ملاحقة "أسطول الظل" الروسي.. ما وراء تهديد بوتين أوروبا بـ"حرب سفن"
هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإشعال "حرب سفن" والردّ بالمثل على أي دولة أوروبية تصادر سفناً تجارية روسية، مع تصاعد الإجراءات الأوروبية ضد ما يُعرف بـ"أسطول الظل" المستخدم في نقل النفط الروسي، وسط ضغوط متزايدة ترتبط بتكاليف الشحن والتأمين وعائدات صادرات الطاقة وإيرادات الموازنة الروسية. وقال بوتين، اليوم الأربعاء، إنّ موسكو ستردّ إذا أقدمت دول أوروبية على مصادرة سفنها التجارية، واصفاً مثل هذه الخطوة بأنها "قرصنة ونهب". وأضاف أن أي إجراء روسي لن يقتصر على المياه التي تحدث فيها عمليات المصادرة، بل "سيتخذ أينما تراه موسكو ضرورياً ومناسباً"، بحسب ما أوردته وكالة تاس الروسية.
ويصعّد الاتحاد الأوروبي الضغط على السفن التي يقول إنها تساعد روسيا في الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على صادرات الطاقة، عبر توسيع قوائم العقوبات وحظر دخول السفن المدرجة إلى الموانئ ومنع تقديم خدمات مرتبطة بالنقل البحري لها، بالتزامن مع احتجاز بعض السفن وأفراد طواقمها لإجراء عمليات تفتيش. ورفع الاتحاد الأوروبي عدد السفن المستهدفة مجدداً في 23 يوليو/ تموز، عندما أضاف 41 سفينة من "أسطول الظل" إلى قائمة حظر دخول الموانئ والحصول على الخدمات البحرية، ضمن الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات، وفق ما أوردته وكالة رويترز. وشملت الحزمة أيضاً إمكانية حظر التعامل مع مصاف مدرجة في روسيا ودول أخرى، وإجراءات تتعلق ببيع ناقلات الغاز الطبيعي المسال، فضلاً عن قيود على مؤسسات مالية ومنصات للعملات المشفرة، بحسب مجلس الاتحاد الأوروبي.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وسبقت ذلك إضافة 46 سفينة أخرى في 23 إبريل/ نيسان ضمن الحزمة العشرين من العقوبات، إلى جانب فرض إجراءات عناية واجبة عند بيع ناقلات النفط، وحظر خدمات الصيانة وغيرها من الخدمات لناقلات الغاز الطبيعي المسال وكاسحات الجليد الروسية، ومنع تقديم خدمات محطات الغاز الطبيعي المسال إلى كيانات روسية، وفقاً للمجلس الاتحاد الأوروبي. ويرتبط استهداف السفن بعائدات قطاع الطاقة الروسي، إذ تمثل إيرادات النفط والغاز نحو ربع إيرادات الموازنة الاتحادية. وتعرّضت المالية العامة الروسية لضغوط إضافية خلال السنوات الماضية مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي، فيما أصبحت أسعار النفط وحجم الصادرات وتكاليف إيصال الشحنات إلى المشترين عوامل رئيسية في حصيلة الإيرادات الحكومية.
العقوبات ترفع كلفة النفط الروسي
وواصل النفط الروسي الوصول إلى الأسواق الخارجية رغم العقوبات، مستفيداً من شبكة من الناقلات وشركات الإدارة والخدمات البحرية التي تعمل خارج جانب من المنظومة الغربية. وأظهرت بيانات معهد الأبحاث التابع لكلية كييف للاقتصاد، التي نشرها في الأول من يوليو/ تموز الماضي، أنّ الصادرات البحرية الروسية من الخام والمنتجات النفطية بلغت 5.77 ملايين برميل يومياً في مايو/ أيار 2026، بانخفاض 2.5% عن إبريل، لكنها ارتفعت 1.5% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. وبلغت صادرات الخام وحده 3.88 ملايين برميل يومياً خلال مايو، بينما انخفضت صادرات المنتجات النفطية إلى 1.89 مليون برميل يومياً بعد تعليق عمليات التحميل من توابسي. وقدّر المعهد إيرادات صادرات النفط الروسية في إبريل بنحو 20.8 مليار دولار، بانخفاض 700 مليون دولار عن الشهر السابق، لكنها زادت 8.2 مليارات دولار مقارنة بإبريل 2025.
واستخدمت روسيا 185 ناقلة مصنفة ضمن "أسطول الظل" لنقل الخام والمنتجات النفطية أو المشاركة في عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى خلال مايو، وكان 92% منها يزيد عمره على 15 عاماً، وفقاً لمعهد كلية كييف للاقتصاد. وبلغ عدد ناقلات النفط التي فرضت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا ونيوزيلندا عقوبات مجتمعة 653 ناقلة حتى 17 يونيو/ حزيران. ولم تستطع موسكو الاستغناء بالكامل عن الخدمات البحرية الغربية، إذ ارتفعت حصة تلك الخدمات في صادرات النفط الروسية إلى 42% خلال مايو. وحملت ناقلات مؤمنة من أندية الحماية والتعويض الدولية 27% من صادرات الخام و73% من صادرات المنتجات النفطية، بعدما رفعت الهجمات الأوكرانية على المصافي كميات الخام المتاحة للتصدير ولم يكن عدد سفن "أسطول الظل" كافياً لنقل الزيادة، بحسب المعهد.
واستمرت الهند والصين وتركيا في صدارة مشتري النفط الروسي خلال مايو. ورفعت الهند وارداتها من الخام الروسي 23% إلى 1.9 مليون برميل يومياً، بينما خفضت الصين مشترياتها 10% إلى 1.2 مليون برميل يومياً، وتراجعت واردات تركيا إلى 130 ألف برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ بدء الحرب في أوكرانيا، وفقاً للمعهد. وتؤثر تكلفة النقل مباشرة في الإيراد الذي يحصل عليه المصدر الروسي عند ميناء التحميل، خصوصاً بعد تحول جانب كبير من تجارة النفط من الأسواق الأوروبية القريبة إلى المشترين الآسيويين. وتحتاج الشحنات المتجهة إلى الهند والصين إلى رحلات أطول واستخدام الناقلات لفترات أكبر مقارنة بالشحنات التي كانت تصل سابقاً إلى أوروبا.
وبدأت مجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي وأستراليا تطبيق سقف على أسعار الخام الروسي المنقول بحراً في ديسمبر/ كانون الأول 2022، وربطت حصول الشحنات على خدمات غربية، بينها النقل والتأمين والتمويل، بالالتزام بالسقف. واستهدفت الآلية خفض الإيرادات الروسية مع استمرار تدفق النفط إلى السوق العالمية لتجنب نقص الإمدادات. ووسع الاتحاد الأوروبي القيود لاحقا من سقف الأسعار إلى السفن والشركات والخدمات المرتبطة بالتجارة النفطية. وقرر في يوليو/ تموز الماضي تعليق آلية التعديل التلقائي لسقف الأسعار حتى 15 يوليو 2027، إلى جانب إضافة السفن الجديدة إلى قوائم العقوبات، وفقاً لمجلس الاتحاد الأوروبي.
روسيا تحوّل صادراتها نحو آسيا
وغيّرت روسيا بعض مسارات تصدير النفط إلى آسيا. وأظهرت بيانات نقلتها وكالة رويترز، أمس الثلاثاء، أنّ سبع شحنات تحمل إجمالاً نحو ستة ملايين برميل استخدمت طريق بحر الشمال عبر القطب الشمالي خلال موسم 2026 حتى 11 أغسطس/ آب، بما يعادل قرابة نصف إجمالي الكميات التي مرت عبر الطريق طوال موسم 2025. ويعمل طريق بحر الشمال بصورة رئيسية بين يوليو وأكتوبر، ويوفر مساراً أقصر للشحنات المتجهة إلى آسيا، وخصوصاً الصين. وقال تجار لـ"رويترز" إنّ ظروف الجليد الملائمة والمشكلات اللوجستية في مضيق هرمز والبحر الأسود دعمت استخدام الطريق خلال العام الجاري. وتستخدم روسيا في هذه الرحلات ناقلات ترفع أعلام روسيا وعُمان والكاميرون.
وسجل الغاز الطبيعي المسال الروسي أيضاً ارتفاعاً في تكاليف النقل مع تحويل الشحنات من أوروبا إلى آسيا. وأفادت "رويترز" في مايو بأنّ فقدان جزء من السوق الأوروبية أجبر المنتجين الروس على زيادة المسافات التي تقطعها الناقلات للوصول إلى المشترين الآسيويين، وهو ما ضاعف تكاليف بعض الشحنات وخفض الإيرادات الصافية التي يحصل عليها المصدرون. وتواجه إعادة توجيه شحنات الغاز قيودا إضافية تتعلق بالعقود وعدد الناقلات المتاحة. وأظهرت بيانات نشرتها "رويترز"، في مارس/ آذار، أن الرحلات الأطول إلى آسيا تحتاج إلى عدد أكبر من السفن للحفاظ على حجم الصادرات نفسه، بينما تحد بعض عقود البيع من قدرة المنتجين على تغيير وجهة الشحنات.
وتعرّضت عمليات التكرير الروسية بدورها لضغوط خلال 2026. وقالت وكالة الطاقة الدولية في تقرير سوق النفط لشهر يوليو إن تشغيل المصافي الروسية ظل مقيداً بسبب الهجمات، بالتزامن مع استمرار تعطل مصافي تصدير في الشرق الأوسط وانخفاض معدلات التشغيل في آسيا. وقدرت الوكالة انخفاض تشغيل المصافي عالمياً بنحو ستة ملايين برميل يومياً على أساس سنوي في يونيو. وامتد تأثير الهجمات على البنية النفطية في روسيا إلى صادرات دول أخرى تستخدم الموانئ الروسية.
وأوقفت أوكرانيا هجمات بطائرات مسيّرة على ناقلات تستخدم ميناء نوفوروسيسك بعد طلب أميركي، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز"، بعدما أثرت الضربات في صادرات الخام الكازاخستاني عبر خط أنابيب بحر قزوين وفي شركات غربية تعمل في كازاخستان. وخفضت الهجمات ما يصل إلى 20% من عمليات تحميل خط أنابيب بحر قزوين خلال يوليو/ تموز، فيما تراجع إنتاج كازاخستان النفطي 14%. وتنقل المحطة الموجودة قرب نوفوروسيسك الخام الكازاخستاني إلى الأسواق العالمية، وتشارك شركات غربية، بينها "شيفرون" و"إكسون موبيل" الأميركيتان، في مشروعات تعتمد على هذا المسار.