معركة الجزائر ضد حيل تهريب الوقود... مافيا "الدواب"

21 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 01:36 (توقيت القدس)
حمير تستخدم في تهريب الوقود بالمنطقة الحدودية للجزائر والمغرب (فاضل سنا/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الجزائر تحديًا كبيرًا في مكافحة تهريب الوقود، مما يسبب خسائر مالية تصل إلى 1.3 مليار دولار سنويًا. تعتمد البلاد على إجراءات قانونية واقتصادية صارمة، بما في ذلك العقوبات والمصادرات، وتتطلب تعاونًا بين الجهات الأمنية والرقابية.

- يستخدم المهربون أساليب مبتكرة مثل تدريب الحمير واستخدام المركبات رباعية الدفع، مستغلين فارق السعر الكبير بين الجزائر والدول المجاورة مثل تونس والمغرب.

- تسعى الجزائر إلى مراجعة سياسة دعم الأسعار وتطوير استخدام البطاقات الإلكترونية مثل "نفطال كارد" لتقليل التهريب، مع إعداد بطاقة وطنية لإحصاء الأسر ذات الدخل الضعيف لتوجيه الدعم بشكل فعال.

تعتمد الجزائر على مجموعة من الإجراءات، تتخطى في مجملها البعد الاقتصادي للوقوف أمام "امتداد" خطير لظاهرة تهريب الوقود عبر الحدود البرية المختلفة، فضلاً عن المقترحات الأخرى لسد هذا المنفذ لخروج مختلف أنواع الوقود نحو خارج الإقليم بالطرق غير الشرعية، ما يكبد الخزينة العمومية للبلاد خسائر بالمليارات سنوياً.

تتجاوز ظاهرة تهريب الوقود الجزائرية، المنتجة من قبل مجمع سوناطراك "حكومي" والموزّعة حصرياً من طرف مؤسسة نفطال (المؤسسة العمومية المكلفة بتوزيع المواد البترولية والوقود)، البعد التجاري والاقتصادي كذلك، باعتبار هذه الأفعال مجرمة وفقاً للقانون الساري العمل به، والذي ينص على عقوبة الحبس من سنة إلى خمس سنوات، ومصادرة البضائع محل التهريب، وكذلك دفع غرامة تساوي خمس مرات قيمة البضاعة المصادرة، وفي حالة ارتكاب فعل التهريب من طرف ثلاثة أشخاص أو أكثر، تشدد العقوبة الحبس من سنتين إلى عشر سنوات.

وعلى هذا الأساس، فإنّ التصدي لهذه الظاهرة يستدعي، عادة، تدخل مصالح أخرى تفوق صلاحيات مديريات التجارة على مستوى الولايات الحدودية المعنية، أو أعوان المراقبة التابعة لها.

حيل المهربين في الجزائر

ابتدع المهربون للوقود من الجزائر إلى خارجها عبر الحدود العديد من الأساليب، للنفاذ من بين أصابع الرقابة، ولعلّ أبرز ما يستعمل هؤلاء الشباب من قاطني المناطق الحدودية، المدفوعين تارة بانتشار مخيف للبطالة وانعدام الآفاق، وأخرى بالسعي وراء الربح والثراء السريع، الدواب، ولا سيما الحمير من أجل نقل المواد المهربة بطريقة غير مسبوقة.

ويلجأ هؤلاء الشباب، حسب شهادات مقربين منهم، إلى تدريب الحمير بأسلوب استثنائي، يجعل من هذه الدواب تقوم بمهمة نقل المواد المراد تهريبها وتوصيلها إلى الوجهة المحددة، بطريقة شبه "آلية" وعبر مسالك وعرة، يصعب على أجهزة الأمن والمراقبة الوقوف عليها، حيث يعمد الممارسون لهذه النشاطات إلى تحفيظ مسار معين للحمير، من خلال منعها من ورود الماء إلا عند نقطة محددة، ثم تعطيشها في كل مرة يجري فيها نقل البضائع من خزانات الوقود، وتركها بمفردها لتنقل الشحنة لبلوغ منطقة محددة، تكون مكاناً للتسليم خارج حدود الجزائر، وبالتالي ينفذ المهربون من المتابعة وينجون من العقاب في حالة اكتشاف العملية.

بالإضافة إلى هذا، يستعمل المهربون أيضاً المركبات النفعية رباعية الدفع، المحملة بخزنات من الوقود، إلى جانب السيارات السياحية ذات خزانات الوقود الكبيرة، والتي تُملأ في ناحية الجزائر من الحدود على مستوى محطات الخدمات، ليعاد تفريغها في الناحية الأخرى من الحدود الشرقية أو الغربية على السواء.

إغراء فارق السعر

يغري الاختلاف الكبير في أسعار الوقود باختلاف أنواع، في الجزائر من ناحية، وفي تونس والمغرب من الناحية المقابلة، المهربين من أجل زيادة النشاط، على الرغم من كل المخاطر المصاحبة لهذه الأفعال المجرمة، إذ يحولها فارق السعر إلى "منجم ذهب" حقيقي يمكن تحقيق أرباح طائلة من ورائه، ما يجعل الظاهرة أمنية ذات أبعاد اقتصادية بامتياز.
وتنتشر ظاهرة تهريب الوقود نحو تونس شرقاً والمغرب غرباً، نظراً للاختلاف الكبير في سعر اللتر الواحد في محطات البنزين بين الدول الثلاث، إذ يصل لتر البنزين الخالي من الرصاص المدعّم في الجزائر إلى 43.71 ديناراً أي 0.32 دولار، ويسوق سعر الديزل بـ29.01 ديناراً وهو ما يعادل 0.21 دولار، في حين يبلغ سعره في المغرب 13.47 درهماً (1.52 دولار)، أي أغلى بنحو خمس مرات من الجزائر، وفي تونس يبلغ السعر 1.75 دينار (0.72 دولار)، وهو السعر الذي يعادل قرابة ثلاث مرات سعره في الجزائر.

مراجعة سياسة دعم الأسعار

من بين الطرق التي تحاول الجزائر التعامل بها لمواجهة هذه الظاهرة أيضاً، إعادة النظر في سياسة دعم الأسعار من خلال توجيهه لمستحقيه من الفئات ذوي الحاجة في المجتمع، بدلاً من صبّه مباشرة في سعر المنتج، وهو ما يترجم من خلال مراجعة هامش الربح لـ"نفطال" خلال عمليات تسويق الوقود، للمحافظة على التوازن المالي للمؤسسة والمواصلة في تقديم الخدمات العمومية المكلفة بها.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

وتتبنى الحكومة الجزائرية مؤخراً هذا التوجه، بالموازاة مع سعيها للحفاظ على الطابع الاجتماعي للبلاد، بحكم أنّ قانون المالية لسنة 2025 اعتبره "خطاً أحمر" لا يمكن المساس به تحت أي ظرف، ومن هذا المنطلق فقد فتحت الحكومة ورشة ملف الدعم، عبر الإعداد لبطاقة وطنية بالتنسيق مع وزارة التضامن، ومصالح الضمان الاجتماعي، لإحصاء الأسر ذوات الدخل الضعيف المستحقة للدعم، قصد ضخ هذه المستحقات في شكل منح شهرية، وتحرير تبعاً لذلك أسعار المواد المعنية بالدعم.

الاستعانة بالبطاقة الإلكترونية

عملت مؤسسة نفطال على تطوير استعمال البطاقات الإلكترونية للتزود بالوقود، من خلال التنسيق والشراكة مع مجموعة من البنوك، يأتي على رأسها بنك الجزائر الخارجي، بالموازاة مع سعي المؤسسة لإطلاق بطاقة بديلة خاصة بها للدفع المسبق تُعبأ على مستوى المؤسسة وليس من الرصيد البنكي هي "نفطال كارد"، الموجهة أساساً إلى المؤسسات والهيئات الإدارية وأسلاك الدولة، في انتظار أن تعمم هذه الآلية إلى على الزبائن الآخرين، عن الطريق الاتفاق مع مؤسسة بريد الجزائر في مرحلة لاحقة.
وتشير نتائج المؤسسة في هذا الشأن إلى انخراط 120 مؤسسة، من بينها شركات اقتصادية، وهيئات إدارية، وجامعات، ومصالح الشرطة والجيش وغيرها، فضلاً عن توزيع 13 ألف بطاقة "نفطال كارد".
وتخسر الخزينة العمومية حوالي 1.3 مليار دولار سنوياً جراء انتشار ظاهرة تهريب الوقود نحو الخارج، حيث تشير التقارير الرسمية إلى أنّ حوالي 600 ألف سيارة في المغرب وتونس تسير بالوقود الجزائري المدعم، والذي تتحمل خزينة الدولة هامشاً كبيراً ما بين فارق السعر الحقيقي (تكلفة إنتاجه، نقله وتوزيعه) وبين السعر الفعلي، في إطار حفاظ الدولة على طابعها الاجتماعي.
وفي هذا الشأن، تحبط قوات الجيش وأعوان الجمارك، بشكل يكاد يكون متواصلاً، عمليات لتهريب الوقود على طول الحدود الجزائرية، غرباً وشرقاً وجنوباً، بينما تكشف باستمرار مخازن غير شرعية للوقود المجهز للتهريب، بصرف النظر عن العمليات التي لا تكتشف، في حين تشير التقارير إلى أنّ 60% من الوقود المهرب يتجه نحو المغرب، على الرغم من غلق الحدود البرية بين البلدين منذ سنة 1994، ويتجه 30% إلى تونس، والباقي يهرب عبر الحدود الجنوبية نحو مالي بصفة خاصة.

المساهمون