاوز 700%، بالإضافة إلى تكاليف النزوح وفقدان المنازل. وأضاف أن غياب شبكات الحماية المالية، كالمدخرات والتأمينات، فاقم الأزمة، حيث بات نحو 95% من السكان يعتمدون على المساعدات. وختم بدعوة عاجلة لتقديم دعم نقدي مباشر للأسر، وتحريك عجلة الاقتصاد عبر مشاريع إغاثية ورقابة على الأسعار، مشدداً على أنّ "استمرار الحرب بهذا الشكل سيقود إلى انهيار اقتصادي وإنساني شامل في غزة".

وللتخفيف من حدة معاناة الأهالي، أصدر محافظ سلطة النقد الفلسطينية، هذا الشهر، تعليمات جديدة للمصارف، تقضي بتأجيل استيفاء أقساط القروض على المقترضين الأفراد في قطاع غزة حتى نهاية العام الجاري، إذ تنصُّ التعليمات الجديدة على تأجيل خصم الأقساط على المقترضين الأفراد مع استمرار الحرب الإسرائيلية على القطاع. وقالت سلطة النقد (تقوم مقام البنك المركزي) في بيان إنّ القرار هو امتداد لتعليمات سابقة بوقف استيفاء أقساط القروض منذ بدء الحرب قبل 20 شهراً، تفهماً منها لحاجة المواطنين للسيولة في ظل ارتفاع الأسعار، وصعود التضخم والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة. وذكرت أن حجم محفظة القروض في قطاع غزة بلغ نحو مليار دولار، وتسبب وقف استيفاء الأقساط منذ 20 شهراً بخسائر فادحة تكبدتها المصارف، بالإضافة إلى خسائر تشغيلية أخرى كنتيجة مباشرة للحرب.

وسبق أن أكد محافظ سلطة النقد يحيى شنار، أنه بذل خلال الأشهر الماضية جهوداً مكثفة لتأمين مصادر تمويل خارجية، بهدف تعويض المصارف عن جزء من خسائرها، ودعم المقترضين من سكان قطاع غزة الذين يواجهون أوضاعاً مأساوية من قتل وتجويع وتدمير، مشيراً إلى أن هذه المساعي ما زالت مستمرة، رغم عدم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن. وقال شنار إنّ القطاع المصرفي سيبقى ملتزماً بالقانون ومؤتمناً على أموال المودعين، وفي هذا الإطار انطلقت حزمة الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها سلطة النقد على امتداد أشهر الحرب.