موجات الحر تكبد أوروبا 43 مليار يورو غطّى التأمين 500 مليون منها فقط

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:27 (توقيت القدس)
موجة حارة ثالثة تضرب دولاّ أوروبية عدة منها بريطانيا، 8 يوليو 2026 (Getty)

تكبّدت أوروبا خسائر اقتصادية بلغت 43 مليار يورو (50 مليار دولار) بسبب موجات الحر الصيف الماضي، فيما لم تغطِّ شركات التأمين سوى نحو 500 مليون يورو منها فقط، في مؤشر على فجوة حماية متنامية تواجهها الشركات مع تصاعد موجات الحر واحدة تلو أخرى هذا العام، بحسب تقديرات لوكالة موديز نشرتها "رويترز" اليوم الأحد.

ففي مدينة بادوفا الإيطالية، أدى لجوء الناس إلى الأماكن المكيّفة إلى إفراغ المقاهي من زبائنها في المساء، وأبلغ أكثر من 80% من الشركات المستطلعة عن تراجع في أعمالها بنسبة تقارب 20% خلال موجة الحر الأخيرة. والسبب أن الحر الشديد نادراً ما يُحدث أضراراً مادية مباشرة تغطيها بوالص التأمين التقليدية، رغم أنه يسبب اضطراباً تشغيلياً ومالياً لا يقل حدة عن الكوارث الطبيعية الأخرى.

وتؤثر موجات الحر بشكل متزايد في اقتصاد أوروبا، إذ تقلّص الإنتاجية، وتحدّ من الإنفاق الاستهلاكي، وترفع تكاليف التشغيل. أما بالنسبة إلى شركات التأمين، فقد يصعب تغطية مثل هذه الخسائر لأنها غالباً ما تنجم عن تعطّل تشغيلي غير مباشر، لا عن أضرار مادية بالممتلكات. وقالت سوينجا سورمينسكي، المديرة العامة للمناخ والاستدامة في شركة مارش: "الحرارة في حد ذاتها ليست خطراً مؤمَّناً عليه تقليدياً. نادراً ما تُحدث الحرارة الشديدة أضراراً مادية كارثية كما تفعل الفيضانات أو العواصف، لكن الاضطراب التشغيلي والمالي الذي تسببه قد يكون بالقدر نفسه من الشدة". 

وأظهر استطلاع أجري عام 2023 شمل 9,000 شركة صغيرة ومتوسطة، لصالح الهيئة الأوروبية لتنظيم التأمين، أن 28% من الشركات تحتفظ بتغطية لتعطل الأعمال ضمن تأمين الممتلكات، في حين أن 17% فقط لديها حماية من تعطل الأعمال غير المرتبط بأضرار مادية، وهي التغطية التي تشمل أحداثاً مثل الإضرابات، بحسب "رويترز".

وتتسع فجوة الحماية هذه مع تزايد الكلفة الاقتصادية للحرارة الشديدة: تتأخر القطارات، وتتراجع المحاصيل الزراعية، وترتفع تكاليف تبريد المصانع، بينما يواجه العمال صعوبة متزايدة في الحفاظ على إنتاجيتهم خلال فترات طويلة من ارتفاع درجات الحرارة القصوى. ومن بين الشركات التي أشارت إلى تأثرها بالطقس الحار، أو حذّرت من تأثيره المحتمل مستقبلاً عند إعلان نتائج الربع الثاني، مجموعة ITAB السويدية المتخصصة في تجهيزات المتاجر، وشركة Buzzi الإيطالية لإنتاج الأسمنت، وشركة المدفوعات الفرنسية "واردلاين".

مخاطر يصعب قياسها

تصعب نمذجة موجات الحر وتأمينها مقارنة بكوارث طبيعية أخرى، إذ لا تفضي عادة إلى حدوث خسارة واحدة يمكن تحديدها بوضوح. ويبدو هذا التحدي حاداً بوجه خاص في أوروبا، أسرع القارات ارتفاعاً في درجات الحرارة. وبحسب بيانات وكالة رويترز للمناخ، فقد سُجّل في 11 أغسطس/ آب  متوسط حرارة في غرب أوروبا أعلى بنحو 10 درجات مئوية (18 درجة فهرنهايت) من متوسط الفترة الممتدة بين عامي 1961 و1990. 

وبحسب "رويترز"، بيّنت بيانات جمعتها منصة الإفصاح البيئي CDP أن 35% من الشركات التي ترصدها حدّدت موجات الحر بوصفها عامل خطر، وتصدّرت هذه القائمة شركات في قطاعات التصنيع والخدمات والبنية التحتية والغذاء. وفيما قد يغطي التأمين بعض الخسائر المادية المرتبطة بأحداث كانقطاع الكهرباء، تقول الشركات غالباً إن التعويضات لا تعوّض كثيراً من الخسارة في المبيعات وتراجع نشاط العملاء. وقالت لوني: "الخسارة الحقيقية هي الإيرادات التي لا تتحقق، والنشاط التجاري الذي لا يحدث أبداً بسبب الانقطاع".

ولسد هذه الفجوة، تتجه شركات التأمين بشكل متزايد نحو منتجات بارامترية تدفع تلقائياً عند تجاوز درجات الحرارة عتبات محددة مسبقاً. وخلافاً للتأمين التقليدي القائم على التعويض، لا تتطلب هذه السياسات عملية تسوية خسائر طويلة. ووفقاً لتقرير صادر عن KBV Research، يُتوقع أن يبلغ حجم سوق التأمين البارامتري الأوروبي 7.93 مليارات دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 9.5% بين عامي 2025 و2032.

فجوة التأمين الأوروبية مقابل خسائر موجات الحر
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وتُستخدم هذه السياسات فعلياً في قطاع الزراعة، حيث يمكن للحرارة أن تقلّص إنتاجية المحاصيل أو الثروة الحيوانية، ويرى خبراء الصناعة إمكانية توسيع نطاقها لتشمل قطاعات مثل النقل وحماية القوى العاملة. وقال آيدان كير، رئيس حلول القطاع العام في المملكة المتحدة وأيرلندا لدى شركة Swiss Re إنه "يمكن للتأمين البارامتري أن يؤدي دوراً حقيقياً".

 ومع ذلك، ستحتاج كثير من الشركات إلى التركيز أساساً على تكييف عملياتها لتحمّل فترات أكثر تكراراً من الحر الشديد، من خلال إجراءات مثل الاستثمار في تقنيات التبريد، وإعادة تصميم أماكن العمل، واختبار مرونة سلاسل الإمداد، بحسب ما أوضحت سورمينسكي، التي أضافت: "بادروا باتخاذ إجراءات لتجنب الخسائر بدلاً من معالجتها بعد وقوعها".

(1 دولار = 0.8645 يورو)

(رويترز، العربي الجديد)