استمع إلى الملخص
- ناقش المنتدى التنافس الاستثماري في أفريقيا ودور الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو العالمي، مع دعوة دول الخليج للعب دور محوري في البنية التحتية الرقمية.
- تناولت الجلسات الحوكمة العالمية والتعاون الدولي، مع التركيز على إصلاح النظام متعدد الأطراف وتعزيز حقوق الإنسان، وأكدت قطر التزامها بدعم التنمية المستدامة.
كرّس منتدى الدوحة في نسخته الثالثة والعشرين موقع قطر منصةً دوليةً لبلورة نقاشات عميقة حول مستقبل الاقتصاد العالمي، من خلال جلسات رفيعة المستوى تناولت التجارة والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتنمية المستدامة في سياقات جيوسياسية متقلبة، وجاءت الرؤى المطروحة من مسؤولين وخبراء دوليين لتؤكد تقاطع الأجندة الوطنية القطرية مع مسارات الاقتصاد الرقمي وتحولات العولمة الجديدة.
وشدد وزير الدولة القطري لشؤون التجارة الخارجية أحمد بن محمد السيد، في جلسة "الهزات وشبكات الأمان: إعادة التفكير في التجارة في عصر الاضطراب"، على أن التجارة الرقمية أصبحت ركيزة أساسية في استراتيجية قطر المستقبلية، مع توقعه أن يؤدي النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي إلى رفع الطلب العالمي على الطاقة لتشغيل مراكز البيانات، ما يعزز موقع قطر مصدراً رئيسياً للغاز الطبيعي. كما أكد أن الدوحة تستثمر عائدات قطاع الطاقة لبناء رأس مال مستدام للأجيال المقبلة، عبر تنويع استثمارات جهاز قطر للاستثمار ضمن إطار رؤية قطر الوطنية 2030 والتحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.
وأوضح الوزير القطري أن بلاده تعمل على تقليل الاعتماد على الهيدروكربونات من خلال تطوير قطاعات الخدمات والتجارة الرقمية والسياحة والخدمات المالية، ما يضع قطر في موقع متقدم للاستفادة من التحولات في سلاسل التوريد العالمية. وفي الاتجاه نفسه، عرض وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك برنامج "Heat 30" الذي يستهدف ثمانية مجالات و30 منتجاً بحلول عام 2030 مدعوماً بنحو 30 مليار دولار من الحوافز الاستثمارية، مشيراً إلى سعي أنقرة لتوقيع اتفاقيات تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، معتبراً أن التضخم يظل التحدي الأكبر لاقتصاد بلاده، رغم هبوطه إلى قرابة 31% مع طموح للوصول إلى خانة الآحاد في السنوات المقبلة.
الذكاء الاصطناعي ومحركات النمو الجديد
وأكدت الأمينة العامة لأونكتاد ريبيكا غرينسبان أن التجارة العالمية أظهرت مرونة غير متوقعة مع توقعات نمو بين 2.5% و3% هذا العام، مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية، هي تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ونمو التجارة بين دول الجنوب العالمي بنحو 8%، وازدهار قطاع الخدمات. لكنها حذرت من أن حصة أفريقيا من الاستثمار الأجنبي المباشر لا تتجاوز 2% من الإجمالي العالمي، وأن الدول الأقل نمواً تواجه متوسط تعرفة يصل إلى 27%، ما يضعف قدرتها على الاندماج في الاقتصاد العالمي ويدفع إلى المطالبة بنظام تجاري أكثر شمولية وعدالة.
من جانبه، رأى رئيس الشؤون العالمية في غولدمان ساكس جاريد كوهين أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل "رياحاً خلفية" تدفع بالنمو العالمي، معتبراً أن الاستثمار في هذا المجال يجري بوتيرة متزامنة عالمياً منذ انطلاق موجته في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022. وأشار إلى أن تشابك سلاسل التوريد المرتبطة بمراكز البيانات يفتح المجال أمام دول الخليج، مثل قطر والإمارات والسعودية، للعب دور محوري في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الطاقة والربط والكابلات والبيئات التنظيمية الجاذبة للاستثمار التكنولوجي.
أميركا والصين في أفريقيا
اقتصادياً، حمل المنتدى نقاشاً لافتاً حول التنافس الاستثماري في أفريقيا خلال جلسة شارك فيها دونالد ترامب الابن، الشريك في شركة "1789 كابيتال" ونائب الرئيس التنفيذي للتطوير والاستحواذ في مؤسسة ترامب، إلى جانب المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة أوميد مالك، واقترح ترامب الابن أن تستفيد الشركات الأميركية من تعثر وانهيار عدد من المشاريع الصينية في أفريقيا عبر دخول سريع إلى تلك الأسواق في بيئة تنافسية عادلة وخالية من الهيمنة غير المستدامة، معتبراً أن فشل بعض المبادرات الصينية يخلق فراغاً اقتصادياً يمكن ملؤه باستثمارات أميركية تركز على الجودة والاستدامة طويلة الأمد، وتعزز الشراكات مع الحكومات الأفريقية.
وأوضح ترامب الابن وأوميد مالك أن شركة "1789 كابيتال" تأسست على أساس تعزيز القيم الأميركية والاستثمار في الشركات التي تدعم أمن وازدهار الولايات المتحدة، محذرين مما وصفاه بتحالف غير مقدس بين الشركات الكبرى والحكومة الفيدرالية الذي "يهدد الحريات الدستورية"، خصوصاً ما يتعلق بحرية التعبير. وأكد أوميد أن الهدف الاستراتيجي للشركة يتمثل في "إعادة تصنيع الولايات المتحدة" مع تركيز خاص على الاقتصاد الجديد، بما في ذلك صناعات الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن الاستعانة المفرطة بمصادر خارجية تهدد الأمن القومي والسيادة الاقتصادية الأميركية.
وعلى هامش المنتدى، نظمت وزارة الخارجية القطرية جلسة رفيعة المستوى بعنوان "استعادة الكرامة في الأزمات: نماذج مبتكرة للتعاون الإنساني - المالي"، وركزت على الربط بين العمل الإنساني والأدوات المالية المبتكرة. وأكدت خلاله وزيرة الدولة للتعاون الدولي في قطر مريم بنت علي المسند أن التحديات الإنسانية المتفاقمة تستدعي رؤى جديدة تتجاوز نماذج الاستجابة التقليدية، مع التركيز على تعزيز كرامة الإنسان وقدرته على الاعتماد على نفسه حتى في أقسى الظروف، مشددة على أن التمكين المالي يعد ركيزة أساسية في مسار التعافي وإعادة بناء المجتمعات المتضررة.
ولفتت المسند إلى إيمان قطر بأن تعزيز الشراكات متعددة القطاعات بين الحكومات والأمم المتحدة والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا والاتصالات هو السبيل لتطوير حلول مبتكرة تعالج فجوات الشمول المالي في البيئات الهشة والمتأثرة بالأزمات.
الحوكمة العالمية
وفي محور موازٍ، ناقشت جلسة رفيعة المستوى موضوع الحوكمة العالمية والتعددية وحوكمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة، تحت عنوان "العدالة في العمل: استراتيجيات الحكومة العالمية والإقليمية"، وأكدت رئيسة الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة والمديرة التنفيذية لمبادرة أصوات القائدات العالميات (GWL Voices) ماريا فرناندا إسبينوزا أن التحديات الأساسية أمام التعاون العالمي الفعال تتمثل في ثلاثة محاور رئيسية: إدارة الترابط المتزايد بين الدول، وتوفير وضمان السلع العامة العالمية مثل السلام والبيئة الآمنة، ومواءمة المصالح الذاتية والمصالح الوطنية مع الصالح العام.
وأشارت إلى أن عصر الاعتماد المتبادل يتطلب إعادة التفكير في مفهوم السيادة الوطنية وتبني فكرة السيادة المشتركة والمسؤولية الجماعية، مع تعزيز دور الأمم المتحدة منصةً عالميةً للتقارب وصنع القرار الدولي.
أما رئيس مجلس إدارة معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام ستيفان لوفين، فشدد على أهمية إصلاح النظام متعدد الأطراف وحماية حقوق الإنسان عالمياً، وأوضح أن تقرير المعهد لعام 2023 قدم ست توصيات رئيسية لتعزيز الحوكمة العالمية، شملت إصلاح النظام متعدد الأطراف لضمان الشمولية، ومعالجة الأزمات الكوكبية الثلاثية، وإعادة هيكلة النظام المالي العالمي، وسد الفجوات الرقمية، وتعزيز السلام والوقاية، ووضع استراتيجيات استباقية للتعامل مع الأزمات المستقبلية، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات ضرورية لمواجهة التحديات العالمية المعقدة وتحقيق التنمية المستدامة.
ومن ناحيته، أشار مدير فريق تنفيذ ميثاق المستقبل في المكتب التنفيذي للأمين العام للأمم المتحدة ثيمبا كالوا إلى أن التزام الدول بتنفيذ ميثاق المستقبل يمثل خطوة أساسية نحو بناء عالم أكثر عدلاً واستدامة وسلاماً، قائماً على التضامن والمساواة بين الأجيال.
وأكد أن الميثاق يضع خريطة طريق للتعاون الدولي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة، ويحفز الدول على تطوير سياسات مستندة إلى بيانات ملائمة للواقع المحلي والإقليمي.
واعتبرت الرئيسة المشاركة للصندوق العالمي للاقتصاد الجديد (GFNE) أدريانا عبد النور أن العالم يعيش مرحلة غير مسبوقة من اتساع فجوة عدم المساواة، مشددة على أن معالجة الفجوات الاقتصادية والاجتماعية تمثل ضرورة لتحقيق العدالة والاستقرار، ودعم ذلك بمبادرة إنشاء هيئة دولية لمتابعة السياسات المتعلقة بعدم المساواة وتقديم الأدلة لصانعي القرار، بما يضمن توزيع المنافع الاقتصادية والاجتماعية بشكل عادل يعزز النمو العالمي.
واختتمت الجلسة بتأكيد مدير إدارة المؤشرات الدولية والتعاون الدولي بالمجلس الوطني للتخطيط في قطر أحمد خالد السميطي التزام بلاده بدعم الحوكمة العالمية والمبادرات الدولية الرامية إلى تعزيز العدالة والتنمية المستدامة. وأشار إلى أن التعاون بين الحكومات والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني يشكل أساساً لبناء مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً للأجيال المقبلة، وهو ما ينسجم مع توجهات قطر في توظيف أدوات الاقتصاد والتمويل والتكنولوجيا لخدمة الاستقرار والنمو على المستويين الإقليمي والعالمي.
ويشارك في المنتدى في نسخته الثالثة والعشرين، التي تحمل شعار "ترسيخ العدالة: من الوعود إلى واقع ملموس"، أكثر من ستة آلاف شخص و471 متحدثاً من نحو 160 دولة.