استمع إلى الملخص
- تبرر الحكومة الزيادات بمعالجة التراخي وسوء الإدارة، مع مراعاة صغار المستأجرين، لكن الانتقادات تتصاعد في المناطق الريفية الفقيرة التي تعتمد على الزراعة.
- يواجه القطاع الزراعي تحديات إضافية مثل ارتفاع أسعار الفائدة على التمويل، مما يهدد بتآكل الطبقة الوسطى الزراعية وزيادة الفقر في الريف.
يشهد سوق إيجارات الأراضي الزراعية في مصر حالة ارتباك غير مسبوقة، فجرتها قرارات حكومية برفع القيم الإيجارية لأراضي الإصلاح الزراعي التابعة لوزارتي الزراعة والأوقاف إلى مستويات تفوق قدرة المزارعين على السداد. فقد رفعت وزارة الزراعة قيمة الإيجار السنوي للفدان (4200 متر مربع) في بعض المناطق إلى 27 ألف جنيه (540 دولارا)، بينما تراوحت إيجارات أراضي الأوقاف بين 15 ألف جنيه (300 دولار) و45 ألف جنيه (900 دولار) للفدان. وأكد نقيب الفلاحين، حسين أبو صدام، لـ"العربي الجديد" أن بعض لجان الأوقاف رفعت الإيجار من 19 ألف جنيه (380 دولارا) إلى 54 ألف جنيه (1080 دولارا) مرة واحدة، وهو ما فجر غضبا واسعا بين الفلاحين.
وتأتي القفزة الحادة في الأسعار في وقت تعاني الزراعة المصرية من ارتفاع جنوني في تكاليف الإنتاج ومنها الأسمدة والبذور ومنتجات الطاقة والكهرباء، الأمر الذي يهدد بزيادة أسعار الغذاء ورفع معدلات التضخم وتعميق الفقر في الريف. وفي أول ردة فعل قوية، انتقد أبو صدام قرارات رفع الإيجارات، مؤكدا أنها جانبت الصواب واعتمدت على معلومات غير دقيقة، محذرا من أن الزيادات الحالية تثقل كاهل المزارعين وتدفعهم إلى حافة الخروج من العملية الإنتاجية. وأوضح أن مقارنة إيجارات أراضي الأوقاف بالأراضي المجاورة غير عادلة، لأن بعض ملاك الأراضي يرفعون الإيجارات بشكل مبالغ فيه مستغلين حاجة المزارعين، مشيرا إلى أن مزارعي الأوقاف هم من استصلحوا الأرض وخصبوها عبر عقود طويلة. وطالب نقيب الفلاحين بإعادة النظر في الزيادات لتتناسب مع قدرة الفلاحين وجودة الأرض، مقدرا القيمة العادلة بـ 25 ألف جنيه (500 دولار) للفدان.
تبريرات حكومية
على الجانب الرسمي، قالت وزارة الأوقاف إن إعادة تقييم الإيجارات جاءت لمعالجة التراخي وسوء الإدارة في العقود القديمة، وإن لجنة فنية كشفت خللا كبيرا في بعض التعاقدات، ما استدعى إعادة هيكلة المنظومة وتقسيم الأراضي إلى أربع فئات: ممتازة، جيدة، متوسطة، وضعيفة، مع مراعاة صغار المستأجرين. لكن هذه التبريرات لم تمنع تصاعد الانتقادات، خاصة أن الزيادات طاولت مناطق ريفية فقيرة في دلتا النيل ومحافظات الفيوم وأسيوط، حيث تعتمد الأسر على الزراعة مصدر رزق وحيداً. وتأتي أزمة الإيجارات في لحظة حساسة يعاني فيها القطاع الزراعي من ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج. فقد ارتفعت أسعار الأسمدة إلى مستويات قياسية، وقفزت أسعار السولار والكهرباء اللازمة للري، وتضاعفت تكلفة النقل بسبب زيادات الوقود والجمارك، إلى جانب ارتفاع أجور العمالة الزراعية.
ويقول أبو صدام إن العملية الزراعية غير اقتصادية منذ ثلاثة عقود، لكن الزيادات الأخيرة قد تدفع كثيرين إلى ترك الأرض نهائيا. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كان تضخم الغذاء المحرك الأكبر لارتفاع التضخم العام خلال الأشهر الأخيرة. ويرى اقتصاديون أن رفع إيجارات الأراضي سيزيد تكاليف الإنتاج، ما سينعكس مباشرة على أسعار الخضراوات والفاكهة والحبوب والدواجن والأعلاف. ويحذر الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني من أن السياسات المتراكمة تعصف بالأمن الغذائي وتزيد معدلات الفقر، مشيرا إلى دراسة حديثة تظهر أن ارتفاع أسعار الغذاء كان المتغير الأكثر تأثيرا في توسع دائرة الفقر خلال العامين الماضيين. وأضاف أن أي زيادة في تكاليف الإنتاج تعني زيادة في أسعار الغذاء، وبالتالي تفاقم الفقر؛ لأن الأسر المصرية تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الطعام.
أعباء إضافية
ولا تقتصر الأزمة على الإيجارات، إذ يواجه القطاع الزراعي عبئا آخر يتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة على التمويل الزراعي، حيث تتراوح الفائدة بين 21.2% و22%، ما يصعب على المزارعين تمويل شراء البذور والأسمدة والمعدات. ويقول فلاحون إنهم يعملون طوال العام لتغطية تكاليفهم فقط دون تحقيق ربح، مؤكدين أن الزيادات الحكومية ستدفع القطاع الخاص أيضا لرفع الإيجارات لتصل في الأراضي القريبة من النيل إلى 20 ألف جنيه (400 دولار) وحتى 30 ألف جنيه (600 دولار)، وفي الأراضي الصحراوية الجديدة إلى نحو 10 آلاف جنيه (200 دولار). ويرى خبراء أن المتضرر الأكبر من الزيادات في إيجارات الأراضي الزراعية هم صغار الفلاحين الذين تقل حيازاتهم عن 3 أفدنة، والريف الفقير الذي يعتمد على الزراعة المنزلية. ويحذرون من أن زيادة الإيجارات دون مراعاة خصوبة الأرض وقرب الخدمات وارتفاع أسعار المدخلات قد تدفع الفلاحين إلى تقليل المساحات المزروعة أو التوقف عن زراعة محاصيل استراتيجية مرتفعة التكلفة مثل القمح والذرة، وهو ما قد يزيد الفجوة الغذائية.
ويشير إلهامي الميرغني إلى أن استمرار السياسات الحالية يهدد بتآكل الطبقة الوسطى الزراعية، ويدفع الأسر الريفية إلى مزيد من الفقر، مؤكدا أن الريف الذي كان خزان الأمن الغذائي لمصر يواجه الآن ضغوطا قد تفجر موجة هجرة داخلية جديدة. ويضيف: "الفلاح اليوم يعمل بلا مظلة حماية اجتماعية، ومع ارتفاع الإيجارات والأسمدة والفائدة، تتحول الزراعة من مهنة إنتاج إلى معركة بقاء". ويطالب نقيب الفلاحين الحكومة بإعادة النظر في إيجارات أراضي الأوقاف والإصلاح الزراعي والمحافظات وأملاك الدولة وطرح النهر، بما يحقق المصلحة العامة ويمنع استغلال ملاك الأراضي للمستأجرين. ويختم أبو صدام قائلا: "هذه الأراضي مصدر رزق الملايين… ومن واجب الدولة أن تخفف عنهم، لا أن تثقل كاهلهم وتشيع السخط بينهم".