معركة ضرائب الأثرياء تثير خلافات داخل أوروبا المأزومة مالياً
استمع إلى الملخص
- تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن ضريبة الميراث أكثر عدالة وفعالية، لكن بعض الدول تقدم إعفاءات سخية للأصول التجارية، مما يتطلب تغييرات في النظام الضريبي.
- يجب على صناع القرار تحقيق توازن بين زيادة الإيرادات وتجنب هجرة الأثرياء. تؤكد "شبكة العدالة الضريبية" أن تقليص فجوة اللامساواة يعود بالنفع على الجميع، مما يتطلب آليات أكثر عدالة لتحقيق نمو مستدام.
قد تجد الحكومات الأوروبية، التي تعاني من ضائقة مالية وتسعى إلى سد الثغرات في ميزانياتها ومعالجة التفاوت المتزايد في الثروة، أن فرض ضرائب مباشرة على الثروة ليس هو الحل الأكثر فعالية.
وفي أوروبا المأزومة مالياً، ما زالت دول مثل سويسرا وإسبانيا والنرويج تطبق أشكالاً مختلفة من ضريبة الثروة على أصحاب الأصول التي تتجاوز مستوى معيناً، فيما تناقش فرنسا وبريطانيا هذا الخيار ضمن محاولاتهما لتقليص العجز. ومنذ عام 1980، انخفض متوسط معدل ضريبة الدخل الأعلى في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 66% إلى 43% فقط حالياً، وفقاً لـ"رويترز".
حدود ضريبة الثروة
يشير خبراء الضرائب والاقتصاديون إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الضرائب المباشرة على الثروة نادراً ما تحقق إيرادات كبيرة، وغالباً ما تخطئ أهدافها الأساسية. فهي عادةً ما تدر عائدات متواضعة لا تتجاوز بضع أعشار من الناتج المحلي الإجمالي، لأن الأثرياء يستطيعون حماية أصولهم بسهولة عبر وضعها في شركات أو صناديق استئمانية، أو عبر تحويلها إلى أصول يصعب تقييمها مثل التحف، أو حتى عبر نقلها إلى ملاذات ضريبية.
ويرى صندوق النقد الدولي أن معالجة التفاوت في الثروة لا تعني بالضرورة فرض ضرائب مباشرة على صافي الثروة، بل يمكن تحسين الضرائب على الدخل الرأسمالي لتحقيق عدالة أكبر وإيرادات أوفر.
ومن بين الخيارات المطروحة، زيادة الرقابة على أرباح رأس المال مثل الأرباح الموزعة أو الأرباح الناتجة عن بيع الأصول، إلغاء الإعفاءات الضريبية عن بعض أنواع الأرباح العقارية، فرض ضرائب على الميراث باعتبارها أداة أكثر عدالة وفعالية، ورسوم الخروج على من يحاولون الانتقال إلى ملاذات ضريبية.
وفي هذا السياق، طرح الخبير الاقتصادي غابرييل زوكمان اقتراح فرض ضريبة ثروة بنسبة 2% على أغنى 0.01% في فرنسا ضمن موازنة 2026، مؤكداً: "نحن بحاجة إلى ضمان أن يدفع المليارديرات على الأقل نفس المبالغ التي تدفعها الفئات الاجتماعية الأخرى، فالأمر يتعلق بالعدالة الضريبية".
رأس المال يحصل على معاملة أفضل
تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المعاملة الضريبية المواتية للأرباح الرأسمالية تعد من أبرز أسباب انخفاض معدل الضرائب الفعلية على الأثرياء. ففي دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية واليابان، تخضع أرباح رأس المال والأرباح الموزعة لضريبة منخفضة وموحدة، ما يمنح أصحاب الثروات ميزة إضافية مقارنة بمداخيل العمل. ويجادل بعض الاقتصاديين بأن الضرائب المنخفضة على رأس المال تشجع الادخار والاستثمار وريادة الأعمال، إلا أن المنظمة ترى أن هذه الأهداف يمكن تحقيقها عبر إعفاءات موجهة بدلاً من تخفيضات عامة.
وتعتبر ضريبة الميراث – التي يطلق عليها أحياناً "ضريبة الموت" – أكثر عدالة وفعالية من ضريبة الثروة. فهي لا تثبط الأفراد عن الادخار لشيخوختهم، ولا تمنعهم من ترك مدخرات لأطفالهم إذا ما صُممت بإعفاءات مناسبة. ويقول المنتقدون إن الأصول الموروثة قد تم فرض ضرائب عليها بالفعل عند تحقيق الدخل. ويشيرون إلى حقيقة أن أعلى 1٪ من أصحاب الدخل هم بالفعل أكبر المساهمين في خزائن الدولة في معظم البلدان الكبرى.
مع ذلك، لا تستفيد جميع الاقتصادات المتقدمة من هذه الأداة بالكامل. ففي دول مثل إيطاليا وبولندا، وكذلك حتى حد معين في كوريا الجنوبية، لا تُفرض أي ضرائب على الأعمال الموروثة. كما أن دولاً مثل أيرلندا وإسبانيا وألمانيا تقدم إعفاءات سخية للأصول التجارية.
في المقابل، يتم فرض ضريبة على الدخل المتأتي من رأس المال - مثل الأرباح الموزعة وأرباح رأس المال، وهي الأرباح المحققة عند بيع أحد الأصول - على العائدات الفعلية. ونظراً لأن هذه الأرباح تخضع عموماً لضرائب أقل من دخل العمل، يرى مؤيدو فرض ضرائب على الأثرياء أن هناك مجالًا للتغيير. وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير نشرته في وقت سابق من هذا العام: "إن المعاملة الضريبية المواتية للأرباح هي أحد الدوافع الرئيسية لانخفاض معدلات الضرائب الفعلية بين الأفراد ذوي الثروات الكبيرة".
عدالة ضريبية بلا هروب للثروات
في ظل المنافسة العالمية، يحتاج صناع القرار إلى تحقيق توازن بين زيادة الإيرادات الضريبية وتجنب دفع الأثرياء للهجرة نحو ولايات قضائية أخرى. وترى "شبكة العدالة الضريبية" أن تقليص فجوة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء يعود بالنفع على الجميع، بمن فيهم الأثرياء أنفسهم. وقال أليكس كوبهام، الرئيس التنفيذي للشبكة: "إن التفاوتات الكبيرة تقوض النمو الاقتصادي وتؤثر سلباً حتى على متوسط العمر المتوقع. وبالتالي، فإن معالجة عدم المساواة ليست مسألة عدالة فقط، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية".
تُظهر التجربة الأوروبية أن فرض ضرائب مباشرة على الثروة ليس بالضرورة الأداة الأكثر فعالية لتحقيق العدالة الضريبية أو زيادة الإيرادات. فالأثرياء يملكون دائماً الوسائل الكفيلة بالتحايل على هذه السياسات عبر الملاذات الضريبية أو تحويل أصولهم إلى أشكال يصعب تقييمها. ومع ذلك، فإن اتساع فجوة التفاوت في الدخل والثروة يفرض على الحكومات البحث عن آليات أكثر عدالة واستدامة.
إن النقاش حول الضرائب على الثروة في أوروبا ليس مسألة مالية فحسب، بل هو نقاش يرتبط بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية. فمجتمعات أكثر مساواة قادرة على تحقيق نمو مستدام ومستقبل أكثر استقراراً للجميع، بما في ذلك الأثرياء أنفسهم. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام صانعي السياسات يتمثل في إيجاد توازن ذكي بين تحفيز الاستثمار وضمان توزيع عادل للأعباء الضريبية.