ميلي وتجربة الاقتصاد الأرجنتيني: بين التفويض الشعبي والمخاطر البنيوية
استمع إلى الملخص
- حققت الأرجنتين بعض الاستقرار المالي عبر فائض مالي وصفقة قرض مع صندوق النقد الدولي، لكن ارتفاع معدل الفقر وضعف احتياطيات النقد الأجنبي يعكسان هشاشة الاقتصاد.
- تواجه خطط ميلي مقاومة شعبية بسبب تأثيراتها الاجتماعية السلبية، وتظل الاستثمارات الأجنبية مترددة بسبب الاضطراب السياسي وسمعة ميلي الجدلية.
تواجه الأرجنتين اليوم مرحلة حاسمة في تاريخها الاقتصادي والسياسي، إذ يُحاول الرئيس اليميني الشعبوي خافيير ميلي إعادة رسم ملامح اقتصاد البلاد المنهك عبر برنامج إصلاحي جذري. ويسعى لإعادة هيكلة اقتصاد بلاده جذرياً عبر خصخصة الدولة، وتخفيض الضرائب، وتحرير سوق العمل، وفتح سوق العملات، بهدف تحويل البلاد إلى اقتصاد سوق حر، رغم المخاطر الاجتماعية الهائلة.
ويُلقّب ميلي نفسه بـ"الأناركي الرأسمالي"، مصرأ على أن التجارب السابقة للبلاد مع دولة الرفاهية والفوضى الاقتصادية لم تثمر، ويستند في نهجه إلى تجارب شخصيات عالمية مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن التفويض الشعبي الذي حصل عليه مؤخراً يُخوّله مواصلة سياساته الجذرية، بما في ذلك الخصخصة، وتخفيض الضرائب، وتقليص دور الدولة.
بعد حصوله على نحو 41% من الأصوات في انتخابات التجديد النصفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بدا وكأن ميلي تلقى دعماً كافياً لإجراءات جريئة، لكن الفوز جاء محاطاً بهدوء غير معتاد. فقد أوقف المخاوف المؤقتة من انهيار العملة المحلية، البيزو، ولكنه في الوقت ذاته فتح نقاشاً واسعاً حول ما تحمله المرحلة المقبلة. فالاقتصاد الأرجنتيني يعاني منذ سنوات ركوداً مستمراً، إذ تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بحدة وسط تضخم تجاوز 200% في 2023، وأشارت تقارير الأمم المتحدة إلى وجود "عوائق هيكلية استثمارية وتوظيفية كبيرة" تواجه البلاد حتى مع دخول الإصلاحات.
إنجازات مع وقف التنفيذ
رغم ذلك، تحققت بعض الإنجازات الملحوظة. ففي 2024 سجّلت الأرجنتين أول فائض مالي منذ أكثر من عقدين، بنحو 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تم توقيع صفقة قرض بقيمة نحو 20 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي لدعم الإصلاحات وخفض القيود على العملة. هذا التقدم المالي جاء متزامناً مع إجراءات رفع القيود على السوق النقدي وفتح سوق العملات الأجنبية، مما ساعد على استقرار نسبي للبيزو وتعزيز الثقة لدى بعض المستثمرين.
لكن المكاسب الاقتصادية جاءت بتكاليف اجتماعية عالية. وبحسب مرصد الديون الاجتماعية التابع لجامعة أميركا الوسطى فإن معدل الفقر ارتفع إلى نحو 50% بحلول منتصف 2024، فيما ظلت احتياطيات النقد الأجنبي ضعيفة، واستمر تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر بوتيرة أبطأ من المطلوب، ما يعكس هشاشة الأساس الاقتصادي لأي إصلاح جذري.
مختبر الليبرالية المتوحشة
خُطط ميلي الاقتصادية، التي تشمل تحرير سوق العمل، وخصخصة القطاعات العامة، وخفض الإنفاق العام، تواجه مقاومة شعبية واسعة، في بلد يعاني الهجرة الداخلية، والتضخم المرتفع، والديون الضخمة. ويشير الخبراء إلى أن نموذج "الصدمة الاقتصادية" قد يؤدي إلى احتجاجات اجتماعية إذا لم تُترجم الإصلاحات إلى نتائج ملموسة للمواطنين. بهذا المعنى، أصبحت السياسات الاقتصادية ساحة صراع بين جناح يؤمن بالإصلاح الليبرالي الجذري وآخر يخشى أن تتحول الأرجنتين إلى مختبر تجارب اقتصادي على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة.
فالأرقام الاقتصادية الكبرى تظهر مدى التحديات التي تواجه البلاد. فحسب منصة "ستاتيستا" (منصة عالمية للبيانات وذكاء الأعمال) فالناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 449 مليار دولار في 2019، قبل أن يتراجع إلى 389 مليار دولار في 2020 بسبب الركود العالمي وجائحة كورونا. ثم تعافى الاقتصاد جزئياً في 2021 ليصل إلى 445 مليار دولار، ثم شهد نمواً أكبر عامي 2022 و2023 ليبلغ 610 مليارات دولار، مع توقعات تصل إلى نحو 660 مليار دولار في 2025. ورغم هذه المؤشرات، فإن النمو كان متقلباً بشكل كبير، مع انكماش بنسبة 9.9% في 2020، وتعافٍ بنسبة 10% في 2021، وانكماش مرة أخرى بنسبة 1.7% في 2024، ونمو متوقع 5% في 2025.
ولا يزال التضخم يمثل تحدياً أكبر، إذ تجاوز 50% عام 2021، وبلغ مستويات قياسية تجاوزت 200% في 2023، مع توقع تراجع نسبي إلى نحو 120% في 2025، لكنه يبقى مرتفعاً للغاية مقارنة بالمعايير العالمية.
ولم تكن الأسواق العمالية في منأى عن الأزمات، فقد ارتفعت البطالة إلى 11.7% في 2020 بعد أن كانت 10.6% في 2019، قبل أن تتحسن تدريجياً لتصل إلى 7.5% في 2025. أما الدين العام، فقد ارتفع تدريجياً من 88% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019 إلى نحو 115% متوقعاً عند بعض الاقتصاديين في 2025، في حين تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي من 44 مليار دولار إلى نحو 33 مليار دولار خلال نفس الفترة، ما يضع ضغطاً شديداً على استقرار البيزو، الذي فقد الكثير من قيمته مقابل الدولار من نحو 60 بيزو عام 2019 إلى نحو 230 بيزو متوقعاً في 2025.
ماذا يريد ميلي؟
يريد ميلي إعادة تشكيل اقتصاد الأرجنتين جذرياً على النمط الليبرالي الرأسمالي، وذلك من خلال: خصخصة قطاعات الدولة وتقليص دور الحكومة في الاقتصاد وخفض الضرائب وتقليص الإنفاق العام، بما في ذلك برامج دولة الرفاه. وتحرير سوق العمل وإلغاء بعض القيود التنظيمية على الشركات. وفتح سوق العملات الأجنبية ورفع القيود على حركة رأس المال. وتحقيق استقرار مالي نسبي عبر السيطرة على العجز وإبرام اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي لجذب الدعم الخارجي.
وهدفه النهائي، كما يراه هو، هو تحويل الأرجنتين إلى اقتصاد سوق حر يعتمد على القطاع الخاص للنمو، لكنه يقوم بذلك وسط مخاطر اجتماعية كبيرة مثل الفقر المرتفع، التضخم الهائل، والدين العام المتصاعد.
يريد ميلي إعادة تشكيل اقتصاد الأرجنتين جذرياً على النمط الليبرالي الرأسمالي
ورغم أن الفائض المالي وتحسن بعض مؤشرات التضخم يمنحان ميلي "ورقة إنجاز"، إلا أن السؤال الأكبر يبقى: هل يمكن تحويل التفويض الانتخابي إلى تنمية شاملة دون تحميل المواطنين كلفة باهظة؟ وإذا فشل، فقد يكون الهدوء الحالي مجرد "ما قبل العاصفة" السياسية والاجتماعية.
وحتى مع الدعم الخارجي من واشنطن وصندوق النقد عبر حزمة تمويلية بقيمة 20 مليار دولار، ما زالت الاستثمارات الأجنبية مترددة في دخول السوق، بسبب اضطراب المشهد السياسي الداخلي وسمعة ميلي الجدلية في المحافل الدولية، خاصة بعد تصريحات إعلامية مثيرة للجدل ضد خصومه في البرلمان، والذين وصفهم بـ"الجرذان". إلا أن للرئيس أنصاره، ممن يرون أن سياساته بدأت تؤتي ثمارها: استقرار نسبي لسعر صرف البيزو، انخفاض العجز في الموازنة، وتوقع نمو محتمل بنحو 5% في 2025 إذا ما استمر استقرار الأسعار وتحسّن مناخ الاستثمار.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: إلى متى يمكن للأرجنتينيين تحمل كلفة هذا "الانضباط المالي"؟ ففي الوقت الذي يصف فيه ميلي سياساته بـ"طريق الحرية الاقتصادية"، يراها معارضوه "ليبرالية بلا رحمة"، تُثقل كاهل المواطن العادي وتفتح الباب أمام موجة جديدة من الفقر.