مفاجأة السياحة التركية... نمو الزوار والعائدات في 2025 رغم الغلاء
استمع إلى الملخص
- رغم التحديات الاقتصادية، ارتفعت عائدات السياحة بنسبة 5.7%، مع توقعات بعائدات تصل إلى 64 مليار دولار، ونمو ملحوظ في السياحة الشتوية والعلاجية.
- تسهم السياحة بنحو 10% من الناتج المحلي و5% من فرص العمل، وتظل تركيا وجهة رائدة بفضل تنوعها الثقافي والطبيعي وتقدمها في السياحة.
أنهت السياحة التركية عام 2025 بأداء متماسك، رغم الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية، مدفوعة بارتفاع أعداد الزوار وتحسن العائدات مقارنة بالعام الماضي، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية. وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع عدد الزوار إلى تركيا خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني إلى نحو 3 ملايين زائر، بزيادة بلغت 2.61% على أساس سنوي، رغم أن الشهر يعد خارج الموسم السياحي التقليدي. ووصل إجمالي عدد الزوار حتى ديسمبر/ كانون الأول إلى نحو 53.5 مليون زائر، بزيادة طفيفة نسبتها 0.03% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، متجاوزاً الرقم القياسي المسجل في العام الماضي عند 52.6 مليون زائر، الذي كان قد تخطى بدوره مستوى 49.2 مليون زائر في عام 2023. كذلك أظهرت الأرقام أن روسيا وألمانيا حافظتا على موقعهما بكونهما أكبر الأسواق المصدرة للسياح إلى تركيا، تليهما إيران، مع ارتفاع أعداد الزوار القادمين من روسيا بنسبة 10.25%، وألمانيا بنسبة 9.93%، وفق بيانات رسمية نقلتها صحيفة ديلي صباح عن الوزارة.
السياحة "بألف خير"
وفي ضوء هذه المؤشرات، يصف مدير شركة سياحية في منطقة تقسيم بإسطنبول، محموت ألتن باش، أداء السياحة التركية في عام 2025 بأنه "بألف خير"، معتبراً أن النتائج المسجلة تعكس قدرة القطاع على الصمود رغم التحديات. ويشير إلى أن أعداد السياح ارتفعت مقارنة بالعام الماضي، على الرغم من التطورات الإقليمية، من الحرب على غزة وتداعيات الملف السوري، إلى الضغوط الناتجة من التضخم، وما يصفه بـ"الدعايات المغرضة" المرتبطة بملف العنصرية في تركيا. ويؤكد ألتن باش أن تركيا لا تزال تحتفظ بعوامل جذب ونقاط قوة راسخة، سواء تلك المرتبطة بمواقعها التاريخية وطبيعتها المتنوعة، أو بالتقدم المحقق في مجال السياحة العلاجية، التي يرى أنها تشكل ضمانة للقطاع مهما توترت الأوضاع الإقليمية وتغيرت وجهات السياح.
ويلفت ألتن باش في تصريحه لـ"العربي الجديد" إلى أن السياح الأوروبيين، ولا سيما من روسيا وألمانيا، أسهموا في دعم الموسم السياحي خلال العام الجاري. ورغم تراجع أعداد السياح العرب، فإن القادمين بغرض العلاج والسياحة الدينية من منطقة الشرق الأوسط عوضوا جزءاً مهماً من هذا التراجع، بفضل ارتفاع معدلات إنفاقهم، ما انعكس إيجاباً على عائدات القطاع. ويقول المتخصص في القطاع السياحي إن الأرقام الأولية الصادرة عن وزارة الثقافة والسياحة جاءت "أكبر من توقعاتنا"، ولا سيما خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، الذي يعد خارج الموسم السياحي التقليدي، متوقعاً أن يشهد العام المقبل مزيداً من الإقبال السياحي إن تحسّن الاستقرار الإقليمي وتراجعت معدلات التضخم في تركيا.
بين الواقع والإيرادات المستهدفة
ورغم الأداء الإيجابي العام الحالي مقارنة بعام 2024، جاء عدد السياح الأجانب القادمين إلى تركيا في عام 2025 دون المستهدف المخطط له، نتيجة عوامل داخلية يعزوها مختصون إلى التضخم وغلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الإقامة والمعيشة، في ظل عدم تراجع معدل التضخم السنوي عن 31%، رغم المساعي الحكومية وبرنامج الإصلاح الاقتصادي. ومع ذلك، سجل إجمالي عدد القادمين رقماً قياسياً جديداً العام الحالي مقارنة بالعام الماضي. وتشير بيانات وزارة الثقافة والسياحة إلى أن الزخم السياحي استمر حتى نهاية الربع الثالث من العام، إذ تجاوز عدد السياح حتى نهاية النصف الأول من 2025 حاجز 40 مليون سائح، بينهم أكثر من 35 مليون أجنبي ونحو 5 ملايين من الأتراك المقيمين في الخارج.
وبحسب تصريحات وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري أرصوي، بلغت عائدات السياحة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام نحو 50 مليار دولار، بزيادة 5.7% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، مع استمرار استهداف تحقيق عائدات تصل إلى 64 مليار دولار بنهاية العام. وكانت تركيا قد رفعت، مطلع العام، سقف توقعاتها لعام 2025، مستهدفة استقبال 64 مليون زائر وتحقيق إيرادات تصل إلى 63.6 مليار دولار. ويتطلع القائمون على قطاع السياحة، من الوزارة والقطاع الخاص، وفق تصريح سابق لرئيس مجلس إدارة اتحاد وكالات السفر التركية فيروز باغلي قايا، إلى تحقيق عائدات بقيمة 65 مليار دولار خلال العام الجاري، بعد تسجيل إيرادات بلغت 61.1 مليار دولار في عام 2024، بزيادة 8.3% مقارنة بعام 2023، حين استقبلت البلاد 62.3 مليون سائح، متجاوزة الهدف الحكومي المعلن.
ما تبقى من العام
لم يُخفِ العامل في القطاع السياحي، فيهري إيت، آماله بأن يحمل الشهر الأخير من العام مفاجآت بزيادة عدد السياح، سواء في السياحة العلاجية أو السياحة الشتوية، إضافة إلى القادمين لقضاء عطلة الميلاد ورأس السنة في تركيا. ويضيف إيت، العامل في موقع "بامبي" السياحي بإسطنبول، أن إنفاق سياح نهاية العام والسياحة الشتوية أعلى بكثير من إنفاق الموسم السياحي، مشيراً إلى أن إنفاق السائح بقصد العلاج لمدة أسبوع لا يقل عن 6 آلاف دولار، معتبراً أن تركيا لا تزال في صدارة الدول الجاذبة للسياحة العلاجية. وعن السياحة الشتوية، يكشف لـ"العربي الجديد" أن هذا القطاع هو الأكثر نمواً في تركيا، بعد الاهتمام بالمنتجعات ومواقع التزلج، مثل "أولوداغ، أرجييس، بالاندوكن"، لافتاً في الوقت نفسه إلى دور السياحة الداخلية خلال عطلات نهاية العام. فرغم قصرها، إذ تراوح بين ثلاثة أيام وأسبوع، فإنها تزيد من الإشغال الفندقي وحركة المواقع والأسواق، مقدراً ألّا يقل عدد السياح الأتراك داخل البلاد، أو الأتراك الذين يزورون تركيا، عن 10 ملايين سائح على مدار العام.
السياحة الحلال
نوع آخر من السياحة بدأت تركيا تتوسع به، وعن هذا يقول العامل في القطاع السياحي، محمت أرسلان، إن تركيا حجزت مكانها على خريطة السياحة الحلال عالمياً، وباتت من أكثر الدول جذباً للعائلات المسلمة، سواء من المنطقة العربية والدول الإسلامية، أو من الجاليات المسلمة في أوروبا، التي تسعى لقضاء عطلاتها في مناطق تتوافق مع عاداتها وقيمها الإسلامية. ويرى أرسلان أن "الريفيرا التركية" تنافس أبرز المواقع العالمية في السياحة الحلال، موضحاً أنها تمتد بين ولايات أنطاليا وفتحية ومرمريس وبودروم، وصولاً إلى ألانيا، وهي ولايات ساحلية على البحر المتوسط، وتمتاز بالمنشآت السياحية ذات العلامة الزرقاء، والمواقع التاريخية، والمساحات الخضراء والغابات، بما يوفر جميع متطلبات السياحة الحلال.
وعن أبرز الفروق بين السياحة الحلال والسياحة التقليدية، يشير إيت لـ"العربي الجديد" إلى أن تلك المنشآت لا تقدم طعاماً غير حلال، مثل لحم الخنزير أو الذبح غير الإسلامي، ولا تقدم مشروبات كحولية، وتهتم باحتياجات السائح المسلم من مساجد وقاعات صلاة داخل المنشآت، وتشدد على الفصل بين الجنسين في المسابح ومرافق الترفيه، إضافة إلى ما تسميه "الليل الحلال". وحصدت تركيا خلال الربع الثالث من العام الجاري المركز الثاني عالمياً في السياحة الحلال، وفق شركة CrescentRating لأبحاث السياحة الحلال، بعدما حققت الموقع نفسه في النصف الأول من العام، وفق تقرير مشترك لشركتي "ماستر كارد" وCrescentRating، وجاءت بعد ماليزيا متقدمة على الإمارات وإندونيسيا. وعلقت وزارة الثقافة والسياحة التركية، في بيان رسمي، بأن تركيا تواصل جهودها لتوفير تجربة سياحية حلال متكاملة، ونطمح إلى أن تكون الوجهة الأولى عالمياً بحلول نهاية العقد الحالي، مضيفة أن السياحة الحلال أسهمت بنحو 7% من إجمالي إيرادات السياحة لعام 2024.
السياحة العلاجية
يكشف مدير شركة "إسطنبول روز كلينك"، محمت إسلام، أن المنافسة على السياحة العلاجية تزايدت على تركيا بعد دخول مصر والإمارات وأذربيجان على الخط خلال الأعوام الأخيرة، ما أثر قليلاً في أعداد القادمين عام 2025. إلا أن تركيا، بحسب قوله، لا تزال رائدة على المستوى العالمي، خصوصاً من حيث أسعار العمليات التجميلية والتخصصات النادرة. ولا يستبعد مدير الشركة المتخصصة في جذب السياح بغرض العلاج تأثير التضخم وارتفاع تكاليف العلاج مقارنة بالأعوام السابقة في التراجع النسبي هذا العام، لكنه يلفت "العربي الجديد" إلى أن إنفاق هذا النوع من السياح مرتفع ولا يقارن بغيره، إذ يبلغ متوسط الإقامة أسبوعاً، ولا يقل الإنفاق، مع أجور الجراحة، عن 7 آلاف دولار. ويبين أن السياح الأوروبيين بغرض العلاج يتصدرون القوائم، يليهم العرب ثم القادمون من الأميركتين، نظراً إلى أن أجور عمليات التجميل وزراعة الشعر والأسنان في تركيا تقلّ عن نصف تكلفتها في أوروبا والولايات المتحدة.
وكانت تركيا قد تصدرت وجهات السياحة العلاجية في منطقة الشرق الأوسط لعام 2025، وفق بيانات هيئة الإحصاء التركية، رغم تراجع أعداد السياح المرضى والسياح عموماً خلال العام نفسه. وتشير هيئة السياحة التركية إلى أن عدد السياح القادمين إلى البلاد بغرض العلاج خلال عام 2025 بلغ نحو 500 ألف سائح، مع توقعات بزيادة العدد حتى نهاية العام. وأوضحت الهيئة أن تنوع الخدمات الطبية التي تتميز بها تركيا، مثل جراحة التجميل وزراعة الشعر وعلاج الأورام وأمراض القلب، أسهم في زيادة أعداد السياح المرضى، إلى جانب المدن الطبية الحديثة واعتماد أحدث التقنيات العالمية.
وقال طبيب الجلدية والتجميل محمد الجزار، لـ"العربي الجديد"، إن تركيا، رغم التقدم وزيادة أعداد المرضى السياح، لا تزال حصتها العالمية محدودة مقارنة بحجم سوق السياحة العلاجية العالمي، الذي يتوقع أن تصل عائداته إلى 100 مليار دولار هذا العام. وأضاف، في تصريح سابق، أن تركيا تمتلك جميع مقومات صناعة السياحة العلاجية، من بنى تحتية متطورة، مثل المدن الطبية الكبرى في ولايات إسطنبول ومرسين وقيصري وأنقرة ومانيسا وأضنة، إلى جانب الكفاءات الطبية العالية، ما وضعها في مراكز متقدمة إقليمياً ودولياً. ونبه إلى زيادة الإقبال على العلاج بالمياه الكبريتية والمعدنية في تركيا، إلا أنه لا يُدرَج ضمن بيانات السياحة العلاجية الرسمية.
قاطرة الاقتصاد
يتفق الأتراك على أن اقتصاد بلادهم يطير بجناحين، هما الصادرات والسياحة، وأن أي إصابة بأحد الجناحين ستؤثر في معدلات النمو وحركة السوق والإنتاج. لذلك يتزايد الاهتمام الحكومي بهذين القطاعين باعتبارهما قاطرتي الاقتصاد ومحركي النمو. ويقول المحلل التركي إسلام أوزكان، إن تركيا، رغم هزات عام 2025 الداخلية والخارجية، حققت رقماً قياسياً جديداً في الصادرات بلغ نحو 270 مليار دولار، إلى جانب تحسن أعداد القادمين والعائدات السياحية مقارنة بالعام الماضي، وإن لم تصل إلى الطموحات والخطط التي أُعلنت مطلع العام، بسبب التضخم وغلاء الأسعار والمخاوف من الزلازل.
ويتفق مع سابقيه في أن السياحة الحلال والعلاجية أسعفتا البلاد، مضيفاً أن للدراما والسينما التركية دوراً في الجذب السياحي، وأن سياحة المؤتمرات تُعَدّ رافداً مهماً وجديداً للقطاع. وحول الاهتمام بقطاع السياحة تحديداً، يضيف المحلل في مركز "إيكوبوليك" بإسطنبول، لـ"العربي الجديد"، أن السياحة تسوق التطور والإنتاج وتوازن النقد في السوق، كذلك فإن السياحة التركية تسهم بنحو 10% من الناتج المحلي، وتوفر 5% من إجمالي فرص العمل، والأهم أنها تسوق تركيا اقتصادياً واجتماعياً، وحتى سياسياً".