نزيف العقول يضرب مصانع فرنسا... إلى أين يهاجر الفرنسيون؟
استمع إلى الملخص
- أطلقت الحكومة خطة "فرنسا 2030" لدعم التصنيع والتحول البيئي بميزانية 54 مليار يورو، لكن فقدان مليوني وظيفة صناعية وتراجع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي يعيقان التقدم.
- تقليص تمويل خطة "فرنسا 2030" يثير تساؤلات حول فعاليتها، حيث تواجه فرنسا تحديًا هيكليًا في هجرة الكفاءات، مما يجعل إعادة التصنيع ونزيف العقول تحديات مترابطة.
في الوقت الذي تسعى فيه باريس إلى إعادة بناء قاعدتها الصناعية عبر خطط واسعة لإحياء الإنتاج المحلي وتعزيز السيادة التكنولوجية، تواجه فرنسا معضلة متصاعدة قد تقوض هذه الطموحات من الداخل؛ إذ يكشف التناقض الصارخ بين الميزانيات المليارية المرصودة وخطر هجرة الكفاءات عن فجوة هيكلية تهدد بتحويل المصانع الجديدة إلى مجرد هياكل تفتقر إلى العقول المدبرة. وقالت صحيفة "لو ديبلوماتيك" الفرنسية إن مسار إعادة التصنيع الذي تسعى إليه فرنسا يواجه عائقاً هيكلياً متصاعداً يتمثل في هجرة الكفاءات، معتبرة أن الظاهرتين تمثلان "معادلة واحدة" تؤثر مباشرة في النمو والسيادة الاقتصادية. وأشارت الصحيفة المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والجيوسياسية، في تحليل نشرته الجمعة الماضي، إلى أن الصناعة الفرنسية تشهد تراجعاً ممتداً منذ عقود.
ووفق أحدث بيانات اتحاد "سينتيك" (التجمع المهني الأكبر لقطاع الهندسة) الصادرة في 1 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بالتعاون مع معهد "إيبسوس بي في إيه"، تحت عنوان: "هجرة العقول: تهديد مباشر للابتكار والتنافسية"، فإن ما يقرب من 15 ألف خريج جديد من مدارس الهندسة والإدارة الفرنسية يختارون بدء حياتهم المهنية في الخارج سنوياً، في حين استثمرت الدولة في تدريبهم ما يقرب من مليار يورو. وقال الاتحاد إن هذا النزيف البطيء والمستمر للمواهب عالية التأهيل لا يعد ظاهرة عابرة، بل يعكس تآكلاً صامتاً ومستداماً للإمكانات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية لفرنسا، داعياً إلى تهيئة الظروف اللازمة للاحتفاظ بهذه المواهب التي لا غنى عنها للابتكار، والتنافسية وإعادة التصنيع والسيادة الوطنية. وأكد "سينتيك" أن حجم المهاجرين قفز بنسبة 23% خلال عشر سنوات. ويرتفع مستوى الهجرة كلما زاد تأهيل الكفاءات؛ حيث بلغت النسبة 19% في عام 2024 لخريجي مدرسة "بوليتكنيك".
ووفقاً لاستطلاع الاتحاد، فإن 57% من الكفاءات الحاملة شهادات الماجستير فما فوق خططوا لهجرة خلال السنوات الثلاث القادمة، و21% منهم يفكرون في ذلك بجدية. وتتصدر كندا قائمة الوجهات المفضلة بنسبة 29%، نظرا إلى سهولة الاندماج والرواتب التنافسية، تليها سويسرا بنسبة 22% التي تجذب المهندسين ببيئة عمل مستقرة وأجور هي الأعلى عالمياً، ثم الولايات المتحدة بنسبة 17% التي تظل القبلة الأولى للمبدعين في مجالات التكنولوجيا الحيوية والبرمجيات. وأوضح الاتحاد أن الدافع المادي يظل المحرك الأساسي لهذه الهجرة، حيث يرى 86% من المهاجرين أن الفجوة الشاسعة في الرواتب بين فرنسا والوجهات الأخرى هي السبب الرئيسي، بينما يشعر 70% منهم بأن فرنسا تعيش حالة انحدار هيكلي تمنع الابتكار الحقيقي وتكبل المبادرات الفردية بالبيروقراطية. وقال رئيس الاتحاد لوران جيوفاكيني: "نحن نحذر من خطر فقدان الكفاءات. فرنسا تستثمر بكثافة لتكوين مهندسيها ومديريها، ومن الضروري العمل على ولاء هذه المواهب الضرورية للابتكار والسيادة".
هل يكون 2026 عام إعادة التصنيع؟
وأطلقت الحكومة الفرنسية سلسلة من المبادرات الضخمة، على رأسها خطة "فرنسا 2030" التي دخلت "مرحلة التكثيف" والتقييم الفعلي في عام 2025. ووفقاً لتقرير النشاط الرسمي لعام 2024 الصادر عن الأمانة العامة للاستثمار في يوليو/تموز 2025، خُصّصت 54 مليار يورو لدعم 10 أهداف استراتيجية تشمل إنتاج المفاعلات النووية الصغيرة والهيدروجين الأخضر ومليوني مركبة كهربائية. لكن إذاعة "آر سي إف" الفرنسية قالت في، 8 يناير/كانون الثاني 2026، إن فرنسا في غضون 30 عاماً فقدت مليوني وظيفة صناعية. وقالت الإذاعة: "رغم محاولات إعادة التوطين، وخطط الاستثمار، وإعادة افتتاح المواقع؛ تبذل فرنسا في عام 2026 كل ما في وسعها للنهوض، ولكن من دون جدوى". وأحصت "الكونفيدرالية العامة للشغل"، وهي النقابة الرئيسية للعمال، أكثر من 45 ألف حالة تسريح في القطاع الصناعي في 2024.
ونقلت الإذاعة عن فينسنت بويغ، رئيس معهد البحث والابتكار في "مركز بومبيدو"، قوله إن إعادة التصنيع تتطلب تغييراً شاملاً في عقلية المستهلكين والوعي القومي بضرورة دعم المنتج المحلي وفهم كيفية صناعة الأشياء لضمان استدامة الطلب. وأوضحت الإذاعة أن مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا انخفضت من نحو 27% عام 1980 إلى قرابة 16% في 2021. وبحسب أحدث بيانات البنك الدولي، بلغت نسبة القيمة المضافة للقطاع الصناعي (بما في ذلك التصنيع) نحو 18.47% في 2023 قبل أن تتراجع إلى حوالي 17.55% في 2024، وهو ما يعكس تآكل الوزن النسبي للصناعة داخل الاقتصاد الفرنسي رغم خطط إعادة التصنيع الجارية.
وفي 24 يناير الماضي، كشفت صحيفة لوموند الفرنسية أن الحكومة قررت تقليص تمويل خطة «فرنسا 2030» بقيمة 1.1 مليار يورو ضمن مشروع ميزانية 2026، في خطوة تهدف إلى كبح العجز العام والإبقاء عليه عند مستوى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وذكرت الصحيفة أن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اختار خفض الإنفاق بأكثر مما كان متوقعاً في مخصصات الخطة الاستثمارية التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2021، وذلك في إطار جهود احتواء الضغوط المالية رغم التنازلات المقدمة لليمين واليسار داخل البرلمان.
ووفق النسخة المعدلة من مشروع الميزانية، اقترحت الحكومة إلغاء 1.1 مليار يورو من أصل 5.5 مليارات كانت مخصصة للاستثمارات الاستراتيجية ضمن الخطة، مع الإبقاء على تمويل يقدر بنحو 4.2 مليارات يورو لصرف المساعدات المقررة بالفعل للشركات، خاصة في قطاعات السيارات والروبوتات والذكاء الاصطناعي. وأوضحت الصحيفة أن البرنامج البالغ حجمه 54 مليار يورو على خمس سنوات كان قد أطلق بعد جائحة كوفيد-19 لدعم الابتكار وإعادة التصنيع والتحول البيئي، إلا أن ضغوط خفض العجز دفعت الحكومة إلى تجميد التزامات جديدة خلال 2026، مع التأكيد رسمياً أن التقليص لن يمس قدرة الخطة على دعم الاستثمار والابتكار.
ويبدو أن طموحات قصر الإليزيه لاستعادة الأمجاد الصناعية الفرنسية اصطدمت بجدار هيكلي صلب، فبينما ترفع باريس شعار "إعادة التصنيع" جسراً إلزامياً للعبور نحو نمو اقتصادي مستدام، تكشف التقارير الفرنسية والبيانات الرسمية عن خلل جوهري في المحرك البشري للدولة الفرنسية. وأكدت "لو ديبلوماتيك" أن أي خطة لإنعاش القطاع الصناعي ستظل "مكبلة وفاقدة للروح" ما لم تنجح الدولة في اجتراح حلول جذرية لوقف "نزيف العقول"، وأن الصدام بين الرغبة في التوسع الصناعي والواقع المتمثل في هجرة الكفاءات يشكل المعضلة الكبرى لصناع القرار، حيث أصبحت إعادة التصنيع ونزيف العقول وجهين لعملة واحدة في معادلة اقتصادية معقدة لم تنجح الحكومات المتعاقبة في حلها حتى الآن، وسط تساؤلات عن جدوى ضخ المليارات في مصانع قد تفتقر إلى المهندسين المبدعين الذين يفضلون الرواتب السخية والبيئات الابتكارية في الخارج.