استمع إلى الملخص
- مبادرات فردية لإحياء النشاط التجاري: التجار في لبنان، مثل النبطية، قاموا بمبادرات فردية لترميم المحال وإنارة الشوارع لجذب الزبائن، مستفيدين من عودة المغتربين، مما ساهم في انتعاش مؤقت للأسواق.
- التحديات والآمال المستقبلية: رغم الجهود المبذولة، لبنان بحاجة إلى 11 مليار دولار لإعادة الإعمار، والتساؤلات مستمرة حول استدامة المبادرات الفردية بعد رمضان في ظل الحاجة للدعم الحكومي.
رغم الحركة النشطة التي سجلتها أسواق لبنان خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان استعداداً لعيد الفطر، إلا أن تراكمات الأزمة الاقتصادية الخانقة والأضرار التي خلفها العدوان الإسرائيلي لا تزال حاضرة في المشهد، إذ تكبل إلى حد كبير القدرات الشرائية للكثيرين، ما يجعل التجار يصفون الإقبال على الأسواق بالموسمي والمؤقت في ظل الواقع الاقتصادي الصعب للبلاد.
وطرأت تغييرات كبيرة على سلوك المستهلكين، منذ الانهيار المالي والاقتصادي للبنان في 2019، وأصبح التجار يواجهون تحديات مستمرة بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية المتغيرة، ما يجعل موسم العيد بالنسبة إلى كثيرين "متوسطاً" أو "أقل من المتوقع" مقارنة بما كان عليه الحال قبل الأزمة.
ومع ذلك، يسعى التجار وأصحاب المحال في لبنان لإعادة إحياء النشاط التجاري من خلال مبادرات فردية، مستفيدين من عودة الكثير من المغتربين لقضاء الإجازة وإقبال المواطنين على شراء مستلزمات العيد، في محاولة لاستعادة جزء من زخم الأسواق. وتبقى الأسواق اللبنانية، رغم كل التحديات، مساحةً للسعي نحو إعادة الحياة إلى الشوارع التي خيم عليها الركود.
وقال رئيس غرفة التجارة والصناعة في النبطية، موسى الحر شميساني، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، إن الحركة التجارية في النبطية، تُعتبر جيدة نسبياً، رغم عدم توقع ذلك، نظراً لسقوط العديد من الشهداء وتدمير منازل بعض المواطنين كلياً، إضافة إلى الأضرار الجزئية أو الكلية التي لحقت بالمحال التجارية.
وأضاف شميساني أن هذه المدينة المركزية في جنوب لبنان كانت بعد الساعة السادسة مساءً أشبه بـ"مدينة أشباح" بسبب تداعيات العدوان، ما ضاعف من الأزمات التي تواجه التجار، لذلك بدأت جمعية التجار بالعمل على إيجاد حلول، من بينها استقطاب الزبائن من القرى المجاورة لتعزيز النشاط التجاري في المدينة. وأكد أن التجار في النبطية رمموا محالهم بمبادرات فردية، دون انتظار أي تعويضات، بهدف استئناف أعمالهم بسرعة. وأشار إلى أنه جرت إنارة الشوارع وتزيين المدينة، والعمل على تنشيط الحركة التجارية، حيث استقبلت الأسواق يومياً نحو 700 شخص خلال شهر رمضان. لكنه شدد على أن هذا الانتعاش مؤقت، إذ يعتمد على تمويل خاص من الجمعية وأفراد المجتمع وليس من الدولة، مشيراً إلى أن نحو 80 ألف دولار صُرفت لإحياء الأسواق خلال هذا الشهر.
وأوضح أن أسواق لبنان تعمل، لكن ليس بالوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب الإسرائيلية والتدمير الذي طاول مناطق الجنوب، ورغم ذلك، فإن النشاط يُعتبر جيداً نسبياً. وأشار إلى أهمية إسراع الدولة اللبنانية والجهات المعنية في إعادة الإعمار، محذراً من أن المبادرات الفردية الحالية للتجار لتحريك الأسواق قد لا تستمر لفترة طويلة، خصوصاً أنها مرتبطة بشهر رمضان، متسائلاً: "ماذا بعد رمضان؟".
في السياق، قال حسن، صاحب محل حلويات تقليدي في سوق صور القديم إنه كان ينتظر رمضان وعيد الفطر بفارغ الصبر لتعويض خسائره التي تكبدها خلال الحرب الأخيرة، إذ تعرّض محله لأضرار جزئية بسبب القصف، وخسر جزءاً كبيراً من معداته. ومع ذلك، رفض الاستسلام، بمساعدة أبنائه، بدأ بإعداد الحلويات في منزله وعرضها للبيع أمام المحل المدمر، مستخدماً طاولة خشبية قديمة للعرض.
ومع حلول موسم العيد، بدأ الناس يتوافدون إلى متجره، بعضهم بدافع الشراء، والبعض الآخر بدافع دعمه، فهو معروف في المدينة بأنه "صانع فرحة العيد". رغم أن مبيعاته لم تكن كالسابق، إلا أن حسن شعر بالفخر عندما رأى الأطفال يتجمعون حوله لشراء المعمول وكعك العيد، وكأنهم يرفضون أن تسرق الحرب بهجة العيد منهم والصمود في وجه الدمار.
من جانبه، أفاد رئيس غرفة التجارة والصناعة في صور، ديب البدوي، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، بأن هناك فرقاً كبيراً بين الحركة التجارية هذه الفترة ومثيلتها في الأعوام السابقة، حيث إن أغلب سكان المدينة نازحون من المناطق الحدودية بسبب الاعتداءات الإسرائيلية التي بدأت منذ عام 2023، إلا أن وجودهم في صور ساهم في تنشيط الحركة التجارية.
وأضاف البدوي أن المدينة كانت تخطط هذا العام لإقامة احتفال بعيد الفطر، لكن بسبب سقوط ضحايا في الاعتداء الأخير في وقت سابق من مارس/آذار الجاري، قررت الغرفة إلغاء الاحتفال احتراماً لأرواح الشهداء، مع الإبقاء على عمل المحال التجارية. وأشار إلى أن صور مركز تجاري مهم، ولها رمزية خاصة في المنطقة، حيث تستقطب عدداً كبيراً من الزوار من المناطق المجاورة، ما يُبقي الحركة التجارية نشطة.
وأكد البدوي أن النشاط الاقتصادي في هذه المنطقة المهمة من لبنن قد عاد إلى طبيعته بقوة في المدينة ومحيطها، موضحاً أن الناس تركز مشترياتها على الحلويات والملابس، خصوصاً مع عودة المغتربين خلال فترة العيد، ما أدى إلى إقبال كبير على هذه المحال، الأمر الذي يساعد التجار على تعويض جزء من خسائرهم خلال الحرب. ولفت إلى أن الأسواق القديمة في صور تشهد اكتظاظاً بالمواطنين، الذين يزورونها تقليدياً خلال العيد.
وأظهر تقرير البنك الدولي الأخير أن لبنان بحاجة إلى حوالى 11 مليار دولار لتلبية احتياجات إعادة الإعمار. وأشار إلى أن احتياجات التعافي تتوزع بين القطاعين العام والخاص، ومن المتوقع أن يتطلب القطاع العام تمويلاً يراوح بين ثلاثة إلى خمسة مليارات دولار، بينما يحتاج القطاع الخاص إلى تمويل يراوح بين ستة إلى ثمانية مليارات دولار، سيُوجَّه الجزء الأكبر منه إلى القطاعات الاقتصادية المهمة مثل الإسكان، الصناعة، التجارة، والسياحة.
وبعد انتهاء الحرب قبل الخروقات الإسرائيلية الأخيرة، بدت شوارع المدن مظلمة وكئيبة، والمحلات التجارية بالكاد تعمل. لذلك، قرر بعض التجار في قرى الجنوب، الذين تعرضت محلاتهم لأضرار جزئية، أن يبادروا إلى إعادة الأمل إلى مدنهم، فزيّنوا الأسواق الرئيسية بفوانيس رمضان وأضواء العيد، رغم اعتراض البعض بحجة أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة الإعمار. لكن المفاجأة كانت أن هذه المبادرة جذبت السكان من القرى المجاورة، الذين توافدوا لرؤية المدن مضيئة من جديد، وبدأت المحلات تشهد حركة تجارية أكبر، وارتفع الطلب على الملابس والحلويات والهدايا، ما أنعش الأسواق نسبياً. ولم يكن الأمر مجرد زينة، بل كان إعلاناً رمزياً بأن الجنوب قد عاد إلى الحياة، رغم استمرار صعوبة الوضع الاقتصادي.
بدوره، أفاد رئيس لجنة تجار البربور - بيروت، رشيد كبي، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، بأن حركة الأسواق كانت خجولة هذا العام مقارنةً بالأعوام السابقة، حيث يحرص الناس على شراء ملابس للأطفال، وقد بلغت نسبة الحركة في الأسواق التجارية نحو 35%، ما يُعدّ تحسناً نسبياً مقارنةً بالعام الماضي، حيث لم تتجاوز نسبة الحركة آنذاك 20%.
وأشار إلى أنه بعد انتهاء الحرب، أصبح المواطنون بحاجة إلى بعض المستلزمات الأساسية، إلا أن الحركة الاقتصادية ظلت محدودة، كذلك فإن إعادة فتح المطار ساهمت في عودة المغتربين، ما انعكس إيجاباً على الحركة التجارية واستفاد منه بعض المحال التجارية.