مفاوضات جديدة بين صندوق النقد ولبنان بعد مسار من التعثّر

22 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 20:45 (توقيت القدس)
أمام مقر مصرف لبنان في بيروت، 21 يوليو 2023 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه لبنان صعوبات في إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي بسبب الحاجة لإصلاحات جذرية في القطاع المصرفي والمالي، والتي تعرقلها المناورات السياسية والمصالح الخاصة، مما يضعف الثقة الدولية.

- الاجتماعات في واشنطن تمثل فرصة للبنان لإعادة بناء مصداقيته، حيث يسعى للحصول على دعم مالي، لكن المجتمع الدولي يطالب بإصلاحات واضحة مثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوحيد سعر الصرف.

- الخبراء يؤكدون أن الاتفاق يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية شاملة تشمل تحسين الأداء الحكومي وتأمين حزام أمان اجتماعي، مع إنشاء صندوق لإعادة الإعمار وتسريع الإصلاحات وفق المعايير اللبنانية.

يواجه العهد الجديد في لبنان تحدياً كبيراً يتمثّل بإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي بعد مسار طويل من التأرجح والتعثّر، في ظلّ غياب الإصلاحات واتباع المنظومة السياسية ثقافة الترقيع والمناورة لتحقيق مكاسب خاصة بعيداً من الرؤى الاقتصادية الإنقاذية.

ويعوّل اللبنانيون اليوم على تعهّدات رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام بتغيير الأداء السياسي، ورفع شعار الإنقاذ والإصلاح وبناء دولة القانون والمؤسسات، للتوقيع على اتفاق من شأنه أن يمنح لبنان حصّة مالية قادرة على مساعدته اقتصادياً وفي إعادة إعمار ما دمّره العدوان الإسرائيلي الأخير.

ربطاً بذلك، تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تُعقد اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، ويشارك فيها وفد لبناني رسمي، يتقدّمه وزيرا المال ياسين جابر والاقتصاد عامر بساط وحاكم البنك المركزي كريم سعيد، يسعى للتوصل إلى اتفاقية في غضون أشهر قليلة، وإلى الحصول على مبلغ يفوق 3 مليارات دولار بالنظر إلى التطورات الأمنية بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وفي السابع من إبريل/نيسان 2022، توصلت السلطات اللبنانية وفريق من خبراء الصندوق إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن السياسات الاقتصادية الشاملة التي يمكن أن يدعمها اتفاق للاستفادة من تسهيل الصندوق الممدد، مع طلب إتاحة موارد من الصندوق بقيمة 2173.9 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (ما يعادل 3 مليارات دولار أميركي)، بيد أن الاتفاق لم يسلك المسار النهائي في ظل عدم تنفيذ لبنان الشروط والإصلاحات المطلوبة منه.

ويهدف "تسهيل الصندوق الممدد" إلى دعم استراتيجية الإصلاح التي وضعتها السلطات لاستعادة النمو والاستدامة المالية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وزيادة الإنفاق الاجتماعي والإنفاق على إعادة الإعمار. وينبغي أن يتم إكمال ذلك بإعادة هيكلة الدين العام الخارجي التي ستؤدي إلى مشاركة كافية من الدائنين لإعادة الدين إلى حدود مستدامة وسد فجوات التمويل.

شروط صندوق النقد

في الإطار، يقول محمد فحيلي، باحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت لـ"العربي الجديد"، إنّه "كان من المفترض أن تكون اتفاقية الصندوق على مستوى موظفي صندوق النقد الدولي لعام 2022 نقطة تحوّل، حيث توفر إطاراً للمساعدة المالية مقابل إصلاحات رئيسية، بما في ذلك إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وضوابط رأس المال، والانضباط المالي، لكن بدلاً من ذلك، أصبحت أداة للتأخير، وقد استخدمت النخبة الحاكمة في لبنان الاتفاق للإشارة إلى التعاون دون تنفيذ أي من بنوده، فقد توقفت الإصلاحات الأساسية أو خففت لحماية المصالح الخاصة، ممّا جعل الدعم المحتمل من صندوق النقد الدولي بلا معنى".

ويلفت فحيلي إلى أنّ "الوفد اللبناني إلى واشنطن يحاول اليوم أن يقدّم صورة لدولة تنهض من تحت الركام، لكن الحقيقة الأكثر إلحاحاً ليست ما يقال هناك، بل ما لم يتحقق هنا، فالمجتمع الدولي لا ينظر إلى لبنان بوصفه دولة عاجزة فقط، بل دولة مترددة، لا تزال تساوم على أوجاع ناسها، وتختزل الإصلاح بمسكنات ظرفية، لا بتغييرات بنيوية".

ويضيف: "في كلّ محطة دولية، يعود السؤال ذاته: ماذا فعلتم لتستحقوا الدعم؟ والإجابة، كما يعرفها المانحون قبل اللبنانيين، لا تزال باهتة. قوانين أساسية مجمّدة، قطاع مصرفي مشلول، إدارة مالية مبعثرة، وسلطة تتعاطى مع الانهيار كأنه أزمة علاقات عامة لا أزمة ثقة وطنية"، لافتاً في المقابل، إلى أنّ "مشاركتنا في هذه الاجتماعات، رغم كلّ شيء، ليست بلا قيمة، فالحضور بحدّ ذاته مهم، وهو اعترافٌ بأنّ لبنان لا يزال يطرق أبواب الحل، وإن بخجل، وهو فرصة، لا لتسوّل المساعدات، بل لإعادة بناء مصداقية فُقدت بتراكم الإخفاقات".

ويرى فحيلي أن "ما يجب أن نخرج به من واشنطن، ليس بياناً إعلامياً، بل التزام داخلي، فالإصلاح لا يُصدَّر، بل يُبنى في الداخل، بحيث إنّ الدولة اللبنانية مدعوّة لانتزاع زمام المبادرة، لناحية أن تطبق ما تعهّدت به منذ سنوات، لا أن تنتظر شروط الخارج كي تتحرّك، وأن تقرّ القوانين المعلّقة، وتطلق ورشة إصلاح إداري ومالي حقيقي، وتعيد تعريف أولوياتها بعيداً عن الحسابات الفئوية"، لافتاً إلى أن "الحضور اللبناني يُنظر إليه كفرصة لكسر الجمود الدبلوماسي، وإعادة فتح قنوات الحوار مع المؤسسات المالية الدولية، لا كمنصة للحصول على تمويل مباشر، فشروط الدعم لا تزال واضحة ومتمثلة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، إقرار قوانين إصلاحية مُعطّلة، وتوحيد سعر الصرف في ظل سياسة نقدية موثوق بها".

ويردف: "على الجانب الإيجابي، قد يتمكن الوفد من حصد بعض المكاسب الرمزية، كالحصول على دعم تقني لتحديث آليات الرقابة والإدارة العامة، أو إعادة إدراج لبنان في برامج مساعدة فنية. كذلك، فإن اللقاءات الثنائية مع ممثلي الدول المانحة قد تساهم في إبقاء الملف اللبناني مفتوحاً على الطاولة، وتفادي سقوطه في غياهب النسيان الدولي"، مضيفاً: "لكن الرهان الحقيقي لا ينعقد في واشنطن، بل في بيروت. فمهما كان أداء الوفد لبقاً، لن تنجح أي مفاوضات ما لم تُترجم على أرض الواقع بخطوات تشريعية وتنفيذية جدية. المجتمع الدولي لا يطلب المعجزات، بل إشارات واضحة بأن الدولة اللبنانية قررت، أخيراً، التوقف عن إنكار الأزمة، والتحرك في اتجاه الحل".

على صعيدٍ متصل، يلفت فحيلي لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الاتفاق مع صندوق النقد له أهمية واحدة لا ثاني لها، وهي أنه يعطي السلطة السياسية في لبنان التي لا تزال متمثلة بمجلس النواب واتُهمت من دول كبرى ومؤسسات دولية بالفساد وهدر المال العام وسوء الإدارة وغياب الحوكمة... براءة ذمة بأنها اتّعظت أو تعلّمت من أخطاء الماضي وتريد السير بمسار صحيح، وصندوق النقد وحده قادر على إعطاء هذا الإبراء لكن التداعيات ستنتج عن تأخر الحلول".

ويعتبر أن "الحلول يجب أن تأتي تدريجياً وبدءاً من مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة الإنعاش، وفي هاتين المرحلتين يكون التركيز على تصويب الأداء وتأمين حزام أمان اجتماعي وليس على الإصلاح، باعتبار أن الإصلاح يؤدي إلى صرف مجموعة كبيرة من الموظفين من الخدمة، ما يزيد من تفاقم الوضع المعيشي والفقر والأزمة الاجتماعية، من هنا واجب تصويب الأداء، فعلى سبيل المثال نأخذ مراكز الدولة، بحيث تُدفع الرواتب والأجور، يجب أن تقابل ذلك خدمات، كما على المؤسسات المصرفية مثلاً أن تبدأ بفتح قنوات تواصل إيجابي ومنتج مع المودعين وغير ذلك من الأمور التي نحتاج إليها قبل الذهاب نحو التعافي الاقتصادي وبمواكبة طبعاً بالمساءلة والمحاسبة".

هذا ويعتبر فحيلي أنّ "التوقيت اليوم لإبرام اتفاق مع صندوق النقد يُعتبر خاطئاً، بحيث يمكن أن يعطي براءة ذمة للسياسيين لاستثمارها في الانتخابات النيابية لعام 2026 كما حصل عندما تم استثمار الاتفاق المبدئي في إبريل/نيسان 2022 بانتخابات مايو/أيار 2022 البرلمانية، من هنا أنا ضدّ أن يكون هناك توجّه لإبرام أي اتفاق اليوم لحين التأكد من أن الطبقة السياسية جدية".

إصلاحات متعددة

على صعيد آخر، يشير فحيلي إلى أن جزءاً من المساعدات طبعاً مرتبط بالوضع الأمني وكيفية تعاطي الدولة اللبنانية مع سلاح حزب الله وأين سيكون هذا السلاح، وهذه الأسباب مشروعة، بحيث إن الأسرة الدولية والتي سبق أن ساعدت لبنان بإعادة الإعمار بمحطات عدة، لديها تردّد في هذه المسألة إذا لم تكن هناك ضمانات بعدم تدميرها من جديد بعد أعوام مقبلة مثلاً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدولة الصديقة التي ساعدت لبنان اقتصادياً، من هنا نجد ترابطاً معقّداً بين الأمن والاقتصاد.

وحول ما إذا كان العهد الجديد بدأ مسار الإصلاح، يعتبر فحيلي أنّه من الخطأ تسمية ما يحصل إصلاحات، بل تصويب أداء. وهناك فرق كبير، فالتعيينات التي أقرت سواء على صعيد حاكمية مصرف لبنان أو عسكرية كانت أم أمنية أو لاحقاً قضائية، هي تصويب أداء وواجب على الدولة، التي ننتظر منها تقديم الخدمات للشعب اللبناني، والأمر نفسه ينطبق على المسار المرتبط بالقوانين ذات الصلة بالقطاع المصرفي، والبعيدة من الخطوات الإصلاحية، لذلك من المبكر الحديث عن الإصلاح.

من جانبه، يقول العضو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي عدنان رمّال لـ"العربي الجديد"، إنّ "الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد أصبح أسهل اليوم خصوصاً بعد طلب لبنان إعادة التقييم، باعتبار أن المبلغ الذي يحتاجه بات أكبر من 3 مليارات دولار، بالنظر إلى تداعيات العدوان الإسرائيلي وتكلفة الحرب، ولم يعد الموضوع يقتصر على حاجات النهوض الاقتصادي، لذلك، إذا تم إقرار القوانين الإصلاحية، منها المرتبطة بالودائع والسرية المصرفية والانتظام المالي، نكون أمام مسار أسهل للتوافق مع صندوق النقد".

ويرى الخبير الاقتصادي اللبناني أنّ العلاقة مع صندوق النقد كانت على مرّ السنين متأرجحة ولا سيما أن مطالبه لم تُلبَّ من الحكومة السابقة، نظراً لمعطيات منها اقتصادية ومرتبطة بالسياسات المالية وواقع العدوان على لبنان، في وقت إن السياسات يجب أن تكون اليوم أوضح، ومع ذلك نشدّد على أن الأولوية يجب أن تبقى في أي مفاوضات تحقيق مصلحة لبنان والشعب اللبناني والسيادة اللبنانية.

ويشير رمّال إلى أنّه من المؤسف أن يتم ربط مساعدة لبنان خصوصاً في إعادة الإعمار بإصلاحات مزمنة وأزمات عمرها عشرات السنين، فهذا ظلم بحق الناس التي تم الاعتداء عليها وظلم بحق أهالي البلدات التي تعرّضت للعدوان والتدمير، بتحميلها مسؤوليات السياسات السابقة، حتى أن المؤتمر الذي كان مخصصاً لإعادة الإعمار في باريس تم تأجيله من دون تحديد موعد، من هنا على الحكومة اللبنانية أن تسرّع، وليس من مصلحتها تأخير الإصلاحات على أن يكون المسار وفق الشروط السيادية والمعايير اللبنانية.

ولا يعتقد رمّال أن ملف الاتفاق مع صندوق النقد مرتبط بالاستحقاق الأمني ومسألة احتكار الدولة للسلاح، فهو يرى أنّ هذا الموضوع سيادي داخلي لبنان يتم التوافق عليه لبنانياً وفي إطار حوار لبناني، كما أن المؤسسات الدولية لا تدخل عادة بشكل واضح ومباشر بالسياسة، فهي تؤمّن القرض لأي دولة ضمن شروط وإصلاحات اقتصادية ومالية تضمن للصندوق أن يستعيد أمواله مع أرباحه.

كذلك، يشدد رمّال على ضرورة أن تباشر الحكومة اللبنانية بإنشاء صندوق لإعادة الإعمار من مداخيل وواردات الدولة، ومن ثم تتلقى الهبات والمساعدات، لكن مع الأسف نرى أن هناك تأخيراً حتى بموضوع الكشوفات على أضرار العدوان وهذا أمر معيبٌ وظالم بحق الأهالي، خصوصاً في بيروت والبقاع وكذلك في الجنوب التي أصبحت غالبيتها خارج الاعتداءات الإسرائيلية. مفاوضات جديدة بين لبنان وصندوق النقد بعد مسار من التعثّر: محاولة لحصد مكاسب رمزية.

المساهمون