من الدانوب إلى البلطيق.. طرق بديلة لإنقاذ صادرات حبوب روسيا وأوكرانيا

14 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:18 (توقيت القدس)
قطارات محملة بالحبوب الأوكرانية في محطة دوروهوسك على الحدود بولندا، 20 سبتمبر 2026 (Getty)

دفعت الهجمات المتبادلة على الموانئ والسفن التجارية روسيا وأوكرانيا إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة لتصدير الحبوب، بعدما تحوّل البحر الأسود من الطريق الأقصر والأقل كلفة إلى ممر شديد المخاطر. وتزداد حساسية الاضطرابات لأن روسيا أكبر مصدر للقمح في العالم، بينما تمر أكثر من 90% من صادرات أوكرانيا الزراعية الموجهة إلى الخارج عبر الموانئ البحرية.

ولا تستطيع الطرق البرية والنهرية الجديدة استيعاب جميع الكميات التي كانت تمر عبر البحر الأسود وبحر آزوف، كما ترفع كلفة النقل ومدة وصول الشحنات. ويجعل ذلك المسارات الجديدة وسائل لتخفيف الخسائر والمحافظة على جزء من الصادرات، وليست بديلا كاملا للطريق البحري التقليدي.

توقف موانئ أوديسا يسرّع البحث عن البدائل

قال وزير الزراعة الأوكراني تاراس فيسوتسكي للصحافيين في وقت سابق هذا الشهر إن "أي سفينة لم تدخل موانئ أوديسا منذ بداية أغسطس/آب، ما أجبر المصدرين على توجيه الشحنات نحو الطرق البرية وموانئ نهر الدانوب والسكك الحديدية". وبلغت صادرات الحبوب الأوكرانية خلال الفترة من 1 إلى 12 أغسطس/آب نحو 590 ألف طن فقط، أي 30% من الاحتياجات، وفق ما أعلنه وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي. ويأتي التراجع بعدما سجلت وزارة الإعمار والبنية التحتية والنقل الأوكرانية خلال يوليو/تموز 67 هجوما روسيا على منشآت الموانئ، و35 هجوما على سفن مدنية داخل الموانئ، و22 هجوما على سفن في الممر البحري الأوكراني.

بلغت صادرات الحبوب الأوكرانية خلال الفترة من 1 إلى 12 أغسطس نحو 590 ألف طن فقط أي 30% من الاحتياجات 

وتتوقع أوكرانيا إنتاج نحو 80 مليون طن من الحبوب والبذور الزيتية والمنتجات المصنعة خلال الموسم التسويقي الحالي، وكان بإمكانها تصدير قرابة 60 مليون طن في حال استمرار عمل الموانئ. لكن فيسوتسكي قال إن "استخدام جميع المسارات البديلة لن يسمح بتصدير أكثر من 30 مليون طن"، ما يعني بقاء كمية مماثلة بعيدة عن الأسواق العالمية.

أوكرانيا تراهن على مولدوفا وكونستانتا

تعمل كييف على إنشاء ممر بالسكك الحديدية ينقل الحبوب من أراضيها عبر مولدوفا، ومنها إلى ميناء كونستانتا الروماني، حيث يعاد تحميلها على السفن وتوجيهها إلى الأسواق الدولية. وطلبت أوكرانيا من مولدوفا تخفيض رسوم النقل بالسكك الحديدية بنسبة 50%، فيما ربطت كيشيناو الموافقة بضمان كييف كميات محددة ومنتظمة من الحبوب. ويمنح ضمان الكميات مولدوفا إيرادات ثابتة تساعدها على تغطية تكاليف تشغيل الخطوط وتوفير القطارات والعربات اللازمة.

قال مسؤول كبير في قطاع الحبوب الأوكراني لوكالة رويترز، الاثنين الماضي، إن "الجهات المختصة تجمع بيانات عن الكميات التي يرغب المصدرون في نقلها، وإن العملية لم تكتمل بعد". وقال مصدر في هيئة السكك الحديدية المولدوفية للوكالة إن "الجانبين يناقشان مدة الاتفاق وكميات الحبوب الأوكرانية التي ستعبر مولدوفا نحو ميناء كونستانتا الروماني". وقدر الرئيس السابق لهيئة السكك الحديدية في مولدوفا أوليغ توفيلات الطاقة السنوية للممر بنحو 4.5 ملايين طن، ما يعادل قرابة 10% من صادرات الحبوب الأوكرانية المتوقعة. وسبق لمولدوفا استخدام شبكتها الحديدية لنقل الحبوب الأوكرانية خلال عامي 2022 و2023، ما يجعل إعادة تفعيل المسار أسرع من إنشاء خط جديد.

نهر الدانوب والحدود الغربية

تسعى أوكرانيا أيضا إلى زيادة الشحن عبر موانئ نهر الدانوب، ونقل الحبوب بالقطارات والشاحنات عبر حدودها الغربية مع رومانيا وبولندا ودول الاتحاد الأوروبي. وتوفر هذه المسارات منفذا إلى الموانئ الأوروبية، لكنها تواجه قيودا ترتبط بطاقة السكك الحديدية واختلاف عرض القضبان بين أوكرانيا ودول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الازدحام عند المعابر وارتفاع تكاليف إعادة تحميل الشحنات. وقال فيسوتسكي إن "المسارات البديلة لن تبلغ طاقتها المطلوبة قبل نهاية أغسطس/آب، وإنها لن تستطيع تعويض أكثر من نصف الكميات التي كانت تمر عبر موانئ البحر الأسود".

وتعرض خيار الدانوب لضربة جديدة أمس الخيمس، عندما استهدفت روسيا ميناء إسماعيل القريب من الحدود الرومانية وألحقت أضرارا ببنيته التحتية وشبكة الكهرباء. ويواجه الممر أيضا انخفاض مناسيب المياه، ما يحد من حمولة السفن النهرية ويرفع عدد الرحلات اللازمة لنقل الكميات نفسها.

أزمة التخزين تهدد الموسم المقبل

لا يقتصر الضرر على فقدان الصادرات، إذ يؤدي تعثر الشحن إلى امتلاء الصوامع وتراجع الأسعار التي يحصل عليها المزارعون داخل أوكرانيا، في وقت ترتفع فيه أسعار الحبوب في الأسواق العالمية. كما يحرم ضعف المبيعات المزارعين من السيولة اللازمة لشراء البذور والأسمدة وزراعة الموسم المقبل.

تسعى أوكرانيا أيضا إلى زيادة الشحن عبر موانئ نهر الدانوب ونقل الحبوب بالقطارات والشاحنات عبر حدودها الغربية مع رومانيا وبولندا ودول الاتحاد الأوروبي

وحذر فيسوتسكي من أن استمرار إغلاق موانئ أوديسا حتى نوفمبر/تشرين الثاني قد يؤدي إلى عجز في قدرات التخزين يصل إلى 11 مليون طن. وقد تضطر المزارع إلى الاحتفاظ بمحاصيل غير مبيعة بالتزامن مع وصول إنتاج الموسم الجديد، ما يزيد الضغوط على الأسعار المحلية والسيولة. وتعمل السلطات الأوكرانية على برنامج لدعم المزارعين، يشمل توفير قروض منخفضة الفائدة وتخفيضات على الخدمات اللوجستية. وطلبت كييف من المفوضية الأوروبية منحة بقيمة 254 مليون دولار، للمساهمة في تغطية فوائد القروض وجزء من المخاطر التي تتحملها المؤسسات الممولة للصادرات ودورة الإنتاج الجديدة.

وخفضت وزارة الزراعة الأوكرانية توقعاتها لصادرات الحبوب في موسم 2026-2027 من 43 مليون طن إلى ما بين 38 و40 مليون طن، بسبب تعطل موانئ أوديسا. وقد تنخفض صادرات المنتجات الزراعية بمختلف أنواعها إلى نحو 30 مليون طن فقط إذا استمر الاعتماد على الطرق البديلة، مقابل نحو 60 مليون طن كان يمكن تصديرها في حال عمل الموانئ بصورة طبيعية.

روسيا تتجه إلى البلطيق وقزوين والشرق الأقصى

من جهتها، تواجه روسيا مأزقا مشابها بعد تقييد الملاحة في بحر آزوف وتعرض منشآت التصدير في نوفوروسيسك للهجوم. وأعلنت وزارة الزراعة الروسية، أول أمس الأربعاء، عقب اجتماع عقدته الوزيرة أوكسانا لوت مع السلطات الإقليمية والمصدرين ومسؤولي السكك الحديدية والموانئ، العمل على تحويل تدفقات الحبوب والمنتجات الزراعية إلى موانئ بحر البلطيق وبحر قزوين والشرق الأقصى، إلى جانب توسيع استخدام الطرق البرية.

وتهدف الخطة إلى ضمان تسويق الحبوب والمنتجات الزيتية في الوقت المناسب، وبناء مسارات توريد تراعي القيود اللوجستية الحالية. وطلبت الوزارة من كبار المصدرين تحديد الكميات التي يستطيعون شراءها ونقلها، وإعداد مسار لكل شحنة. كما قررت تشكيل غرفة عمليات تضم ممثلين عن المناطق الزراعية والمصدرين وقطاع البنية التحتية، لمتابعة أسعار شراء الحبوب وتوفير عربات السكك الحديدية ومراقبة عمليات الشحن في الموانئ.

دعم نقل الحبوب بالسكك الحديدية

تدرس الحكومة الروسية تخصيص عشرة مليارات روبل (نحو 122 مليون دولار)، لدعم نقل المنتجات الزراعية الموجهة إلى التصدير بالسكك الحديدية. وتستهدف الخطة تحويل حبوب منطقة روستوف إلى موانئ البحر الأسود والبلطيق، ونقل إنتاج سيبيريا إلى موانئ الشرق الأقصى. ويعكس الدعم الحكومي ارتفاع كلفة المسارات الطويلة، إذ تحتاج الحبوب القادمة من المناطق الجنوبية إلى قطع مسافات أكبر للوصول إلى البلطيق، بينما يناسب طريق الشرق الأقصى إنتاج سيبيريا والأسواق الآسيوية أكثر من شحنات جنوب روسيا المتجهة إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.

أما موانئ بحر قزوين، فتتيح الوصول إلى إيران ومنها إلى أسواق أخرى عبر الممرات البرية والبحرية، لكن طاقتها محدودة مقارنة بموانئ البحر الأسود. كما تتطلب بعض الوجهات عمليات نقل وتفريغ إضافية تزيد الكلفة والمدة.

نوفوروسيسك يكشف هشاشة المسار الروسي

تضاعفت حاجة موسكو إلى البدائل بعد توقف محطتين رئيسيتين للحبوب في نوفوروسيسك عقب هجوم أوكراني أول أمس الأربعاء. وتبلغ الطاقة التصديرية لإحدى المحطتين 8.5 ملايين طن سنويا، وفقا لوكالة رويترز. فيما تصل طاقة المحطة الثانية إلى 7.1 ملايين طن، ما يعني أن التوقف طاول منشأتين بطاقة مشتركة تبلغ 15.6 مليون طن سنويا.

تدرس روسيا تخصيص 122 مليون دولار لدعم نقل الحبوب بالسكك الحديدية إلى موانئ البحر الأسود والبلطيق ونقل إنتاج سيبيريا إلى موانئ الشرق الأقصى

وقالت صحيفة "كوميرسانت" الروسية أمس الخميس، إن شركة السكك الحديدية الروسية أوقفت مؤقتا إرسال الحبوب وشحنات أخرى إلى نوفوروسيسك عقب الهجمات، مما يزيد الضغوط على المصدرين، لأن نقل الحبوب إلى الميناء بالقطارات يمثل حلقة أساسية بين مناطق الإنتاج ومحطات الشحن البحرية. وسبقت الهجوم قيود على استقبال الشاحنات في ثلاث محطات روسية في "نوفوروسيسك" و"تامان"، تبلغ طاقتها المشتركة أكثر من 20 مليون طن سنويا، إضافة إلى حظر حركة السفن ليلا في نوفوروسيسك بسبب مخاطر الطائرات المسيرة.

وأظهرت بيانات اتحاد الحبوب الروسي تراجع صادرات الحبوب الرئيسية في يوليو/تموز بنسبة 37.6% على أساس سنوي إلى 2.03 مليون طن. بينما انخفضت صادرات القمح بنسبة 17.7% إلى 1.8 مليون طن، وتراجعت شحنات الذرة إلى 146.3 ألف طن والشعير إلى 101.4 ألف طن.

هدنة البحر الأسود تظل الحل الأكثر فاعلية

وأفادت "رويترز" الخميس، أن كييف اقترحت على موسكو، عبر طرف ثالث، وقفا متبادلا للهجمات على الأهداف المدنية في البحر الأسود، في محاولة لحماية السفن وإعادة تشغيل حركة الصادرات. غير أن وزارة الخارجية الروسية قالت إنها لا ترى جدوى من إجراءات جزئية تمنح أوكرانيا فترة راحة مؤقتة، وأكدت أنها لم تتلق طلبا تركيا رسميا يتضمن شروط هدنة بحرية مقترحة.

وفرضت تركيا، السبت الماضي، قيودا مؤقتة على عبور بعض السفن التجارية المتجهة إلى موانئ روسية وأوكرانية في البحر الأسود عبر مضيق الدردنيل، بسبب تصاعد المخاطر الأمنية. وفي اليوم التالي، استأنفت السماح بمرور السفن، وأكد مسؤولون أتراك أن حركة الملاحة عبر المضائق عادت إلى طبيعتها. ودعت أنقرة روسيا وأوكرانيا إلى وقف الهجمات في البحر الأسود، بعد تزايد استهداف السفن التجارية وامتداد المخاطر إلى سفن مرتبطة بتركيا. في وقت تخضع فيه حركة السفن المدنية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل لاتفاقية مونترو التي تضمن مرورها في أوقات السلم.