"نجار البحر"... فلسطيني يعيد الحياة لقوارب صيد في غزة دمّرتها إسرائيل
استمع إلى الملخص
- تعاني غزة من نقص في المواد الأساسية لترميم القوارب، حيث ارتفعت تكلفة الألياف الزجاجية، مما دفع عطية لإعادة استخدام القطع المدمرة، مع تكلفة صيانة تصل إلى 30 ألف شيكل.
- دمرت الحرب الإسرائيلية 95% من مراكب الصيادين، مما أفقد 4,500 صياد مصدر رزقهم، مع تقديرات إعادة إعمار تصل إلى 70 مليار دولار.
في قلب ميناء مدينة غزة، حيث كانت الأمواج تُداعب مراكب الصيادين الفلسطينيين قبل أن تحولها الصواريخ الإسرائيلية خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة إلى دمار وخراب. يقف الشاب عطية مقداد محدّقاً في الأفق بعينين لا تعرفان الاستسلام. عطية ليس مجرد صناعيّ عادي؛ بل نجّار "الألياف الزجاجية"، إذ يعمل بخبرة ويدٍ ماهرة في ظل ندرة المواد وشح الأدوات وحاجة الصيادين لصيانة مراكبهم المدمّرة ليلتقطوا أرزاقهم من بين أمواج البحر المتلاطمة.
يقول عطية في حديث مع وكالة الأناضول، وهو جالس على أحد المراكب المتضرّرة بفعل القصف الإسرائيلي داخل ميناء غزة: "اليوم نعمل بعد أن دمر الاحتلال تقريباً كل مراكب الصيادين، ولم يبق إلّا قلة قليلة". هذا الدمار الكبير في مراكب الصيادين يدفع عطية للاستيقاظ كل صباح، ليس للربح، بل على أمل أن يساهم أحد القوارب التي عمل على صيانتها في حمل الصيادين نحو البحر مرة أخرى.
يبدأ عطية يومه بجولة في مكان مليء ببقايا المراكب المحطّمة هنا وهناك، وأبواب منازل مدمّرة، وخشب قديم، كل ذلك يجمعه بعناية لاستخدامه في صيانة المراكب. ويقول عطية وفي يده مجدافٌ مصنوع من خشب أبواب مدمرة: "هذه الأبواب المدمرة نستخدمها في أعمال صيانة القوارب وتصنيع المجاديف، نصنع كل شيء هنا من تحت الصفر".
ندرة المواد
المواد التي يحتاجها عطية لترميم القوارب أصبحت نادرةً وغالية، فالألياف الزجاجية التي تعد المادة الأساسية لعمله، تباع بسعر باهظ يصل الكيلوغرام الواحد منها إلى 150 شيكلاً (46 دولاراً) إن توفرت، بينما كان السعر قبل الحرب لا يتجاوز 40 شيكلاً (12 دولاراً). ومع هذا الغلاء، يجمع عطية القطع المدمّرة من مراكب الصيادين المدمرة، ويعيد تجميعها قطعة تلو الأخرى، كما لو كان يحيي ذكريات الصيد التي فقدها قطاع غزة بأكمله.
وحتى المجاديف يصنعها بيديه، يقصّ الخشب بعناية، ينحته، ينقّيه، يركّب المجداف كأنه يبني أملاً جديداً، رغم أنها قطع خشبية أعيد استخدامها من بقايا المنازل المدمرة، وفق قوله. ويوضح عطية صعوبة العمل قائلاً: "عملنا كله من خشب قديم، فصيانة القارب المجداف تصل إلى 30 ألف شيكل (9 آلاف دولار)".
وبخصوص تحديات توفر الطاقة اللازمة لعمله، يقول عطية: "لا كهرباء ثابتة، لكنّنا نستخدم الطاقة الشمسية في أوقات الذروة، لتشغيل بعض الأدوات والمعدات الكهربائية البسيطة، التي تساعدنا على إنجاز أعمالنا". ويضيف، وجبينه يتصبب عرقاً: "نعمل من العدم"، مطالباً بتأسيس مؤسسة خاصة لدعم الصيادين، وتوفير مواد الصيانة اللازمة لمراكبهم المدمرة، وأدوات الصيد، والتمويل والدعم اللازم لعودتهم للصيد بعدما أنهكتهم حرب الإبادة الجماعية على مدار عامين متواصلين. وشدد على أن "الصيادين لا يحتاجون إلى قوارب فحسب، بل إلى كرامة وأمل".
تخريب إسرائيلي
ودمر جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو 95% من مراكب الصيادين في قطاع غزة نتيجة القصف المستمر، بينما فقد أكثر من 4 آلاف و500 صياد مصدر رزقهم، مع تدمير غرف التخزين ومراسي الميناء، وفق مؤسسات رسمية ومحلية. وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية، دفع قطاع الصيد في غزة ثمناً باهظاً؛ إذ قُتل 230 صياداً بنيران الجيش في مناطق متفرقة من القطاع من بين نحو 4500 صياد كانوا يعيلون عائلاتهم من هذه المهنة، وفق ما أفاد رئيس نقابة العاملين في الصيد والإنتاج البحري زكريا بكر.
وأضاف بكر أن القوات الإسرائيلية اعتقلت 60 صياداً آخرين خلال الحرب، بينهم 20 صياداً بعد بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ما عمّق المأساة وأبقى آلاف العائلات بلا مصدر دخل أو حماية. وبين الحين والآخر يطلق الجيش الإسرائيلي النار وقذائف قرب مراكب الصيد على طول ساحل غزة، ويعتقل صيادين باستمرار، سواء أثناء الحرب أو بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وخلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة التي بدأت في 8 أكتوبر 2023 واستمرت لعامين، أكثر من 70 ألف شهيد ونحو 171 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، ودماراً هائلاً مع كلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
(الأناضول)