نبرة ناعمة لصندوق النقد مع مصر... إليك الأسباب

25 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:24 (توقيت القدس)
الأسعار ما زالت مرتفعة رغم تراجع التضخم رسمياً (محمد عبد الحميد/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وافق صندوق النقد الدولي على المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الهيكلي لمصر، مما يعكس تحولاً إيجابياً في تقييم الصندوق للإصلاحات الاقتصادية المصرية ويزيل المخاوف بشأن القرض البالغ 8 مليارات دولار.
- جاءت الموافقة نتيجة لتحرير سعر الصرف وتحقيق فائض أولي في الموازنة، رغم عدم تحقيق نمو اقتصادي حقيقي، مع تآكل الأجور الحقيقية واتساع رقعة الفقر بسبب انخفاض قيمة الجنيه.
- تعتبر الموافقة خطوة سياسية لدعم استقرار مصر اقتصاديًا، مع التأكيد على ضرورة تسريع التخارج من أصول الدولة وتهيئة بيئة تنافسية، واستمرار الالتزام بشروط الصندوق حتى بعد 2026.

بعد تأخير دام ستة أشهر، وافق صندوق النقد الدولي للمرة الأولى على تمرير المراجعتَين الخامسة والسادسة من برنامج الإصلاح الهيكلي لمصر دفعةً واحدة، ومن دون تحفظات جوهرية.
وجاءت الموافقة مساء الاثنين الماضي، خالية من لغة الإنذار التي لازمت بيانات الصندوق بشأن أداء الاقتصاد المصري، وبنبرة ناعمة أقرب إلى الاحتفاء، بعيدة عن اللغة الخشبية والتحفظ المعتادَين منذ الاتفاق الموقّع بين الطرفَين عام 2016، لتنهي مخاوف الحكومة من عدم استكمال الصندوق لقرض بلغت قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار، وبمثابة شهادة ثقة غير مسبوقة في مسار الحكومة الاقتصادي، حسب مراقبين لـ"العربي الجديد".
وبينما احتفت الحكومة بتصريحات الصندوق، فجّرت نبرته الناعمة صدمةً لدى اقتصاديين ومواطنين حول الأسباب التي دفعت رئيسة بعثة الصندوق في القاهرة، إيفانا فلادكوفا هولار، للاحتفاء بـ"هذا النجاح" بلغة لم يكن من الممكن تخيّلها من قبل، حين أكدت أن الحكومة "حققت مكاسب مهمة، ويُظهر الاقتصاد المصري علامات على نمو قوي".
واعتبروا ذلك تحولاً جذرياً في تقييم الصندوق لبرامج الإصلاح الاقتصادي المثيرة للجدل بين المصريين، الذين يرون أن تنفيذ هذه البرامج أدّى إلى فقدان الجنيه المصري أكثر من 80% من قيمته خلال عشر سنوات، وموجات متتالية من التضخم أكلت الدخول الحقيقية والقدرة الشرائية للمواطنين، ورفع الدعم عن المحروقات والكهرباء والمياه والنقل، والتوسع في الضرائب غير المباشرة التي تطاول الفقراء أكثر من غيرهم.

يقول الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب إنّ موافقة الصندوق جاءت لأنه يدقق في الاقتصاد الكلي؛ فمن وجهة نظره، تمكّنت الحكومة والبنك المركزي من تحرير سعر الصرف، والقضاء على السوق السوداء، وتحقيق فائض أولي في الموازنة العامة، والالتزام بسداد فوائد الديون في مواعيدها. ويشير إلى أن الصندوق ينظر إلى سعر الصرف بوصفه متغيّراً فنياً، بينما يراه المواطن بوابةً للفقر وزيادة التضخم، ويؤكد عبد المطلب لـ"العربي الجديد" أن تحرير سعر الصرف لم يواكبه بناء مشروعات إنتاجية حقيقية قادرة على سداد فاتورة الديون المتراكمة جرّاء الاتفاقات المتعدّدة مع الصندوق، والتي تُسدَّد من جيوب الأغلبية من متوسطي الدخل والفقراء من المصريين، ولم تحقق نمواً حقيقياً للاقتصاد.
ويشير إلى أنّ الصندوق يتباهى بتراجع التضخم من ذروته، لكن الحقيقة أن ما دُمّر خلال تنفيذ الحكومة لبرامجه لا يُصلَح بمجرد التباطؤ؛ فالتضخم الذي تجاوز 35% في فترات سابقة التهم مدخرات الطبقة الوسطى، وحتّى مع تراجعه إلى مستوى 12.3%، فإن الأسعار لم تعد إلى الوراء.
ويرى خبير التمويل وأسواق المال أحمد خزيم أن الحديث عن انخفاض التضخم والذي أحتفى به الصندوق مجرد خداع بصري، موضحاً أن التضخم لا يعني سرعة الزيادة في الأسعار وتكلفة الإنتاج فحسب، بل في مستوى الأسعار نفسه، الذي ارتفع واستقر عند قمم جديدة، بينما لم تعد الدخول قادرة على اللحاق بها. ويشير إلى أنه منذ أول اتفاق إصلاح مع صندوق النقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وحتى الاتفاق الأخير في مارس/آذار 2024، فقد الجنيه نحو 80% من قيمته، ليرتفع سعر الدولار من 7.5 جنيهات إلى مستويات تجاوزت 50 جنيهاً في ذروة الأزمة، قبل أن يستقر نسبياً عند نحو 48 جنيهاً للدولار. ويؤكد خزيم أن هذا التراجع لم يكن رقماً محاسبياً فحسب، بل تُرجم مباشرة في شكل قفزات بأسعار الغذاء، وارتفاع تكاليف الاستيراد والتشغيل والإنتاج، وتآكل الأجور الحقيقية، ما أدى إلى اتّساع رقعة الفقر.
وفي سياق متصل، وصف خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس موافقة صندوق النقد على المراجعتَين الخامسة والسادسة بأنها "موافقة سياسية لا علاقة لها بالاقتصاد"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" وجود رغبة لدى الولايات المتحدة والدول الداعمة للنظام في الاتحاد الأوروبي والخليج بمنح مصر فرصة لالتقاط الأنفاس والصمود في مواجهة أزمة اقتصادية مزمنة، مع ضمان سداد الديون المستحقة للصندوق والدول الدائنة، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين والمؤسّسات المالية المختلفة.
وشدد النحاس على أن الصندوق يدرك أنّ أي اهتزاز اقتصادي في مصر قد يتبعه اضطرابات اجتماعية تتحول إلى عدوى إقليمية، في وقت يهتم فيه الداعمون بحرية مرور الملاحة البحرية في قناة السويس، وتهدئة الأوضاع الأمنية في غزة، وإنهاء التوترات العسكرية في المنطقة، مبيناً أن تمرير المراجعة يُعد قراراً وقائياً دولياً في المقام الأول.

وأوضح النحاس أن الشهادة التي حصلت عليها الحكومة ستساعدها على الحصول على مزيد من الديون التي تضمن الاستقرار لخدمة الدائنين، بعد أن قفز الدين الخارجي من نحو 55 مليار دولار قبل عام 2016 إلى نحو 161 مليار دولار، وتجاوز الدين المحلي 11 تريليون جنيه، وأصبحت فوائد الديون تلتهم ما بين 75% و80% من إيرادات الموازنة العامة. ومع ذلك، يشيد صندوق النقد بـ"الانضباط المالي" لأنّ الدولة، ببساطة، تدفع ما يطلبه الدائنون، وتقترض من أجل سداد القروض القديمة.
ويؤكد خبراء اقتصاد أن تمرير المراجعتَين الخامسة والسادسة، في وقت تستعد فيه الحكومة لرفع أسعار الطاقة وبيع مزيد من الشركات العامة مع بداية العام المقبل، لا يعني تخفيف شروط الصندوق، بل ترحيل كلفتها الاجتماعية إلى ما بعد 2026، إذ ستكون الحكومة قد التزمت بمسار يصعب الرجوع عنه، مع سداد مستحقات ديون أجنبية تزيد على 31 مليار دولار خلال عام واحد.
ووفقاً لبيان صندوق النقد الأخير، حققت الحكومة مكاسب مهمة لضمان الاستقرار الاقتصادي بعد أن أظهر الاقتصاد علامات على نمو قوي، مشيراً إلى القضاء على اختناقات النقد الأجنبي بعد التعويم الفعلي للجنيه، وتحقيق فائض أولي بلغ 3.5% من الناتج المحلي، مع استهداف نمو بنسبة 5% خلال عامَين، بما يضمن قدرة الدولة على أداء خدمة الدين، إلى جانب تحسن المؤشرات الكلية للاقتصاد، بإحراز معدل نمو بلغ 4.4% في عام 2024/ 2025، و5.3% في الربع الأول من العام المالي 2025/ 2026، وارتفاع الاحتياطي النقدي إلى 50.9 مليار دولار.
واكتفى الصندوق في تقريره ذي النبرة الهادئة، بعد سنوات من التلويح بالعقاب، بتكرار مطلب واحد بوضوح: "تسريع التخارج من أصول الدولة"، و"تهيئة بيئة تنافسية"، و"منع توسّع الدولة مستقبلاً في أي شركات أو مشروعات اقتصادية يمكن إسنادها إلى القطاع الخاص".

المساهمون