منظمة التعاون الاقتصادي: ضغوط الرسوم الجمركية لم تبلغ ذروتها بعد

23 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:39 (توقيت القدس)
مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في العاصمة الفرنسية باريس (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الاقتصادات العالمية تحديات كبيرة بسبب السياسات التجارية للولايات المتحدة، حيث فرضت رسوم جمركية مرتفعة أثرت على النمو الاقتصادي العالمي، رغم مرونة الاقتصاد مؤخرًا بفضل بعض العوامل المؤقتة.
- تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تباطؤ النمو العالمي، مع تأثير الرسوم الجمركية على الولايات المتحدة وارتفاع معدلات البطالة، مشيرة إلى ضرورة يقظة البنوك المركزية.
- تحتاج الاقتصادات الكبرى إلى تحقيق توازن بين حماية الأسواق الداخلية وانسيابية التجارة العالمية لتجنب ركود ممتد، حيث يمكن أن تصبح الرسوم الجمركية عائقًا طويل الأمد للنمو.

قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إنّ الاقتصاد العالمي لا يزال في طريقه لتلقي ضربة قوية من الإجراءات التجارية التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب

، عبر الرسوم الجمركية التي فرضها، على الرغم من إظهاره مرونة أكبر من المتوقع في الأشهر الأخيرة. ووفق ما نقلته وكالة بلومبيرغ الأميركية، اليوم الثلاثاء، رفعت المنظمة، التي تتخذ من باريس مقرّاً لها، توقعاتها لعام 2025 للنمو العالمي ومعظم الاقتصادات الفردية، مشيرة إلى تأثير التمويل المسبق تحسباً لارتفاع الرسوم الجمركية. كما شهدت الولايات المتحدة استثمارات قوية في مجال الذكاء الاصطناعي، في حين استفادت الصين من الدعم المالي.

ولم تُغيِّر المنظمة كثيراً من توقعاتها لعام 2026، حيث تتوقع أن ينخفض النمو العالمي إلى 2.9% من 3.2% هذا العام، وأن يتباطأ النمو في الولايات المتحدة إلى 1.5% من 1.8% وسط ارتفاع الرسوم الجمركية على الواردات وزيادة حالة عدم اليقين. وقال مسؤولون لـ"بلومبيرغ" إنّ التأثير الكامل لمعدل التعرفة الجمركية الفعلي الإجمالي الذي فرضه البيت الأبيض بنسبة 19.5%، وهو أعلى معدل منذ عام 1933، لم يظهر بعد.

وفي حين أنّ آثار تقدّم واردات السلع تتلاشى، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيكون لها أي تأثير على النشاط الحقيقي، أكدت المنظمة أنّ العواقب ظهرت بالفعل في بعض أسعار المستهلكين وخيارات الإنفاق. كما أشارت إلى تراجع أسواق العمل مع ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض فرص التوظيف، لافتة إلى أن استطلاعات الأعمال الأخيرة تُظهر علامات على التباطؤ.

وبحسب المنظمة، من المتوقع أن ينخفض التضخم في معظم الاقتصادات الكبرى مع تباطؤ النمو وضعف ضغوط التوظيف. لكنها شددت على أن البنوك المركزية يجب أن تظل "يقظة". أما بالنسبة لمجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، فتتوقع المنظمة تخفيفاً تدريجياً للسياسة النقدية خلال العام المقبل، مع تحسّن أسواق العمل، طالما أن الرسوم الجمركية لا تؤدي إلى تضخم أوسع نطاقاً. 

وبشكل عام، قالت المنظمة إن هناك "مخاطر كبيرة" على توقعاتها المؤقتة، بما في ذلك احتمال فرض المزيد من الرسوم الجمركية التجارية أو عودة ارتفاع الأسعار. وفي الختام، أعادت المنظمة التذكير بأن آثار زيادة الواردات آخذة في التلاشي، وأن التأثيرات المباشرة على النشاط الحقيقي لا تزال غير واضحة، لكن تداعياتها باتت ملموسة في أسعار المستهلكين، وخيارات الإنفاق، وأوضاع أسواق العمل.

منذ تولي ترامب ولايته الثانية، باتت السياسات التجارية للولايات المتحدة أكثر انغلاقاً، إذ شهد العالم أكبر موجة من الرسوم الجمركية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ورغم أنّ الاقتصاد العالمي أثبت قدرة على الصمود بفضل التمويل المسبق للاستيراد، وانتعاش بعض القطاعات مثل الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، والدعم المالي الحكومي في الصين، فإنّ الواقع يشير إلى أنّ هذه العوامل تبقى مؤقتة، ولا تكفي لتحييد الأثر الكامل للتعرفات.

Image
الدول العربية الأكثر تضرراً من رسوم ترامب الجمركية

تاريخياً، غالباً ما كانت الصدمات الجمركية تترك آثارها على مرحلتين؛ الأولى قصيرة الأمد، حيث يجري امتصاص الصدمة عبر تخزين السلع أو تنويع الأسواق، والثانية متوسطة الأمد، حين تبدأ التداعيات بالظهور في معدلات البطالة والاستثمار والإنتاجية. ومع وصول معدل التعرفة الفعلي في الولايات المتحدة إلى 19.5%، يصبح الاقتصاد العالمي أمام اختبار شبيه بمرحلة "الكساد الكبير"، حيث يؤدي تراكم الحواجز التجارية إلى تعطيل سلاسل التوريد وإضعاف الثقة بالأسواق.

المؤشرات الحالية التي ترصدها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تكشف أنّ الاقتصاد العالمي لم يدخل بعد في عمق الأزمة، بل يمر في مرحلة "تأجيل الضرر". لكن التباطؤ المتدرج في النمو، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع ثقة الأعمال تشير جميعها إلى أن الرسوم قد تتحول إلى عامل كبح طويل الأمد، لا مجرد صدمة عابرة.

التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة يكمن في قدرة الاقتصادات الكبرى على إدارة التوازن بين حماية أسواقها الداخلية من المنافسة غير العادلة، والحفاظ على انسيابية التجارة العالمية التي تبقى المحرك الأساسي للنمو. وإذا لم تُعالج هذه المعضلة عبر حلول جماعية وتفاهمات دولية، فقد يجد العالم نفسه أمام دورة جديدة من الركود الممتد، شبيهة بما عرفه في ثلاثينيات القرن الماضي، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

المساهمون