مكاسب النفط العماني ترتفع والموانئ تعزّز الصادرات

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
 ناقلات قبالة سواحل مسقط، عُمان، 18 يونيو 2026 (إلكي شولييرز/Getty)

شهد إنتاج سلطنة عُمان من النفط ارتفاعاً ملحوظاً بنهاية النصف الأول من العام 2026 بنسبة بلغت نحو 10.6% على أساس سنوي، بحسب بيانات رسمية، إذ بلغ إجمالي الإنتاج أكثر من 198 مليون برميل بمعدل يومي تجاوز 1.09 مليون برميل مقارنة بنحو 989 ألف برميل يومياً في الفترة المماثلة من العام السابق، ما سلط الضوء على المدى الذي أسهمت به تداعيات الحرب في هذه الزيادة وانعكاسها على اقتصاد السلطنة.

وتزامن هذا النمو الإنتاجي مع صعود أسعار الخام العُماني بنسبة 9.4% ليسجل متوسطاً قدره 80.9 دولاراً للبرميل، متأثراً باشتعال التوترات الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة وتصاعد المخاطر المحيطة بطرق الشحن التقليدية. وأسهم هذا المزيج من زيادة الكميات المنتجة وارتفاع الأسعار في خلق زخم مالي قوي عزز التدفقات النقدية للدولة وخفف من الضغوط المالية الاقتصادية، بحسب تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 10 أغسطس/ آب الحالي.

وأدت زيادة الإيرادات الهيدروكربونية إلى تحسين الموازنة العامة للدولة وتحقيق فائض في الحساب الجاري والمركزي، ما سمح للحكومة العمانية بمواصلة خطط تقليص الدين العام وتعزيز الأصول السيادية. وتشير البيانات الاقتصادية الرسمية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3% خلال الربع الأول من العام الحالي، إذ سجلت الأنشطة النفطية نمواً بنسبة 4.6%.

ويتوقع أن يمتد هذا الأثر الإيجابي لتسريع معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 3.7% بنهاية العام، ما يوفر غطاء مالياً مريحاً يتيح التوسع في الإنفاق الاستثماري الرأسمالي ودعم القطاعات الاقتصادية غير النفطية مثل اللوجستيات والمصنوعات التحويلية دون الإخلال بالاستقرار المالي، بحسب تقرير نشرته وكالة فيتش للتصنيف الائتماني.

وقال تقرير نشرته وكالة الطاقة الدولية (IEA)، إنّ المتابعة الدقيقة للقطاع النفطي في البلاد تظهر أن استدامة هذا النمو الإنتاجي تعود إلى استراتيجيات تطوير الحقول واستكمال مشاريع الاستخلاص المعزز للنفط التي تنفذها شركة تنمية طاقة عمان وشركاؤها، وقد أسهم استقرار العمليات التشغيلية في حقل البلوك 6 ومناطق الامتياز الأخرى في تعزيز الاحتياطيات المؤكدة ودعم طاقات التكرير المحلية، مثل مصفاة الدقم التي تعمل على رفع قدراتها الاستيعابية، وتساعد هذه المنظومة في تعظيم القيمة المضافة للنفط الخام وتحويل التدفقات المالية إلى استثمارات هادفة تنعكس إيجاباً على الدخل القومي والوظائف والاستقرار الاقتصادي العام.

بينما يؤكد تقرير نشرته منصة آرغوس البريطانية المتخصصة في التحليلات الاقتصادية وأسواق الطاقة، أن المسار الاقتصادي لسلطنة عُمان يؤشر إلى توفير تداعيات الحرب والنزاعات الإقليمية فرصة مالية نادرة لتعظيم الإيرادات الهيدروكربونية وتسريع تعافي المالية العامة، غير أن السلطنة تتحوط لربط استدامة النمو الاقتصادي بالصدمات الجيوسياسية الظرفية، وهو ما يدفع صناع القرار إلى توجيه المكاسب المالية الاستثنائية نحو خفض الدين العام وإعادة هيكلة القطاعات غير النفطية وتسريع استثمارات التحول المالي والتطوير البيئي، ويظل الحفاظ على الانضباط المالي والتوجه نحو الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر الضمانة الأساسية لاستمرار الزخم الاقتصادي وحماية السلطنة من الدورات التقليدية لأسواق النفط العالمية.

الموقع خارج هرمز

وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي العماني، خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ ارتفاع إنتاج وتصدير النفط العُماني يعود إلى ضمان وصوله من المصدر إلى المستوردين بموجب العقود المبرمة وزيادة بعض العقود لتغطية النقص الحاصل من باقي المنتجين والمصدرين، وذلك على خلفية الموقع الاستراتيجي لعمان خارج مضيق هرمز، إذ تقع الموانئ الأربعة الكبرى وهي قابوس والدقم وصحار وصلالة، ما يسهل الوصول إليها ويعوض أي نقص لدى الآخرين.

وتنعكس هذه الزيادة بشكل كبير على الموازنة العامة للسلطنة، إذ ارتفعت العوائد والفائض بنسبة تتراوح بين 20 و25 دولاراً للبرميل فوق السعر المعتمد البالغ 60 دولاراً في موازنة 2026، ويوضح الطوقي أن المتوسط منذ بداية العام لم ينخفض عن 70 دولاراً، بينما تجاوزت العقود الآجلة منذ مارس/ آذار الماضي مستوى 80 دولاراً، ما يعزز وضع الموازنة.

ولا تؤثر الانعكاسات السلبية لإغلاق مضيق هرمز على سلاسل الإمداد وبرامج الدعم الحكومية الاقتصادية والاجتماعية التي تستمر في نفس المسعى دون أن يشعر أحد بفارق كبير، بحسب الطوقي، مؤكداً أن الحكومة العمانية حافظت على برامجها الاعتيادية وزادت الدعم في بعض المجالات مثل ناقلات المواد الغذائية مع إعفاءات جمركية من بعض الدول.

وتعزز هذه الإجراءات تدفق السلع وتحافظ على استقرار أسعار المواد الغذائية وغيرها دون أن يشعر المواطن والمقيم في عُمان بأي تأثير سلبي، بحسب الطوقي، الذي يخلص إلى أن الموقع الجغرافي لعُمان والسياسات الحكومية الداعمة مثلاً أساس تجنيب السلطنة تداعيات الأزمة الإقليمية جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية.

غطاء مالي مميز

وفي السياق، يرى كولبي كونلي، الباحث والمحلل الرئيسي لشؤون الطاقة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن والمدير التنفيذي لمحتوى الشرق الأوسط في منصة إينرجي إنتليجنس، أن "سلطنة عُمان تمكّنت من ترسيخ موقع استراتيجي ومالي أكثر صلابة مقارنة بالعديد من جيرانها في الخليج، في وقت تواجه فيه المنطقة تداعيات النزاع الذي يهدد ممرات الشحن الرئيسية وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز"، حسب ما أورد تقرير نشره موقع معهد الشرق الأوسط، المتخصّصة في أبحاث الطاقة والدراسات الجيوسياسية، في 5 أغسطس الجاري.

ويضيف كونلي: "الارتفاع المتزامن في حجم الإنتاج المحلي اليومي وتصاعد أسعار الخام في الأسواق العالمية وفر للسلطنة غطاء مالي ممتاز، إذ أسهمت هذه العوائد الاستثنائية في تعزيز تدفقات السيولة النقدية وتمويل مشاريع التحول الاقتصادي وتحديث البنية التحتية للطاقة والتكرير، فضلاً عن دعم التوجه الحكومي نحو خفض الالتزامات المالية والدين العام دون التأثير سلباً على معدلات النمو في القطاعات غير النفطية".

ويخلص كونلي إلى أنّ الأداء المالي والتشغيلي المتميز في عُمان يعزّز القدرة التنافسية للسلطنة ويمنحها هامش أمان مرتفعاً لمواجهة أي تقلبات سعرية قد تشهدها أسواق الطاقة العالمية في المراحل القادمة.