من عشاء سرّي قبل 10 سنوات إلى ثورة عالمية: حكاية "أوبن إيه آي"
استمع إلى الملخص
- أطلقت الشركة مكتبة "جيم" في 2016 وسلسلة نماذج "جي بي تي" التي تطورت إلى "تشات جي بي تي"، مما حسّن جودة النصوص المولدة وقدرات الذكاء الاصطناعي.
- توسعت "أوبن إيه آي" لتطوير نماذج توليد الصور والفيديو ووكلاء مهام، مما دفع شركات كبرى مثل غوغل للتحرك في سباق الذكاء الاصطناعي.
تحتفل اليوم شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) التي تقف وراء "تشات جي بي تي" (ChatGPT) وآخر ثورة في عالم الذكاء الاصطناعي بعامها العاشر، وهي الشركة الناشئة التي كانت وراء دخول العالم إلى روبوتات المحادثة.
أُعلن رسمياً عن "أوبن إيه آي" في 11 ديسمبر/كانون الأول 2015، ولم يكن متوقعاً أن تقلب هذا القطاع رأساً على عقب عندما أطلقت في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2022 "تشات جي بي تي" (ChatGPT). وإذا كان كثير من رواد الإنترنت قد سمعوا باسم هذه الشركة الناشئة في ذلك الوقت، فهي في الواقع أقدم من ذلك بكثير، إذ لا يمكن قلب صناعة كاملة بين ليلة وضحاها.
مشروع وُلد حول مائدة عشاء
إذا كانت الشركة الناشئة التي تقف وراء "تشات جي بي تي" قد وُلدت قبل عشر سنوات بالضبط، فإن بدايتها تعود إلى بضعة أشهر قبل ذلك، وتحديداً في يوليو/تموز 2015، خلال عشاء، كما تروي ذلك مجلة "وايرد" (Wired) الأميركية.
نُظم هذا العشاء من طرف سام ألتمان، الذي كان آنذاك رئيس حاضنة الشركات الناشئة "واي كومبيناتور"، وأقيم في صالون خاص بفندق "روزوود" في مدينة مينلو بارك بولاية كاليفورنيا، وهو مكان يُعد نقطة لقاء أساسية لصفوة رواد الأعمال والمستثمرين في وادي السيليكون.
من بين الحاضرين كان إيلون ماسك، رئيس تسلا و"سبيس إكس"، ولم يكن وجوده هناك بمحض الصدفة، إذ جرت دعوته من طرف سام ألتمان، الذي كان صديقاً قديماً له في تلك الفترة، وكان قد أعرب عن قلقه حيال الذكاء الاصطناعي، محذّراً حتى من أنه "قد يكون أكثر خطورة من الأسلحة النووية" في منشور له على منصة "إكس" في أغسطس/آب 2014.
Really excited to announce @open_ai. Please check it out: https://t.co/6mRsCgCJiX
— Sam Altman (@sama) December 11, 2015
هذه المخاوف كانت أيضاً مشتركة مع الشخص الذي أصبح اليوم رئيس "أوبن إيه آي" ألتمان، الذي دعا بدوره المدير التقني السابق لشركة "سترايب" غريغ بروكمان إلى هذا العشاء. وكان بروكمان قد غادر الشركة المتخصصة في خدمات الدفع قبل شهرين، وبدأ يهتم بالذكاء الاصطناعي "لفهم ما الذي يحدث في هذا المجال بشكل أفضل"، كما صرّح في مدونة كتبها في مايو/أيار 2016.
لكن هذا العشاء كان قبل كل شيء فرصة لرواد الأعمال هؤلاء لاستقطاب باحثين في الذكاء الاصطناعي من أجل المشروع المستقبلي الذي أصبح لاحقاً "أوبن إيه آي"، من بين هؤلاء الباحثين إيليا سوتسكيفر وداريو أمودي الذي يُدير اليوم شركة "أنثروبيك" المنافسة. في ذلك الوقت، كانا يعملان معا في "غوغل برين"، الفريق السابق لعملاق التكنولوجيا الأميركي المخصص للتعلم العميق.
قناعة مشتركة
كان هذا هو التحدي الرئيسي أمام سام ألتمان وإيلون ماسك وغريغ بروكمان، فعدد كبير من هؤلاء الباحثين كان يعمل بالفعل لدى شركات مثل غوغل، لكن ذلك لم يثبط عزيمتهم، خاصة أنهم كانوا يتقاسمون قناعة مشتركة مع الذين أصبحوا لاحقاً من المؤسسين المشاركين لـ"أوبن إيه آي"، فقد كانوا جميعاً يؤمنون بظهور "الذكاء الاصطناعي العام"، أي أنظمة تتمتع بقدرات ذكاء تعادل قدرات البشر. لكنهم كانوا يعتبرون من المهم ألا يسبب مثل هذا الذكاء الاصطناعي ضرراً للبشرية.
وقال غريغ بروكمان: "تحدثنا عن الوضع الحالي للمجال، وعن الهوة التي ما زالت تفصلنا عن ذكاء اصطناعي بمستوى الذكاء البشري، وعن الشروط اللازمة لبلوغ ذلك، وغير ذلك، وتمحور النقاش حول نوع المنظمة الأكثر قدرة على ضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً".
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، رأى رواد الأعمال الثلاثة أنه من الضروري أيضاً أن تكون هذه المنظمة في طليعة البحث العلمي، وأن تجمع "أفضل الباحثين في الذكاء الاصطناعي في العالم"، غير أن إقناع هؤلاء لم يكن بالسهولة نفسها، حتى لو أن إيليا سوتسكيفر اقتنع سريعاً بالمشروع.
من الفكرة إلى التنفيذ
في ختام ذلك العشاء، تطوع غريغ بروكمان لجعل فكرة هذه المنظمة واقعاً ملموساً، وقال: "كنت أعلم أن ذلك لن يتحقق إلا إذا كان هناك من هو مستعد للتفرغ له بالكامل لتحديد معالم هذا المشروع بدقة، وتحديد الأشخاص الذين سيشاركون فيه، وهكذا، ومنذ اليوم التالي، أصبح لدي من جديد مشروع طموح أعمل على تحقيقه".
لكن بروكمان واجه في البداية أكثر من رفض بدءاً بالمشاركين الآخرين في العشاء، ثم توجه بعد ذلك إلى أحد آباء الذكاء الاصطناعي المؤسسين يوشوا بنجيو. غير أن هذا الأخير، وهو أستاذ في جامعة مونتريال، فضّل البقاء في العالم الأكاديمي (وهو لا يزال كذلك اليوم). لكنه قدّم له مع ذلك قائمة بأفضل الباحثين في هذا المجال، تواصل معهم المدير التقني السابق لـ"سترايب" خلال الأسابيع التالية، إلى جانب خبراء آخرين. ورغم أن الكثيرين منهم أحبّوا الفكرة، فإنهم كانوا يخشون اتخاذ خطوة ترك وظائفهم. وفي النهاية، اختار بروكمان عشرة أشخاص كان يرغب في ضمّهم أكثر من غيرهم، وقرر العمل على إقناعهم.
Worth reading Superintelligence by Bostrom. We need to be super careful with AI. Potentially more dangerous than nukes.
— Elon Musk (@elonmusk) August 3, 2014
ويواصل بروكمان سرد قصة البدايات، وأشار إلى أنهم وصلوا إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2015، ولإقناعهم، قرر رفقة سام ألتمان دعوتهم إلى اجتماع خارجي في أحد كروم العنب الذي قضوا فيه يوماً كاملاً في الأكل والتنزه وتبادل النقاشات في منطقة نابا فالي بولاية كاليفورنيا. ولفت إلى أن تلك الرحلة كانت مثمرة، وقال في مدونته "انسجم الجميع بشكل رائع، وانهالت الأفكار والرؤى ووجدت حافلتنا الصغيرة نفسها عالقة في ازدحام مروري في طريق العودة، لكن المشاركين كانوا منهمكين جداً في النقاش لدرجة أنهم بالكاد انتبهوا لذلك".
في نهاية هذا الاجتماع، تلقى كل مشارك عرضاً، مع مهلة نهائية محددة في الأول من ديسمبر/كانون الأول. وأوضح بروكمان أن "كل المرشحين وافقوا، باستثناء مهندس واحد قرر الابتعاد تماماً عن مجال الذكاء الاصطناعي".
استطاع فيما بعد رواد الأعمال الثلاثة إقناعهم بحجة قوية وهي إمكانية إجراء أبحاث موجهة نحو المستقبل، وليس نحو نتائج فصلية، ثم رأوا أنه من المهم أن تكون "أوبن إيه آي" منظمة غير ربحية لضمان فوائد الذكاء الاصطناعي، والتأكد من أن يكون مفيداً للبشرية.
وفي إطار هذا المشروع، كانت أمام الباحثين فرصة أيضاً لمشاركة أبحاثهم مع من يرغبون. إذ إن سام ألتمان وإيلون ماسك وغريغ بروكمان كانوا يسعون إلى تمكينهم من نشر ما قد يصبح التكنولوجيا الأكثر ثورية في القرن الـ21 مجاناً. ومن هنا جاء اسم "أوبن إيه آي" (OpenAI)، أي "الذكاء الاصطناعي المفتوح"، الذي يعكس نهج "الكود" المفتوح المعتمد من طرف الشركة الناشئة في بداياتها، قبل أن تتراجع عنه لاحقاً. ويقضي هذا النهج بجعل شيفرة نموذج الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع مجاناً، كي يتمكن أي شخص من الاطلاع عليها وتعديلها لإنشاء أدواته الخاصة.
هذه الحجج دفعت عدداً من الباحثين إلى اتخاذ القرار وترك شركاتهم، رغم المبالغ الفلكية التي عرضتها عليهم بعض الشركات التي علمت بالمشروع وأرادت الاحتفاظ بهم.
الإعلان الرسمي وأول المشاريع
لم يكن تحديد الأول من ديسمبر/كانون الأول موعداً نهائياً اختياراً عشوائياً، إذ كان سام ألتمان وإيلون ماسك وغريغ بروكمان يرغبون في الإعلان عن مشروعهم خلال مؤتمر "نيور آي بي إس" (NeurIPS) المخصص للذكاء الاصطناعي، والذي يُنظم كل عام في بداية ديسمبر/كانون الأول. وفي عام 2015، أُقيم المؤتمر بين 7 و12 ديسمبر/كانون الأول. وقبل اليوم الأخير منه بيوم واحد، وبفارق دقائق قليلة، أعلن رئيس "واي كومبيناتور" ورئيس تسلا والمدير التقني السابق لـ"سترايب" عن "أوبن إيه آي" على منصة إكس (تويتر في ذلك الوقت).
وجاء في مدونة بروكمان: "أوبن إيه آي هي شركة أبحاث غير ربحية متخصصة في الذكاء الاصطناعي. هدفنا هو تطوير الذكاء الرقمي بالطريقة الأكثر قدرة على إفادة البشرية جمعاء، من دون أن نُقيَّد بالحاجة إلى تحقيق أرباح مالية". ومع ذلك، بدا المؤسسون المشاركون حذرين في هذا المقال، ونقلت المدونة قولهم "نتيجة هذه المؤسسة غير مؤكدة، والعمل شاق، لكننا نعتقد أن الهدف والبنية صحيحان".
إذا كانت الشركة الناشئة التي تقف وراء "تشات جي بي تي" قد وُلدت قبل عشر سنوات بالضبط، فإن بدايتها تعود إلى بضعة أشهر قبل ذلك، وتحديدا في يوليو/تموز 2015، خلال عشاء، كما تروي ذلك مجلة "وايرد" (Wired) الأميركية.
وبعد الإعلان الرسمي، شرع أعضاء "أوبن إيه آي" في العمل. وفي 4 يناير/كانون الثاني، اجتمعوا في ما كان أول مكتب لهم، وهو شقة غريغ بروكمان، لبدء العمل فعلياً. ولم يستغرق الأمر سوى بضعة أشهر لإطلاق أداتهم الأولى، "جيم" (Gym)، في 27 إبريل/نيسان 2016. وكانت متاحة في نسخة تجريبية، وهي مكتبة صُممت لتطوير واختبار ومقارنة خوارزميات "التعلم المعزز"، وتسمح هذه التقنية للنظام بتعلم الأفعال التي يجب اتخاذها من خلال التجربة. إذ يُلقى بالنظام في بيئة معينة، ويتلقى مكافأة (إيجابية أو سلبية) وفقاً لسلوكه. وفي حالة "جيم"، تُقدم عدة بيئات (ألعاب أتاري، روبوتات، لعبة غو) لمحاكاة مواقف يمكن فيها تدريب هذه الخوارزميات.
عمل طويل الأمد
لكن "أوبن إيه آي" لم تتوقف عند هذا الحد بطبيعة الحال، بل وضعت خلال الأشهر والسنوات التالية الأسس التي قام عليها "تشات جي بي تي"، وفي يونيو/حزيران 2018، أطلقت الشركة عائلة نماذج "جي بي تي"، التي تُعد أساس عمل روبوت الدردشة اليوم. وكان أول نموذجين، "جي بي تي - 1" (GPT - 1) عام 2018 و"جي بي تي - 2" (GPT - 2) عام 2019 مخصصين للبحث، وكانت قدراتهما محدودة. فقد كان بإمكانهما توليد النصوص أو الإجابة عن الأسئلة، ولكن ليس بالجودة التي يقدّمها "جي بي تي - 5" (GPT - 5) اليوم.
ورغم أن "جي بي تي - 2" كان قادراً على توليد نصوص تقترب من الجودة البشرية، فإنه كان يميل إلى التكرار ويفتقر إلى الترابط، فيتحدث مثلا عن حرائق تندلع تحت الماء، لكن مع مرور الوقت، نجحت الشركة الناشئة في تحسين نماذجها للذكاء الاصطناعي، كما لاحظ كثير من مستخدمي الإنترنت مع "تشات جي بي تي"، الذي كان يعمل بنموذج "جي بي تي - 3.5" (GPT - 3.5) في بداياته. ومنذ ذلك الحين، توسعت الشركة إلى مجالات أخرى عبر نماذج قادرة على توليد الصور أو مقاطع الفيديو، وعبر وكلاء قادرين على تنفيذ مهام نيابة عن المستخدم، وكذلك عبر محرّك بحث مدعوم بالذكاء الاصطناعي. وهي جميعها مشاريع هزّت السوق ودَفعت شركات مثل غوغل إلى التحرك كي لا تخسر سباق الذكاء الاصطناعي.