من أمل الثراء إلى صدمة الفراغ...هبوط بيتكوين الذي بدّد أحلام صغار المدّخرين
استمع إلى الملخص
- قام مستثمرون بارزون مثل روبرت كيوساكي ببيع جزء من ممتلكاتهم في بيتكوين وتحويل العائدات إلى استثمارات تقليدية، مشددين على أهمية استغلال الفرص المناسبة.
- تباينت آراء الخبراء حول مستقبل بيتكوين بين اعتبارها فقاعة مضاربة وفرصة نادرة للشراء، مع توقعات بمزيد من التذبذب في السوق.
صار مشهد الشمعة الحمراء في شارت بيتكوين جزءاً من روتين السهر عند كثير من المتعاملين، لا سيما الصغار منهم، في الليالي الأخيرة وكأنه كابوس إلزامي يومي، أرقام تتهاوى من خانة 100 ألف دولار إلى ما دون 90 ألفاً، ثم تكسر عتبة 80 ألفاً، في موجة نزول محت تقريباً مكاسب 2025 كلها، ومعها ما رسمه الملايين من أحلام.
بيتكوين فقدت أكثر من 30% من قيمتها منذ أكتوبر/تشرين الأول، وتبخرت القيمة السوقية للعملات الرقمية بأكثر من تريليون دولار في هذه الموجة وحدها. ووراء هذه الأرقام الباردة، يعكس الخاسرون حرارة المشهد الحقيقي، وتنوّع الألم عبر حروف ترجمت درجة الأسف التي فاقت الوصف، متعاملون ومتداولون كتبوا بمرارة "خسرت كل شيء"، وخبراء أطلقوا تحذيرات وآخرون حاولوا زرع الطمأنينة ومنهم من رمى المنشفة في منتصف الطريق وباع ما يملك خوفاً من خسارة لا يطيقها لاحقاً، ومتنمرون حولوا الخسارة إلى درس، أو نكتة سوداء.
منصّة "Bitget" (أبرز المنصات العالمية في مجال تداول العملات المشفرة) وثقت ليلة 16 نوفمبر/تشرين الثاني واحدة من أكبر موجات التصفية هذا العام، في ذلك اليوم وحده، جرى إغلاق قسري لمراكز بأكثر من 617 مليون دولار، منها نحو 240 مليون دولار من مراكز طويلة على بيتكوين وحدها، وفق بيانات موقع "كوين غلاس" (منصة بيانات لعقود مشتقات العملات الرقمية).
لكن ما لا تقوله الأرقام الباردة، تقوله الأصوات الساخنة على منصات التواصل الاجتماعي، متعاملون يكتبون ببساطة: "لقد تمت تصفيتي" ثم يختفون وكأن الأمر يتعلق بمشهد في فيلم سينمائي لم يزد فيه البطل الذي تحول لـ"كومبارس" وانحصر دوره في ظهوره لبرهة من الفيلم ثم تصفيته على طريقة "Game Over".
Over the past few months I’ve been noticing a phenomenon that honestly pisses me off.
— Nagato 𓂀 (@CryptoNagato) November 13, 2025
This new wave of “day trading gurus” (especially on TikTok and Instagram) purposely brainwashing young people into thinking that trading is the easiest career path in the world.
Open those…
غضب للتهويل وهروب من بتكوين
المتداول المشهور على منصة إكس كريبتو ناغاتو صب جام غضبه على من قال إنهم يتصرفون الآن كالعباقرة رغم غياب صوتهم من قبل، وكتب على منصة إكس بلغة تظهر بين أسطرها حجم الألم الذي ألمّ به: "أقول لهؤلاء الأغبياء: اسمعوا، كنت أتوقع أيضاً حركة الهبوط، وشاركت إعداداتي على بيتكوين وإيثريوم قبل يومين، وقد سارت الأمور على ما يرام تقريباً، لقد ربحت المال من بيعهما على المكشوف. لكن، بصراحة، لم أتوقع أن تكون حركة الهبوط بهذه القوة، لم أتوقع أن تدمر بعض المستويات الرئيسية بهذه الطريقة. ولن أجلس هنا متظاهراً بأنني توقعتُ كل شيء".
وبالمنهجية نفسها، حاول صاحب كتاب "الأب الغني والأب الفقير" روبرت كيوساكي، الذي ظل خلال الأسبوع الماضي يشجع على الاستثمار في بيتكوين وهاجم منتقدي ذلك مثل رجل الأعمال الأميركي وارن بافيت، وبات عليه الآن أن يواجه جمهوره لتبرير ما حدث والإبقاء على "مصداقيته" وكشف أنه باع مؤخراً جزءاً كبيراً من ممتلكاته من بيتكوين، وحوّل العائدات إلى أعمال تقليدية مدرة للدخل. وفي منشور مفصّل على منصة إكس، قال كيوساكي إنه قام بتصفية ما قيمته 2.25 مليون دولار من بيتكوين، وهي عملات اشتراها في الأصل مقابل 6000 دولار لكل منها قبل سنوات وحصل على ما يقرب من 90 ألف دولار بعد البيع.
وأوضح كيوساكي أنه يستخدم هذه السيولة الآن لشراء مركزين جراحيين والاستثمار في مشروع لوحات إعلانية، ويتوقع أن يبدأ كلاهما في توليد حوالي 27 ألف و500 دولار شهرياً تدفقاً نقدياً إيجابياً بحلول فبراير/شباط من العام المقبل. وأضاف أن هذا الدخل الجديد سيكون معفياً من الضرائب، وسيوسع قاعدة كبيرة بالفعل من الأصول العقارية المدرة للدخل.
ولم يفقد كيوساكي الأمل وكأنه أراد أن يوضح أنه لم يخطئ في توقعاته، فقط عليك أن تستغل الفرصة المناسبة عند التداول والاستثمار، وقال: "ما زلت متفائلاً جداً بشأن بيتكوين، وسأبدأ في اكتساب المزيد بفضل تدفقي النقدي الإيجابي".
PRACTICING WHAT I TEACH:
— Robert Kiyosaki (@theRealKiyosaki) November 21, 2025
I sold $2.25 million in Bitcoin for approximately $90,000.
I purchased the Bitcoin for $6,000
a coin years ago.
With the cash from Bitcoin I am purchasing two surgery centers and investing in a Bill Board business.
I estimate my $2.25 million…
لكن تطمينات كيوساكي الذي باع ثم ترك جرعة أمل يبدو أنها لم ترقَ إلى درجة الترياق المعالج، فالناس، مع الهبوط المستمر، يتولد لديها خوف من الخسارة أكثر، وهذا ما ترجمه "بينك" وهو ناشط بشكل قوي في مجال العملات الرقمية، إذ استاء من المستثمرين الذين أبدوا ارتياحاً بعد تخلصهم من عملاتهم، مشيراً إلى أن الأمر لم يكن على هذا النحو سابقاً. وقال في منشور له على منصة إكس: "قام المراهنون بتصفية استثماراتهم مرة أخرى"، وربط كل هذه الحركات بعلم النفس، وأضاف: "أعتقد أن الجميع تقريباً نسوا ما هو مهم، وطاردوا أشياء غير مهمة، ونحن بصدد اكتشاف أنها لا أهمية لها". وفعلاً، فمؤشر الخوف يعتمد في نقاطه على علم النفس وتحليل سيكولوجية الأفراد.
التشاؤم يتواصل
وفي السياق نفسه، كتب إيردروبينتيل لاب في المنصة نفسها: "تريدون الحقيقة؟ نحن ذاهبون إلى 24 ألفاً، بعد عام من الآن، انتهت دورة 2024، سنذهب إلى سوق هبوطية، ستمنحك بيتكوين الفرصة الأخيرة للخروج من السوق...".
هذه الجمل القصيرة كشفت جانباً خفياً من موجة الهبوط، فكثيرون لم يخسروا فقط أموالهم، بل ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على اتخاذ قرارات مالية، وهذا ما يفسّر صمت حسابات كثيرة بعد أن كانت تملأ الخط الزمني بنصائح وثقة مفرطة. ومنها من باع لكنه لا يزال يدافع عن أفكاره!
اعترافات أمام الكاميرا
في فيديو قصير على منصة إنستغرام، يروي شاب تجربته قائلاً: "خسرت كل شيء في الكريبتو…تقريباً 15 ألف دولار من مدّخرات حياتي، كنت أظن أنني سأختصر سنوات من الادخار"، وخلال المشهد، يعرض لقطة لحسابه قبل الانهيار وبعده، ثم يشرح كيف كان يضاعف رهانه في كل مرة يرتفع فيها السعر، إلى أن جاءت موجة الهبوط الأخيرة فأغلقت المنصة كل مراكزه قسراً.
في فيديو آخر، يلجأ صانع محتوى إلى النكتة السوداء، فيقول أمام الكاميرا: "هذه التصفية كانت سيئة لدرجة أنني مضطر للتبرع بكلية لأدفع الإيجار…لقد خسرت كل شيء، حتى حفل الزفاف أُلغي".
مؤشرات الخوف
من جهتها، نشرت منصة "بينانس سكوير" (منصة محتوى مجتمعي تابعة لبورصة بينانس لتداول العملات الرقمية) تحليلاً يربط بين هبوط بيتكوين تحت 98 ألفاً ووصول مؤشر الخوف والجشع إلى 15/100، وهو أدنى مستوى منذ سبعة أشهر، وعلقت بأن "ذعر المستثمرين الأفراد بلغ ذروته، بينما يراقب المتعاملون المحترفون الفرصة بهدوء أكبر". وبين هذين الخطين، يخرج محللون أكثر توازناً ليذكروا بأن المؤشرات النفسية تمكن قراءتها بطريقتين، إما من زاوية المخاطر "الخوف الشديد"، وهذا يعني أن السوق لم تستوعب بعد كل الأخبار السيئة. أو من زاوية الفرص، فتاريخياً الكثير من موجات الصعود القوية بدأت من مناطق كان فيها المؤشر تحت 20، عندما كان معظم الناس يكتبون بالضبط الجملة نفسها: "خسرت كل شيء".
عمق الصدمة
لكن الحديث والتحليل يبدوان سهلين أمام استيعاب الصدمة، فالمدخر الصغير، الخسارة بالنسبة له تعني الخروج تماماً من المسار، فالهلع النفسي لا يمكن علاجه لدى هؤلاء، وفي هذا الصدد، نقل موقع "ذي إيكونوميك" أن كسر مستوى 100 ألف دولار في 14 نوفمبر أثار "هلعاً نفسياً"، لأنه يُنظر إليه بوصفه حاجزاً رمزياً، وبمجرد هبوط السعر تحته إلى أقل من 97 ألف دولار خلال أربع وعشرين ساعة، تشتد موجة البيع القسري وتتوسّع إلى عملات أخرى. "وهذا ما حوّل عام 2025 إلى سنة صفرية لبيتكوين، فكل المكاسب التي راكمتها منذ بداية السنة اختفت، ومعها تبخّر أكثر من تريليون دولار من القيمة السوقية للعملات المشفّرة". وهذا ما وثقته منصة "ذا ديفاينت" المتخصصة في أسواق التمويل اللامركزي والعملات الرقمية، إذ أشارت إلى أن القيمة الإجمالية لسوق "الكريبتو" هبطت إلى ما دون 3.3 تريليونات دولار، وهو أدنى مستوى منذ يونيو/حزيران، مع انتقال المزاج العام من "الطمع" إلى "الخوف الشديد" خلال أسابيع قليلة.
This is the last time you'll ever be able to buy bitcoin below $90k!
— Cameron Winklevoss (@cameron) November 18, 2025
خبراء يطفئون الحريق وآخرون يصبّون الزيت
في خضمّ هذا الضجيج، يخرج الاقتصادي الأميركي المعروف والمتداول في سوق العملات الأجنبية والسلع ستيف هانكي ليذكر متابعيه بأن بيتكوين في رأيه ليست سوى فقاعة مضاربة، وكتب على منصة إكس: "بيتكوين أصل مضاربي للغاية، وقيمتها الأساسية معدومة، وبرأيي، المراهنون على بولي ماركت متفائلون للغاية". الرسالة واضحة، وبحسبه هناك المزيد من الهبوط قادم، وبيتكوين أصل "عديم القيمة الأساسية".
لكن على الجانب المقابل، يحاول المؤسس الشريك في "Gemini" ورجل الأعمال المتداول في العملات المشفرة، كاميرون وينكليفوس أن يبيع الأمل، ويكتب: "هذه هي المرة الأخيرة التي ستتمكن فيها من شراء بيتكوين بأقل من 90 ألف دولار" في إشارة إلى أن الأمر مجرد صدمة ستتعافى منها بيتكوين سريعاً، لكن وينكليفوس أحد أكبر المستثمرين في بيتكوين، وبالتالي قد تكون تطميناته مجرد ذبذبات لرفع شيئا من السوق ثم البيع في أول فرصة تجنباً للخسارة.
Bitcoin: $110K → $83K. I called it in October while everyone expected ATHs
— Ashish (@a_gangrade) November 21, 2025
More downside is likely. Expect $70Ks or lower, before Q1-Q2 2026 recovery
For context: I'd predicted drop to $80Ks, while others were bullish. The data showed weakness (👉https://t.co/jlUdGBptDl )… https://t.co/hkcNAkRchV
من جهته، حاول سكوت ميلكر الملقب بـ"ذئب الأسواق" التهدئة بالعودة إلى التاريخ القريب، فيذكر متابعيه بأن هبوط عام 2021 من 65 ألفاً إلى أقل من 30 ألف دولار اعتُبر يومها "نهاية بيتكوين"، لكنه كان في الواقع محطة في مسار صعود جديد، وكتب في منشور له على منصة إكس: "أنا كبير السن بما يكفي لأتذكر عندما انخفض سعر بيتكوين من 65 ألف دولار إلى أقل من 30 ألف دولار في 30 يوماً عام 2021، ولا يزال يُذكر واحداً من أكثر الأعوام صعوداً في تاريخ العملات المشفرة ثم عاد إلى 69 ألف دولار".
وفي منشور مطوّل له على حساباته في منصات التواصل الاجتماعي، شرح المحلل آشيش غانغراده كيف أن بيتكوين قد لا تستعيد قممها سريعاً، مرجحاً سيناريو يتضمن مزيداً من التذبذب والهبوط نحو السبعينيات قبل أن تبدأ دورة تعاف حقيقية ربما عام 2026. وضرب مثلاً بما حدث في عام 2019 عندما انخفضت بيتكوين بنسبة 50% بسبب دفعة سيولة من "الاحتياط الفيدرالي" ثم بدأ في الارتفاع.
بين الخوف والفرصة من يبقى في السوق؟
متعاملون عاديون يكتبون "خسرت كل شيء" ويخرجون من السوق أو يختفون من المشهد تماماً، وآخرون يحاولون تحويل الخسارة إلى درس أو إلى نكتة سوداء تضحك المتابعين وتخفّف عنهم. وخبراء يتأرجحون بين من يرى أن بيتكوين "أصل بلا قيمة" وأن الأسوأ لم يأت بعد، ومن يراها "فرصة نادرة" لا تتكرر. وبين هؤلاء جميعاً، تبقى الحقيقة أن الهبوط من 120 ألفاً إلى 80 ألفاً ليس خطاً مائلاً على الشاشة فقط، بل حياة كاملة خلف كل حساب، دين جديد، مشروع مؤجّل، خطبة توقفت أو خطة ادخار تبدأ من الصفر، أو اعتراف محرج أمام العائلة بأن "تجربة الاستثمار العبقرية" التي كان صاحبها يفاخر بها، انتهت في فيديو قصير على إنستغرام يشارك فيه تجربته على أمل أن يتعلم الآخرون من خطئه.
لكن في النهاية، قد يتغيّر السعر صعوداً أو هبوطاً، وتبقى قصص المتعاملين أنفسهم، من كتب "خسرت كل شيء" وغادر ومن اعترف بخسارته وبقي ليتعلم ومن يصر رغم كل العواصف على أن الهبوط الحالي ليس إلا فصلاً جديداً في سوق صاعدة طويلة.