من باريس إلى لندن: رواتب خيالية لمحافظي البنوك المركزية
- مقارنة أوروبية تُظهر أن محافظي البنوك المركزية في دول أخرى يتقاضون رواتب أعلى، مثل محافظ البنك الاتحادي الألماني بـ517,847 يورو ورئيسة البنك المركزي الأوروبي بـ726,000 يورو.
- يأتي الجدل في ظل أزمة ميزانية بفرنسا، مع نقاشات حول فرض ضرائب إضافية، مما يزيد من حساسية الرأي العام تجاه العدالة الجبائية.
منذ إعلان محافظ بنك فرنسا فرانسوا فيلروا دو غالو تقليص عهدته ومغادرة منصبه في بداية يونيو/حزيران 2026، عاد ملف الرواتب العليا في فرنسا إلى الواجهة، بعدما تبيّن أن راتبه هو الأعلى بين كبار المسؤولين العموميين في البلاد.
وفق وثيقة رسمية صادرة عن بنك فرنسا، بلغت مكافأة المحافظ السنوية قبل الضرائب والاقتطاعات 310 آلاف و678 يورو عن سنة 2024. كما ينص القانون على أن تكاليف سكن المحافظ يتحمّلها البنك، وبما أنه لا يستفيد من سكن وظيفي، فهو يتقاضى تعويض سكن شهرياً قدره 6399 يورو قبل الاقتطاعات.
هذا المستوى من الأجر أثار نقاشا واسعا لأن المقارنة داخليا تُظهر فجوة واضحة بين محافظ بنك فرنسا وبين أعلى هرم السلطة التنفيذية. فالرئيس إيمانويل ماكرون كان راتبه الشهري قبل الاقتطاعات في يناير/كانون الثاني 2024 في حدود 16 ألفا و39 يورو، بحسب ما نُشر عن بيانات راتبه.
مقارنة داخل فرنسا
في الحكومة الفرنسية، لا تقل الرواتب الرسمية أهمية في النقاش العام لأنها تمثل سقفا سياسيا لما يُعد مقبولا في أعين الرأي العام. ويقدم راتب رئيس الحكومة عادة باعتباره قريباً من راتب رئيس الجمهورية، ويُتداول على نطاق واسع أن رئيس الحكومة يتقاضى نحو 15 ألفا و500 يورو شهرياً قبل الاقتطاعات، بينما راتب الوزير يقارب 10 آلاف و647 يورو شهرياً قبل الاقتطاعات.
وعندما توضع هذه الأرقام جنبا إلى جنب مع راتب محافظ بنك فرنسا، يصبح الجدل مفهوما، فالمنصب غير منتخب، لكنه يتصدر قائمة الرواتب العمومية، في وقت ترتفع حساسية الفرنسيين تجاه العدالة الجبائية وتكاليف المعيشة.
محافظون أوروبيون يتقاضون أكثر
رغم أن محافظ بنك فرنسا يُعد الأعلى أجراً داخل فرنسا، فإن المقارنة الأوروبية تُظهر أن الصورة أعقد. في ألمانيا، أظهر التقرير السنوي للبنك الاتحادي الألماني أن الراتب السنوي لرئيسه في 2024 بلغ 517 ألفا و847 يورو متضمنا بعض البدلات. وفي بلجيكا، تشير بيانات منشورة عن تقرير المؤسسة إلى أن محافظ البنك البلجيكي تقاضى في 2024 نحو 549 ألفا و152 يورو. أما في هولندا، فيُظهر تقرير البنك المركزي الهولندي أن رئيسه تقاضى في 2024 نحو 469 ألف يورو.
في إيطاليا، ذكر تقرير بنك إيطاليا أن الراتب السنوي للمحافظ في 2024 بلغ نحو 480 ألف يورو. وسجل تقرير بنك إنكلترا أن راتب محافظه خلال الفترة من مارس/آذار 2024 إلى مارس/آذار 2025 بلغ نحو 598 ألف جنيه إسترليني (نحو 688 ألف يورو) منها 495 ألف جنيه إسترليني راتباً أساسياً. وفي سويسرا، كشفت تقارير منشورة استنادا إلى تقرير البنك الوطني السويسري أن رواتب قيادة البنك بلغت مستوى المليون بالفرنك السويسري في 2024 (1.1 مليون يورو)، مع اختلافات بحسب الفترة وتفاصيل الاستحقاقات.
المركزي الأوروبي
على مستوى منطقة اليورو، أعلن البنك المركزي الأوروبي أن راتب رئيسته كريستين لاغارد بلغ 466 ألفا و92 يورو عام 2024. لكن الجدل توسّع بعد نقل وسائل الإعلام أن ما تتقاضاه فعلياً قد يكون أعلى بكثير عند احتساب مزايا مرتبطة بالسكن ومكافآت مرتبطة بمهام دولية، ما رفع التقدير إلى نحو 726 ألف يورو لسنة 2024.
رئيس الاحتياطي الفيدرالي براتب أقل
المفارقة التي غذّت الجدل في فرنسا، أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جيروم باول، رغم ثقل منصبه عالميا، يتقاضى راتبا أقل بكثير من نظرائه الأوروبيين. فالاحتياطي الفيدرالي يذكر أن راتب رئيسه في 2019 كان 203.5 آلاف دولار 203,500 دولار سنوياً (نحو 172 ألف يورو). كما نُقل عن جيروم باول في مقابلات صحافية أنه يتقاضى نحو 190 ألف دولار سنويا، في سياق ثقافة خدمة عامة تُفضّل الأجر المتحفظ لتقليص شبهات القرب من وول ستريت وتضارب المصالح.
جدل الرواتب وسط أزمة ميزانية
توقيت انفجار هذا النقاش في فرنسا لم يكن معزولاً عن المناخ الاقتصادي والسياسي. ففرنسا أنهت للتو سجالاً طويلاً لتمرير ميزانية 2026 بعد أشهر من التوترات ومحاولات إسقاط الحكومة، بينما تستهدف الميزانية خفض العجز إلى 5% من الناتج تقريباً، مع حزمة إجراءات تشمل خفضاً في الإنفاق وفرض ضرائب ورسوم إضافية. واحتدم النقاش حول تمديد أو توسيع ضرائب على الشركات الكبرى وبعض الشرائح الأعلى دخلاً، في ظل دين عام مرتفع وضغوط مستمرة على المالية العامة.