نواب لبنانيون يسائلون الحكومة حول اتفاق الترسيم مع قبرص
استمع إلى الملخص
- الاتفاقية وُقعت دون الإجراءات الدستورية اللازمة، مما يعرضها للطعن القانوني ويضعف موقف لبنان التفاوضي، حيث لم تُعرض على مجلس النواب رغم تأثيرها على الحدود.
- رغم الانتقادات، وصفت الرئاسة اللبنانية الاتفاقية بالخطوة التاريخية لتعزيز التعاون الإقليمي، لكنها تثير مخاوف بشأن فقدان مساحات اقتصادية، خاصة في ظل تجارب سابقة.
وجّه نواب لبنانيون سؤالاً إلى الحكومة حول اتفاق ترسيم الحدود مع قبرص يتعلّق بمخالفة أحكام الدستور، عبر إبرام المعاهدة قبل عرضها على البرلمان ونيل موافقته وفقاً للمادة الـ52 من الدستور. ووقّع 24 نائباً على السؤال، مطالبين من رئاسة مجلس النواب إحالته إلى الحكومة للإجابة عنه ضمن المهل القانونية، ولا سيما لناحية توضيح الأسباب التي دفعت إلى إبرام الاتفاق من دون المرور بالبرلمان، رغم طبيعته السيادية وتأثيره بالحدود البحرية والحقوق الاقتصادية للجمهورية اللبنانية.
وتبعاً لنصّ السؤال، فإن الاتفاقية المذكورة جرى توقيعها رسمياً بين لبنان وقبرص بناءً على قرار صادر عن مجلس الوزراء، من دون الالتزام بالإجراءات الدستورية الواجبة التي تلزم بالحصول على موافقة مجلس النواب قبل الإبرام، ولا سيما أن الاتفاقية تتصل بالسيادة الوطنية ولا يمكن فسخها سنة فسنة.
وتمنح المادة الـ52 من الدستور اللبناني لرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، صلاحية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها، وتشترط صراحة موافقة مجلس النواب قبل استكمال الإبرام.
وتقضي الفقرة الأخيرة من هذه المادة بوجوب عرض المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، وكذلك تلك المتصلة بسلامة الدولة وحدودها وماليتها وحقوقها السيادية، على مجلس النواب لنيل موافقته المسبقة، وفقاً للأصول الدستورية الملزمة، وذلك شرط ملزم لإبرامها من قبل رئيس الجمهورية والحكومة.
وقال النائب ياسين ياسين، وهو أحد الموقّعين على السؤال، لـ"العربي الجديد"، اليوم الخميس، إنّ "ما حصل هو نتيجة مباشرة لغياب الدولة عن ممارسة دورها الدستوري، فهذه الاتفاقية تتصل بالموارد الطبيعية، والحدود البحرية، والنزاعات السيادية، ولها مسار واضح بالدستور، يبدأ من مجلس الوزراء، ثم يحال إلى البرلمان للحصول على قانون يجيز الإبرام، بالتالي هذا المسار إلزامي، وليس خياراً ولا اجتهاداً، وتجاوزه يعني أنّ لبنان فاوض ووقّع من دون أن يملك الغطاء الدستوري الكامل الأمر الذي من شأنه أن يضعّف موقعه، والأخطر أنه يعطي الطرف الآخر قدرة أكبر على فرض تفسيره الخاص".
وأشار ياسين إلى أنّ الاتفاقية "وُضِعت خارج الإطار المؤسساتي، ولم تُعرض على مجلس النواب، رغم أنها تنتقص من حدود لبنان، وهذه الفئة من الاتفاقيات حسب المادة الـ52 من الدستور لا يمكن اعتمادها إلا وفق قانون، وإلّا نكون أمام نصّ تفاوضي هشّ وضعيف وقابل للطعن"، مشدداً على أن المشكلة "ليست فقط بمضمون الاتفاق، بل بطريقة إقراره، وهذه الطريقة عادة ما تُحدّد قوة أو ضعف الموقف القانوني في المستقبل".
ولفت إلى أنه سبق أن تقدّم بسؤال حول هذا الموضوع، "فالكلام عن ترسيم الحدود البحرية بدأ عام 2007 في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وكان وقتها موقف لبنان ضعيفاً"، مشيراً إلى أن الخسارة "ليست فقط مرتبطة بمساحة بحرية، بل نحن أمام خسارة قانونية وسيادية".
وأوضح ياسين أن "هذه الاتفاقية تقنياً لا تمرّ عبر المؤسسات وتفتقد البيانات الرسمية، الأمر الذي يفتح الباب أمام الخسارة، فبالعادة عند التفاوض يكون هناك خبراء ومراجع وخرائط مُصادق عليها، لذلك فإنه عند إبرام اتفاقية لا تستند إلى قانون ولا إلى خريطة رسمية موقّعة من مجلس النواب تصبح عملياً بمضمون تفاوضي ضعيف وغير مُحصَّن".
وفي 23 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قرّر مجلس الوزراء اللبناني إبرام الاتفاقية مع قبرص حول ملف ترسيم الحدود اللبنانية القبرصية، وذلك في جلسة عقدها في قصر بعبدا الجمهوري برئاسة الرئيس جوزاف عون
. واتُّخذ القرار يومها على الرغم من الانتقادات والملاحظات التي طاولت الاتفاقية والدراسات التي أجريت حول الترسيم، مع استغراب من التسرّع في بتّ الملف، قبل التأكد من عدم إهدار أي حق من حقوق لبنان، وقطع الطريق أمام خسارة البلاد مساحات من منطقتها الاقتصادية الخالصة، وذلك كي لا تتكرر تجربة الترسيم البحري مع إسرائيل عام 2022.وفي 26 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلنت الرئاسة اللبنانية عن توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، في خطوة وصفها الطرفان بالتاريخية، والإنجاز الذي من شأنه أن يعزز الاستقرار والتعاون الإقليمي، ويسمح للبلدين ببدء استكشاف ثرواتهما البحرية، وبالتعاون المشترك في مجالات عدة على رأسها الطاقة.
وقال عون، في مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، في قصر بعبدا الجمهوري إننا "هنا للاحتفال بإنجاز ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، بين بلدينا، وهو ما سيسمح للبنان وقبرص ببدء استكشاف ثرواتهما البحرية، كما بالتعاون المشترك في هذا المجال". وأضاف عون "لا شكّ أنه ما زال أمامنا الكثير لننجزه معاً، أولاً على مستوى علاقاتنا الثنائية، فبعد ترسيم البحر، يمكننا الآن العمل جدياً على تطوير اتفاقيات ثنائية، لتسهيل وتطوير عمل الشركات المستكشفة بين بلدينا، كما العمل على إطلاق مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة، والطاقة المتجدّدة خصوصاً، والاتصالات وخطوط نقلها، والسياحة وبرامجها، وأيضاً، في مجال الأمن والدفاع، مع مشروع مركز البحث والإنقاذ، المشترك بين وزارتي الدفاع في بلدينا".
من جانبه، قال الرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، إنّ توقيع اتفاقية الترسيم "هو إنجاز استراتيجي يُكرّس بأوضح طريقة ممكنة مستوى علاقاتنا"، مشيراً إلى أنه "من خلال التوقيع نبعث رسالة سياسية قوية، وهي أن قبرص ولبنان يواصلان الاستثمار في تعزيز الثقة والاحترام المتبادل، والاستثمار في تعزيز التعاون الإقليمي والاستقرار لما فيه مصلحة المنطقة ومواطنينا".
وكان لبنان قد وقع مذكرة تفاهم مع قبرص عام 2007 لترسيم الحدود البحرية، إلا أنّ الاتفاق لم يُصادق عليه في البرلمان اللبناني. وانتقدت "المفكرة القانونية" قرار الحكومة حينها في 17 يناير/ كانون الثاني 2007، بحيث كانت النتيجة التفريط بنحو 860 كيلومتراً مربعاً في الجنوب، قبل أن يتبين لاحقاً أنه كان يمكن أن يطالب بـ1430 كيلومتراً مربعاً إضافية، إذ إنّ لبنان وافق على أن تكون النقطة الثلاثية بين لبنان وقبرص وفلسطين المحتلة هي النقطة 1، بالرغم من أن هذه النقطة لا سند قانونياً لها. تلك السقطة، وبالرغم من أن هذه الاتفاقية لم تُبرم في مجلس النواب ولم يعتمدها لبنان رسمياً، استغلّتها إسرائيل سريعاً لترسّم حدودها على أساسها، كما استغلتها مع قبرص لتوقيع اتفاقيّة ترسيم بينهما على أساسها.