مع زيادة نفقات التسلح أوروبياً.. "ساب" السويدية تتحول إلى عملاق عسكري
- الحرب في أوكرانيا أدت إلى تحول في السياسة الدفاعية الأوروبية، حيث تسعى الدول لبناء قدرات دفاعية محلية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، مما يعزز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
- تواجه الطفرة في الصناعات العسكرية انتقادات من جمعيات السلام بسبب مخاوف من سباق تسلح جديد، بينما ترى شركات مثل ساب في هذا التحول فرصة للنمو.
يبدو أن شركة ساب السويدية لم تعد مجرد لاعب إقليمي في سوق الصناعات الدفاعية، بل أصبحت واحدة من أبرز المستفيدين من التحول الكبير الذي تشهده أوروبا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. ففي غضون أشهر، أبرمت الشركة صفقات بمليارات الدولارات شملت طائرات مقاتلة، وغواصات، وأنظمة رادار، وتجهيزات بحرية، في مؤشر على عودة الإنفاق العسكري الأوروبي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
آخر هذه الصفقات جاءت قبل أيام قليلة مع ألمانيا، حيث حصلت ساب على عقد بقيمة نحو 8.7 مليارات كرونة سويدية (قرابة 800 مليون دولار) لتزويد أربع فرقاطات جديدة للبحرية الألمانية بأنظمة قيادة وتحكم وأجهزة استشعار وهياكل مركبة، بالتعاون مع شركة الصناعات البحرية الألمانية TKMS. ومن المقرر تنفيذ عمليات التسليم بين عامي 2029 و2032.
لكن الصفقة الألمانية ليست سوى حلقة في سلسلة توسع غير مسبوقة للشركة السويدية. ففي العام الحالي وحده، وقعت ساب اتفاقيات لتزويد بولندا بغواصات بقيمة تقارب 47 مليار كرونة سويدية، وأوكرانيا بطائرات مقاتلة من طراز غريبن JAS Gripen بقيمة نحو 24.6 مليار كرونة سويدية، إضافة إلى عقود أخرى مرتبطة بطائرات الاستطلاع وأنظمة المراقبة لصالح حلف شمال الأطلسي (الناتو).
حرب أوكرانيا وعسكرة أوروبا
في تصريحات للتلفزة السويدية أمس الأول، قال الأستاذ في كلية الدفاع الوطني السويدية، يوهان غرانولم، إن النمو الكبير الذي تشهده ساب يعكس تحولاً أوسع في قطاع الدفاع الأوروبي. ويرى الأكاديمي السويدي أن الحرب في أوكرانيا لم تؤد فقط إلى زيادة الطلب على الأسلحة، بل أحدثت تغييراً سياسياً عميقاً في نظرة الحكومات الأوروبية إلى قضايا الأمن والدفاع.
فبعد عقود من تقليص الإنفاق العسكري والاعتماد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية، بدأت دول أوروبية عديدة تدرك الحاجة إلى بناء قدرات دفاعية محلية. وأصبح شعار "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" أكثر حضوراً في النقاش السياسي، خصوصاً مع تصاعد التساؤلات حول مستقبل العلاقة الأمنية مع واشنطن.
ويؤكد غرانولم أن التحول لم يقتصر على الشركات الكبرى، بل استفادت منه أيضاً شركات دفاعية صغيرة ومتوسطة، تحديداً في السويد، التي تمتلك تاريخاً طويلاً في الصناعات العسكرية رغم عدم انتمائها التقليدي إلى أكبر منتجي السلاح العالميين.
تنافسية ساب
أحد أسباب نجاح ساب هو تنوع منتجاتها مقارنة بشركات متخصصة في مجال واحد. فالشركة لا تعتمد فقط على الطائرات المقاتلة، بل تعمل أيضاً في مجالات الغواصات، والسفن الحربية، وأنظمة الرادار، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع.
هذا التنوع يمنحها قدرة على المنافسة في أسواق مختلفة داخل الناتو، في وقت تبحث فيه الدول الأوروبية عن حلول متكاملة لتعزيز قدراتها العسكرية. وقال الرئيس التنفيذي للشركة ميكائيل يوهانسون في تصريحات لهيئة البث العام السويدية، أمس الأول، إن أوروبا شهدت "صحوة كبيرة" تجاه أهمية الصناعات الدفاعية، مضيفاً أن امتلاك دفاع قوي أصبح شرطاً لتحمل الدول مسؤولياتها الأمنية. ويرى يوهانسون أن التحول الحالي لا يرتبط فقط بالحرب في أوكرانيا، بل أيضاً بإدراك أوروبي متزايد أن الاعتماد الكامل على الخارج في مجال الدفاع يحمل مخاطر سياسية واستراتيجية.
التحول الأكثر إثارة في سوق الدفاع الأوروبي يتمثل في تنامي النقاش حول تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. ورغم أن الشركات الأميركية، مثل لوكهيد مارتن وبوينغ وغيرها، لا تزال تهيمن على جزء كبير من سوق السلاح العالمي، بدأت بعض الدول الأوروبية تبحث عن بدائل محلية أو أوروبية. ويشير غرانولم إلى وجود مؤشرات على أن بعض أعضاء الناتو أصبحوا أكثر حذراً في شراء أنظمة تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الأميركية. ويقول إن السؤال الجديد داخل أوروبا أصبح: "هل يمكن الوثوق بالولايات المتحدة على المدى الطويل؟"، موضحاً أن حالة عدم اليقين السياسي بالولايات المتحدة دفعت بعض الحكومات إلى تفضيل منتجات أوروبية لا ترتبط بمكونات أو قيود أميركية. ويتوافق هذا التوجه مع دعوات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتكررة إلى تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على واشنطن.
سباق التسلح يثير انتقادات
لكن ازدهار شركات الصناعات العسكرية لا يحظى بإجماع داخل أوروبا. فجمعيات السلام والمنظمات المناهضة للتسلح ترى أن زيادة الإنفاق العسكري قد تؤدي إلى دورة جديدة من سباق التسلح. وتحذر جمعية السلام السويدية من أن التاريخ يُظهر أن زيادة الأسلحة لا تؤدي بالضرورة إلى مزيد من الأمن، بل قد تزيد من مخاطر التصعيد.
وترى الجمعية أن التركيز يجب أن يكون على تعزيز القانون الدولي والدبلوماسية ومنع النزاعات بدل الدخول في سباق لإنتاج المزيد من الأسلحة. لكن بالنسبة إلى شركات مثل ساب، يمثل هذا التحول فرصة تاريخية للنمو والتوسع. أما بالنسبة لأوروبا، فهو اختبار أكبر يتعلق بسؤال جوهري: هل تستطيع القارة بناء قدرة دفاعية مستقلة، أم أنها ستبقى مرتبطة بالولايات المتحدة رغم محاولات الاستقلال؟ في كل الأحوال، لا تعكس صفقات ساب الأخيرة فقط نجاحَ شركة سويدية، بل تكشف عن إعادة تشكيل كاملة لسوق الدفاع الأوروبي في مرحلة ما بعد أوكرانيا.