ثالث أكبر بنك حكومي مصري... صفقة بيع بنك القاهرة يلفها الغموض والتساؤلات

27 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:45 (توقيت القدس)
مقر بنك القاهرة وسط العاصمة المصرية، 14 يونيو 2024 (جون وريفورد/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- توجهات الحكومة لبيع بنك القاهرة: تسعى الحكومة المصرية لبيع بنك القاهرة، ثالث أكبر بنك حكومي، ضمن "وثيقة ملكية الدولة" لتوفير السيولة المالية ومواجهة الديون المتزايدة، مع تجنب المعارضة السياسية والشعبية.

- التقديرات المالية وخطط البيع: ارتفعت أصول بنك القاهرة من مليار دولار في 2008 إلى ثلاثة مليارات دولار في 2023. تشمل خطط البيع طرح أسهم في البورصة أو شراكة استراتيجية، مع استبعاد "مبادلة الديون"، لجذب استثمارات أجنبية.

- التحديات والمخاوف السياسية: تواجه الحكومة معارضة سياسية ومخاوف من بيع الأصول لشركاء أجانب غير موثوق بهم، مما قد يهدد الاقتصاد المصري. تسعى لتحقيق توازن بين علاقاتها بصندوق النقد الدولي والحفاظ على الأصول الاستراتيجية.

للسنة الرابعة على التوالي، تُنهي الحكومة عاماً آخر بالحديث حول طرح قادم لصالح بنك القاهرة وهو ثالث أكبر بنك حكومي، ضمن "وثيقة ملكية الدولة". جاء الحديث هذه المرة وسط تلميحات بالبيع من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وتصريحات مباشرة من وزيرة التخطيط، والرئيس التنفيذي لـ"صندوق مصر السيادي" المكلف بإدارة وبيع الأصول العامة". وأحيطت تصريحات المسؤولين بغموض شديد، يعده اقتصاديون "غموضاً مقصوداً" من الحكومة، خشية إثارة "معارضة سياسية" قبل إتمام الصفقة التي تعطلت كثيراً بسبب المعارضة السياسية والشعبية لبيع الأصول العامة، ورغبة الحكومة في توفير الأجواء المناسبة لإتمام الصفقة بأعلى عائد يوفر السيولة المالية، التي تمكّنها من مواجهة موجة ديون هائلة، تحاول الفكاك من قيودها بشتى السبل.

ووفقاً لتقديرات حكومية رسمية، بلغت أصول ثالث أكبر بنك حكومي عام 2008، نحو مليار دولار، وقدّرها خبراء عام 2023، بنحو ثلاثة مليارات دولار، مدفوعة بتحسّن الأداء المالي للبنك وزيادة صافي الأرباح السنوية، وامتلاكه قاعدة مليونية من العملاء وكبار المستثمرين والمصدّرين، الذين يتعاملون مع 124 فرعاً محلياً، وستة فروع في دول الخليج، وفرعين بدول الكوميسا بقارة أفريقيا. وتستبعد مصادر خاصة في سوق الأوراق المالية، أن يجري بيع أسهم بنك القاهرة ضمن خطة "مبادلة الديون"، باعتباره "ورقة ثقيلة تستخدم عند الحاجة القصوى" في مواجهة تزايد الديون، مع توقع بإدخاله في شراكة استراتيجية من دون نقل سيطرة الشركاء، وذلك مقابل إسقاط أو تخفيف دين بعينه، أو ضمن مبادلة جزئية، ببيع حصة لا تزيد عن 30% من أسهمه.

وتشير المصادر في تصريحات لـ"العربي الجديد" إلى أن خطة مبادلة الديون ترتكز على دعم الشركاء الأوروبيين بالأساس والمؤسّسات الدولية ودول الخليج، والتي ستجري عبر سلسلة صفقات صغيرة ومتوسطة لتفادي الصدمات السياسية والاقتصادية، في ظلّ ارتفاع المعارضة الشعبية لبيع الأصول العامة، واستهلاك عوائدها في سداد ديون قروض مشروعات لم يستفد منها المواطنون.

وفي هذا الصّدد، يذكر الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب لـ"العربي الجديد" أنّ الحكومة، عاجلاً أو آجلاً، ستطرح "بنك القاهرة" لبيع أصوله أو جزء منها ضمن خطة "الطروحات العامة" المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2022، والتي لم تلتزم بكل تفاصيلها حتّى الآن. ويؤكد عبد المطلب أن الحكومة تريد أن تثبت لإدارة صندوق النقد والمؤسسات المالية الدولية والدول الداعمة للنظام أنها جادة في تنفيذ "خصخصة القطاع العام والمشروعات المتفق على طرحها أمام القطاع الخاص، الذي أصبح مسؤولاً عن 68% من حجم الاستثمارات العامة في الدولة، وهي بذلك ستطرح الشركات الناجحة أو جزءاً منها مثل "بنك القاهرة" أمام القطاع الخاص لتشجيعه على عدم الإحجام عن تحمل مسؤولياته في التنمية الاقتصادية، وتحقيق معدلات نمو تضمن زيادة الصادرات والتشغيل والناتج الوطني الإجمالي، وخفض الضغط على طلب العملة الصعبة واستقرار الجنيه.

كذلك يوضح عبد المطلب أنّ موافقة صندوق النقد على صرف نحو 2.7 مليار دولار، منتصف يناير/كانون الثاني المقبل، بعد اعتماده منذ أيام المراجعتَين الخامسة والسادسة لبرنامج الاصلاح الاقتصادي، كشف عن وجود تفاهمات عميقة بين الحكومة والصندوق على استمرار عملية خصخصة القطاع العام وإعادة دمج الهيئات الاقتصادية وتقليص دور الدولة في الاستثمارات، على أن تكون تلك القيود بعيدة عن الجهات السيادية، والشركات المرتبطة بالأمن القومي، بما يحدث توازناً بين رغبة الحكومة في توثيق علاقتها بصندوق النقد وإبعاد ما يخصّ الأمن القومي عن برامج الخصخصة.

ويقترح الخبير الاقتصادي بأن يُطرح بنك القاهرة للبيع في شكل أسهم أمام جميع المصريين، ليستفيد الشعب من عوائد بيعه، ضمن خطة لتوسيع قاعدة الملكية العامة وفقاً لمفاهيم اقتصاد السوق، إذ يتحوّل حَمَلة الأسهم إلى ملاك مشاركين في الإدارة والرقابة على المال العام، لديهم سلطة تعيين مجالس الإدارات من الكفاءات التي تحقق أهداف حَمَلة الأسهم والجمعيات العمومية للشركات، ويكونون قادرين على استبدال الإدارة غير المؤهلة، بدلاً من أن تتدخل الدول في التعيين والإدارة، وفي حالة تمسك الحكومة بملكية غالبية الأسهم، يحق لها تعيين عضو بمجلس الإدارة، على أن يكون لحَمَلة الأسهم رؤية ورقابة فنية وشعبية، تضمن تحقيق النتائج الاقتصادية المرجوة.

ويشير عبد المطلب إلى أن الربع الأول من العام المقبل من أنسب الأوقات لطرح بنك القاهرة، في بورصة الأوراق المالية، في اكتتاب عام، مستشهداً بوجود الدراسات الفنية والموافقات المسبقة من هيئة سوق المال لعملية الطرح، ووجود فئة واسعة من المصريين ممن يملكون استثمارات تتراوح ما بين مليونَين إلى ثلاثة ملايين جنيه، غير قادرين على استثمارها حالياً في سوق الإسكان الذي يواجه تضخماً هائلاً في التسعير وركوداً في الطلب، ويخشون المخاطرة في سوق الذهب والفضة، وتوقفوا عن تدوير أموالهم في الدولار المتراجع، مع توقع بانخفاض معدل الفائدة على شهادات الادّخار التي ستدفع نحو تريليون جنيه من خزائن البنوك على مدار شهرين فقط، وتحتاج إلى وعاء استثمار كبير مثل "بنك القاهرة" لضخ هذه الأموال بها، بما يضمن بقاء البنك في خدمة عموم المصريين، ويعيد الثقة في سوق المال، ويحول دون المساءلة السياسية التي تخشاها الحكومة من الأحزاب والمواطنين الذين يطالبون الحكومة بوقف بيع الأصول العامة للأجانب.

لكن في اتجاه معاكس، يشير محلّلون ماليون إلى تجربة طرح الحكومة لـ"المصرف المتحد" الحكومي للبيع العام الجاري إلى أنها كانت درساً مهماً للحكومة، لعدم تحقيقها النتائج المتوقعة من الطرح العام في بورصة الأوراق المالية، لأن الأداء لم يعبر عن القيمة الحقيقة للأصول، وضعف السيولة في بعض شرائح المستثمرين، مع ضعف الطلب الداخلي مقارنة بحجم العرض، مؤكدين أنه رغم التعافي النسبي الذي شهدته البورصة المصرية في الربع الأخير من العام الجاري، فإنّ طرحاً كبيراً، مثل بنك القاهرة، يتطلب أكثر من أرقام صعود في المؤشرات، لأنه يحتاج إلى استراتيجية طروحات وتصنيف دقيق للطلب وسيولة قوية لدى المؤسسات، وإلّا فإنّ السوق قد يعيد تجربة المصرف المتحد، لكن بحجم أكبر ومخاطر أعلى.

وقد سبق أن كتب مدبولي في مقال صحافي نُشر في الآونة الأخيرة، أنّ "بنك القاهرة ضمن الأصول المملوكة للدولة التي تُدرس زيادة مشاركة القطاع الخاص بها خلال الفترة المقبلة، سواء عبر طرح في البورصة أو شريك استراتيجي".

وجاءت تصريحات وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، رانيا المشاط، أكثر وضوحاً مما خطه رئيس الوزراء الأسبوع الماضي، في إطار تسويقها سردية الحكومة الاقتصادية، إذ أشارت إلى بنك القاهرة، ضمن حديثها عن "البنوك العامة" التي تتحرك الحكومة لإعادة هيكلتها وفق "وثيقة ملكية الدولة"، بهدف جذب استثمار أجنبي مباشر وتحسين كفاءة الإدارة وتخفيف الضغوط التمويلية، مؤكّدة أن "بعض البنوك المملوكة للدولة مرشحة لإعادة هيكلة الملكية وليس التخارج الكامل، وقد يكون الطرح عبر البورصة أو شريك استراتيجي وفق ظروف السوق".

ورغم تعمّد الحكومة، عادة، عدم الإعلان مسبقاً عن أسماء الأصول المطروحة للبيع، لتفادي اضطرابات سوقية وحساسية سياسة أو ضغوط تفاوضية من الدائنين، فإنّ الحكومة أعلنت أكثر من مرة عن جاهزية بنك القاهرة للطرح العام سواءً للعرض على مستثمرين لبيع حصة تصل إلى 40% من أسهم البنك أو شراكة استراتيجية أو مبادلة دين مقابل ملكية جزئية أو الطرح في بورصة الأوراق المالية للاكتتاب العام، في إطار سعي الحكومة لحلّ أزمة الديون، عبر "التحوّل من إدارة الأزمة إلى تسييل الأصول"، وفقاً للوصف الذي حدّده مدبولي.

ويُعد بنك القاهرة أحد الأصول العامة الجاهزة للبيع كلياً أو للشراكة الاستراتيجية منذ 25 عاماً، إذ جرى تقييم أصوله مرات عدّة، وإعداد الملف المالي والسياسي والفحص النافي للجهالة، العام الماضي، من البنك المركزي وشركات محاسبة قانونية دولية ومحلية، إذ جرت مفاوضات سابقة مع مستثمرين خليجيين وبنوك، وذلك بالتوازي مع تقييم بعض البنوك والشركات التابعة للدولة، التي ستُطرح ضمن وثيقة ملكية الدولة المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي والمعطلة منذ ثلاث سنوات.

وبحسب تصريحات رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، فإنّ "الحكومة حريصة على إنهاء مرحلة الاقتراض التي تسبب في زيادة الدين الخارجي" بنحو 110 مليارات دولار خلال 10 سنوات لتصل إلى 161 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول 2026، مؤكداً في مقاله على منصة مجلس الوزراء، أن المرحلة المقبلة ستشهد مرحلة مبادلة الدين مقابل استثمارات مباشرة، تضمن أن يتنازل الدائن عن جزء من دينه أو يؤجّله مقابل حصة ملكية أو حقّ انتفاع طويل الأجل في مشروع داخل مصر، والتي سيجري تطبيقها في مشروعات حصص شركات مملوكة للدولة وأصول عقارية أو تشغيلية والبنية التحتية كالطاقة المستدامة والموانئ ومراكز الإمداد (اللوجيستيات)، بهدف تخفيف الضغط على الموازنة العامة وعن طلب الدولار وتحويل الدين إلى أصل منتج أو إعادة هيكلة قسرية للاقتصاد، والتي استهدفتها برامج الاصلاح الاقتصادي لصندوق النقد على مدار عقد كامل.

وفي أحدت تقرير صدر عن البنك المركزي المصري نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تبيّن أن مدفوعات الدين الخارجي المتوقعة لعام 2026، ارتفعت تقديراتها إلى 32.34 مليار دولار، بدلاً من 29.18 مليار دولار سابقاً، وتمثل أقساط القروض 26.62 مليار دولار مقابل 5.71 مليارات دولار فوائد الدين.

ويُخفي البنك المركزي المصري والحكومة توقعات حجم المبالغ المطلوب سدادها بين أعوام 2027 إلى 2029 وما بعدها في وقت تشير تقديرات اقتصادية إلى زيادة هائلة في حجم الديون الأجنبية إلى 200 مليار دولار بحلول 2030، حال اكتمال بناء المفاعل النووي الذي تبنيه روسيا حالياً شمال غربي البلاد، وبسبب استمرار الحكومة في الاقتراض أو إعادة الاقتراض، مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين وتأثرها بسعر الفائدة الدولية وسعر الصرف ومدة إعادة تمويل الدين. تستهلك فوائد الدين 80% من الإيرادات العامة، والاقتراض الجديد لم يعد حلاً في نظر الاقتصاديين، الأمر الذي جعل الحكومة تنظر إلى مبادلة الديون بوصفه ضرورة مالية وليس خياراً سياسياً فحسب.

مخاوف سياسية من بيع حصص لشركاء إسرائيل

يخشى سياسيون في مصر من "البيع البخس لثروات مصر من البنوك والشركات الناجحة" التي عادة ما تدرّ عوائد مالية جيّدة للموازنة العامة في البلاد، علماً أن أغلبها يحقّق أرباحاً بالعملة الصعبة (تحديداً الدولار) من عوائد تصدير منتجاتها وخدماتها إلى الخارج، ولا سيّما منها "بنك القاهرة"، الذي يعتبره مؤسّس حزب الاشتراكيين المصريين أحمد بهاء الدين شعبان أحد الأعمدة الداعمة للصادرات المصرية، إذ تخصّص منذ عقود في دعم الشركات وتوفير السيولة والضمانات المالية للمستثمرين المتعاملين في أسواق عربية وأجنبية عديدة.

وفي تصريح لجريدة "العربي الجديد"، يحذّر شعبان من خطورة تسرّب كيانات مالية كبيرة مثل "بنك القاهرة" في أيدي شركاء أجانب غير موثوق في نيّاتهم الاستثمارية في دولة مصر، مع معلومات متداولة عن ارتباط بعضهم باتفاقات استراتيجية مع الكيان الإسرائيلي، توفر لحاملي الجنسية الإسرائيلي التصرّف بحيازة تلك الأصول بسهولة، من دون قدرة مصر على الاعتراض على إجراءات نقل الأصول لطرف ثالث، بما يمثل تهديداً للاقتصاد والدولة برمّتها.

المساهمون