منافسة الغاز بين المغرب والجزائر: من يفوز برهان تزويد أوروبا بالطاقة النظيفة؟
استمع إلى الملخص
- تراهن الجزائر على مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يواجه تحديات أمنية ويمتد عبر مناطق غير مستقرة، لكنه يحظى بدعم مؤسسات أفريقية مثل البنك الأفريقي للتنمية.
- تبنت نيجيريا مقاربة براغماتية بتوقيعها على المشروعين، فيما أبدى البنك الأوروبي للاستثمار والمفوضية الأوروبية اهتمامهما بمشروع المغرب - نيجيريا لأهميته الاستراتيجية لأمن أوروبا الطاقي.
تقاطعت رهانات الطاقة بين المغرب والجزائر في مشروعين استراتيجيين متنافسين للغاز الطبيعي يربطان نيجيريا بأوروبا عبر مسارين مختلفين. ففي وقت يبحث فيه الاتحاد الأوروبي عن بدائل آمنة وموثوقة للغاز الروسي، يبرز أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي وأنبوب الجزائر العابر للصحراء خيارين أفريقيين قد يعيدان رسم خريطة إمدادات الطاقة في حوض البحر المتوسط خلال العقود المقبلة. المغرب يراهن على أن يكون حاضرا في واحد من مشاريع مد الغاز الطبيعي لأوروبا الكبرى، حيث أكدت أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب المغربي للهيدروكربورات والمعادن، أن مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي الذي سيربط نيجيريا بالمغرب ثم بالأسواق الأوروبية قطع أشواطا متقدمة في الدراسات الهندسية ودراسات الأثر البيئي، مشددة على أن جميع شروط نجاحه باتت متوفرة.
وقالت بنخضرة، خلال مشاركتها في الدورة العاشرة للقاءات الجيوسياسية بمدينة تروفيل الفرنسية يوم 20 سبتمبر/أيلول 2025، إن المرحلة المقبلة ستتمثل في توقيع القرار الاستثماري النهائي وإنشاء شركة خاصة لتتبع مراحل الإنجاز وتسريع التنفيذ، مؤكدة أن المشروع سيؤمّن الغاز لـ13 دولة أفريقية تضم نحو 400 مليون نسمة، وسيساهم في تنمية قطاعات مثل الصناعة والتعدين. ونوهت بنخضرة بموقع بلادها الجيوستراتيجي، وشبكاته المترابطة الحالية، ما يسمح له بأن يكون ممرا طاقويا وجسرا متقدما بين أفريقيا وأوروبا.
الأطلسي أكثر أماناً
ويُعد أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي، الذي يبلغ طوله نحو 5660 كيلومترا وبتكلفة تقديرية تفوق 25 مليار دولار، أكبر مشروع طاقوي أفريقي من نوعه، ويمر عبر السواحل الغربية لأفريقيا وصولا إلى المغرب، حيث يمكن ربطه بالشبكات الأوروبية عبر إسبانيا. ويُنظر إلى هذا الأنبوب، رغم تكلفته العالية، باعتباره أكثر أمانا من الناحية الجيوسياسية، وهو ما أشارت إليه صحيفة "لوموند" الفرنسية في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2024، معتبرة أن بروكسل ترى في المسار الأطلسي خيارا أكثر موثوقية مقارنة بالمسار العابر للصحراء.
رهان الجزائر الاقتصادي
في المقابل، تراهن الجزائر على مشروع قديم هو أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي قدرت تكلفته بنحو 13 مليار دولار، وأعيد إحياؤه في يوليو/تموز 2022 عبر مذكرة تفاهم ثلاثية بين الجزائر ونيجيريا والنيجر، ويمتد هذا الخط على طول 4128 كيلومترا (1030 كلم في نيجيريا، 788 كلم في النيجر، و2310 كلم في الجزائر) وتعوّل على قدراتها اللوجيستية الكبيرة وخبرتها في نقل الغاز عبر البحر الأبيض المتوسط، فضلا عن البنى التحتية، ما قد يسهل مرور صادرات الغاز النيجيري نحو أوروبا عبر أنابيب إسبانيا وإيطاليا، وهو ما يجعله أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، لولا التحديات الأمنية التي يواجهها لمروره عبر منطقة الساحل والنيجر، حيث الانقلابات وعدم الاستقرار الأمني. وقد أشار موقع متخصص في الطاقة عام 2023 إلى أن هذه الظروف تجعل مستقبل المشروع غير مؤكد بعد الانقلاب في النيجر.
إلى جانب ذلك، حظي خط الجزائر- نيجيريا بدعم مؤسسات أفريقية وازنة. ففي قمة الاتحاد الأفريقي حول برنامج البنى التحتية في أفريقيا عام 2021، جرى تصنيفه ضمن المشاريع القارية ذات الأولوية لربط غرب أفريقيا بالشبكات الجزائرية ومنها إلى أوروبا، مع تأكيد دوره في تعزيز التكامل الطاقي داخل القارة. كما أعلن البنك الأفريقي للتنمية في يونيو/حزيران 2022 دعمه المشروع، واصفاً إياه بالاستراتيجي لتأمين احتياجات الطاقة وربطها بالأسواق الأوروبية، وأكد رئيس البنك أكينوومي أديسينا استعداد المؤسسة للمساهمة في تمويل الدراسات والتنفيذ.
دعم أوروبي للرباط
وفي السياق، ذكرت تقارير إعلامية أن البنك الأوروبي للاستثمار أبدى استعداده لدعم الدراسات الخاصة بالخط الأطلسي، إذا بلغ مراحل متقدمة. كما عبرت المفوضية الأوروبية عن اهتمامها بمشروع أنبوب المغرب - نيجيريا، إذ قالت مفوضة الطاقة، كادري سيمسون، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 إن الاتحاد الأوروبي "يتابع من قرب" هذا المشروع ويراه ذا قيمة استراتيجية لأمن أوروبا الطاقي.
براغماتيتة نيجيريا
أما نيجيريا، صاحبة أكبر احتياطيات الغاز في أفريقيا، فقد تبنت مقاربة براغماتية، إذ اختارت التوقيع على المشروعين في آن واحد. وهذه الاتفاقيات، كما تؤكد تقارير اقتصادية، غير ملزمة قانونيا، وهو ما يتيح لأبوجا الاستفادة من التنافس لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية في انتظار حسم قرار الاستثمار النهائي. ويبقى الرهان في النهاية مرتبطًا بقدرة أفريقيا على التحول إلى مزود أساسي لأوروبا في مرحلة دقيقة من التحولات الطاقية العالمية. فالقارة العجوز التي تبحث عن بدائل مستدامة للغاز الروسي تراقب بحذر المسارين، مدركة أن أي خيار سيحمل معه كلفة مالية ومخاطر سياسية.