مكاسب اتفاق مكة... 6 مسارات محتملة لتحالف المال والصناعة والنووي
- الفرص الاقتصادية والاستثمارية: يفتح الاتفاق مسارات اقتصادية تشمل توطين الصناعات الدفاعية، توسيع الاستثمارات، وتعزيز التعاون في التكنولوجيا، مما يدعم برامج توطين الإنفاق العسكري.
- أمن الطاقة والممرات التجارية: يعزز الاتفاق أمن الطاقة وحماية منشآت الطاقة، ويدعم مشاريع الربط الإقليمي، مما يقلل الاعتماد على المسارات البحرية ويعزز التجارة والاستثمارات المتبادلة.
جاء "اتفاق مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقع يوم الجمعة الماضي، ليجمع للمرة الأولى بين الثقل المالي السعودي، والقاعدة الصناعية والدفاعية التركية، والقدرات النووية والعسكرية الباكستانية، في إطار يفتح الباب أمام شراكات تمتد آثارها المحتملة إلى الصناعات الدفاعية والاستثمار وأمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. ويتيح تتبع دراسات استراتيجية وتقارير دولية متخصصة، في مقدمتها الدراسات الصادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) والمعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، إلى جانب تقارير لوكالات أنباء دولية، رصد ستة مسارات اقتصادية محتملة قد يفتحها الاتفاق، الذي تم توقيعه يوم الجمعة الماضي، في مكة، بحضور ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
وينص اتفاق مكة على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على جميع الأطراف، مع تعزيز التعاون الدفاعي في مختلف المجالات، بما يشمل تطوير الصناعات الدفاعية المشتركة، وتبادل الخبرات والتقنيات، والتنسيق في مجالات التدريب والتخطيط العسكري، وفق ما أعلنه الرئيس التركي. ويأتي الاتفاق في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم لخريطة التحالفات الإقليمية، بعد أشهر من التصعيد العسكري الذي طاول منشآت الطاقة، وأثر في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، وفرض على دول المنطقة إعادة تقييم أولوياتها الأمنية والاقتصادية، بما في ذلك حماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين إمدادات الطاقة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتنويع الشراكات الصناعية والاستثمارية.
وتشير دراسات اطلعت عليها "العربي الجديد" إلى أن الاتفاق قد يفتح ستة مسارات اقتصادية رئيسية تشمل توطين الصناعات الدفاعية، وتوسيع الاستثمارات المتبادلة، وتعزيز أمن الطاقة، وتطوير الممرات التجارية وسلاسل الإمداد، وزيادة التعاون في مجالات التكنولوجيا والتصنيع المتقدم، إضافة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين الاقتصادات الثلاثة، بما يدعم قدرتها على مواجهة المخاطر الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.
الصناعات الدفاعية... أكبر الرابحين من الاتفاق
تتصدر الصناعات الدفاعية قائمة القطاعات الاقتصادية المرشحة للاستفادة من "اتفاق مكة"، في ظل ما ينص عليه الاتفاق من تعزيز التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، بما يشمل دعم مشروعات الصناعات الدفاعية المشتركة. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في منشور عبر منصة إكس عقب توقيع "اتفاق مكة للدفاع المشترك" الجمعة، إن الاتفاق يقوم على مبدأ "الردع الجماعي"، وسيدعم مشروعات الصناعات الدفاعية المشتركة، ويعزز التعاون في القطاع الدفاعي. وفي بيان رسمي صدر عقب التوقيع، أكدت السعودية أن الاتفاق لا يمثل توجهاً لتشكيل محور عسكري أو تكتل ديني أو مذهبي، ولا يرتبط بمساع نووية أو سباق تسلح، وإنما يهدف إلى بناء قدرات مستدامة قائمة على الاعتماد على الذات، مع التأكيد أنه لا يأتي على حساب الشراكات الاستراتيجية للمملكة على المستويات الخليجية والعربية والدولية.
ونقلت وكالة أسوشييتد برس، أول أمس السبت، عن المحلل الدفاعي الباكستاني عبد الله خان، قوله إن الاتفاق يشكل نقلة من التعاون الدفاعي التقليدي إلى شراكة مؤسسية تستفيد من تكامل القدرات الاقتصادية والصناعية والعسكرية للدول الثلاث. ورأى أن القوة الاقتصادية السعودية، والصناعة الدفاعية والتكنولوجيا التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية تمثل عناصر متكاملة تهيئ لتطوير الإنتاج الدفاعي المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الاستثمارات الصناعية.
وفي دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في 6 مايو/أيار 2026، رأى الباحث حسن الحسن أن الحرب كشفت حجم الترابط بين الأمن والاقتصاد، بعدما أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطيل إمدادات الطاقة والأسمدة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الدول المستوردة، وفي مقدمتها تركيا وباكستان، بينما واجهت السعودية تهديدات طاولت منشآتها الحيوية. واعتبر أن هذه التطورات عززت الحاجة إلى أطر تعاون إقليمي أكثر قدرة على حماية المصالح المشتركة والحد من تداعيات الأزمات على الاقتصاد وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. وتفتح هذه المتغيرات المجال أمام توسيع التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث في قطاعات تتجاوز الصناعات الدفاعية، إذ يرجح أن ينعكس الاتفاق على زيادة الاستثمارات المشتركة، والتصنيع المتقدم، وأمن الطاقة، وتطوير سلاسل الإمداد، مستفيداً من الإطار المؤسسي الذي وفره لتنسيق المصالح الاقتصادية إلى جانب التعاون الدفاعي، وفق نتائج تحليل "العربي الجديد".
الاستثمارات ونقل التكنولوجيا
كما يعزز اتفاق مكة فرصاً تسمح بتوجيه جزء من رؤوس الأموال السعودية نحو تمويل مشروعات صناعية وتقنية في تركيا وباكستان، مقابل حصول الرياض على خبرات تكنولوجية وصناعية تدعم برامج توطين الإنفاق العسكري، وتطوير الصناعات الوطنية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. ويرى كبير محللي شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة "فيريسك مابلكروفت"، هاميش كينير، المتخصصة في أبحاث المخاطر والذكاء الجيوسياسي، أن الأثر الاقتصادي الأكثر ترجيحاً للاتفاق يتمثل في تعميق التعاون في تطوير الأسلحة والتكنولوجيا، وليس في نشر قوات عسكرية كبيرة. وأضاف أن رؤوس الأموال السعودية قد تؤدي دوراً محورياً في دعم توسع الصناعات الدفاعية في تركيا وباكستان، من خلال تمويل خطوط إنتاج جديدة، والاستثمار في البحث والتطوير، ونقل التقنيات، وهو ما قد يخلق سلسلة قيمة صناعية تمتد عبر الدول الثلاث، وفق "أسوشييتد برس".
وكانت دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في فبراير/شباط 2026 قد أشارت إلى أن اتفاق الدفاع الاستراتيجي السعودي - الباكستاني الموقع في سبتمبر/أيلول 2025 لم يكن يهدف إلى تعزيز التعاون الأمني فقط، بل إلى إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين. وتشير معطيات الدراسة إلى أن انضمام تركيا إلى هذا الإطار من شأنه توسيع نطاق التعاون ليشمل اقتصاداً صناعياً أكبر، بما يفتح فرصاً أوسع في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والصناعات الهندسية، والخدمات اللوجستية، ومراكز البحث والتطوير، إلى جانب تعميق نقل التكنولوجيا والاستثمارات الصناعية.
أمن الطاقة وممرات التجارة
ويشكل أمن الطاقة أحد أبرز المكاسب الاقتصادية المحتملة لاتفاق مكة، في ظل اعتماد السعودية على استقرار صادرات النفط، واعتماد تركيا وباكستان على واردات الطاقة. وجاء الاتفاق بعد أشهر من تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة وتهديد الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهي تطورات دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم أمن البنية التحتية الحيوية. وكانت وكالة رويترز قد نقلت عن مسؤول سعودي كبير في اليوم الذي سبق توقيع اتفاق مكة، أن تقارير استخبارية من الولايات المتحدة ومن السعودية ودول أخرى في المنطقة أشارت إلى احتمال استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات بهجمات من جماعات مدعومة من إيران.
وترى دراسة "تشاتام هاوس"، المنشورة في 5 يونيو/حزيران 2026، أن الحرب وسعت مفهوم الأمن الاقتصادي ليشمل حماية منشآت الطاقة وسلاسل الإمداد، ما يجعل أي تنسيق دفاعي بين الدول الثلاث عاملاً قد يسهم في تقليص مخاطر تعطل الإنتاج والصادرات، وإن ظل تأثيره الفعلي مرتبطاً بمستوى التوتر الإقليمي. كما ترى الدراسة أن اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر أعادت ملف الممرات التجارية إلى صدارة الأولويات الاقتصادية، ودعت إلى تسريع مشاريع الربط الإقليمي لتقليل الاعتماد على المسارات البحرية الأكثر عرضة للمخاطر. وتشير الدراسة إلى أن تركيا مرشحة للاستفادة من هذا التحول عبر مشاريع مثل "طريق التنمية" العراقي، والممر الأوسط بين آسيا وأوروبا، إضافة إلى إحياء مشروع سكة حديد الحجاز. وتوضح دراسة "تشاتام هاوس" إلى أن التقارب السياسي بين السعودية وتركيا وباكستان قد يدعم التجارة والاستثمارات المتبادلة، ويمنح زخماً لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب تعزيز الاستثمارات في التكنولوجيا والصناعة والخدمات اللوجستية.