مصر: رحلة شراء ملابس السجن تنتهي في "التوحيد والنور"

08 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

قبل ستة عشر شهرًا، اضطرت الطالبة مي ع. أن تترك دراستها في العاصمة البريطانية لندن، وتسافر إلى مصر، بعد إلقاء القبض على شقيقها محمد، فجأة ودون مقدمات. علمت من أسرتها أن قوات الأمن المصرية اقتحمت المنزل، وفتشته، واعتقلت شقيقها الذي ظهر بعد فترة اختفاء قسري في النيابة على ذمة قضية سياسية بالاتهامات الدارجة "الانضمام لجماعة إرهابية، والتحريض" وغيرها.

ما بين رحلات البحث عن محمد حتى ظهوره في النيابة، مرورًا برحلات البحث عنه في أقسام الشرطة والنيابات حتى تم ترحيله لسجن مزرعة طرة، جنوبي القاهرة، ووصولًا لرحلات زياراته التي عطلها كثيرًا انتشار وباء كورونا الجديد (كوفيد-19)، اكتشفت مي رحلة بحث جديدة لم تتوقعها، لشراء ملابس السجن لشقيقها، على أن تكون بيضاء بلا أي علامات أو شعارات أو علامات تجارية.

كتبت مي عبر حسابها الخاص على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، منشورًا طلبت فيه من أي شخص مر بتلك التجربة من قبل أن يدلها على مكان لشراء "ترنج" (قميص وبنطلون قطن باللون الأبيض)، حيث هو الوحيد المسموح به في السجن.

فانهالت عليها التعليقات، وكان من بينها تجربة أحدهم "كنت أشتري ترنج من محل في منطقة شبرا، وكانت معظم الموديلات موجود منها باللون الأبيض فقط وبكميات كبيرة ومقاسات متعددة".

وأضاف: "عندما سألت عن ألوان من موديلات أعجبتني، فوجئت بالشاب في المحل يقول لي: لا يوجد غير الأبيض. ومع تعجبي، بادر بالرد: عليه إقبال كثيف من قبل أهالي السجناء على مدار السنوات الماضية، وشهدت الفترة الأخيرة مساجين كثر من إخوان وطلاب وسياسيين وغيرهم، بأعداد كبيرة"، قبل أن يدون لها عنوان هذا المتجر.

 

أما باقي التعليقات، فكانت أغلبها تصف في إجابة مكررة "موجود في التوحيد والنور". إذ نصحها عدد من أهالي المعتقلين بشراء ملابس ومستلزمات السجن من "التوحيد والنور"، لأنها مطابقة للمواصفات التي تنص عليها لائحة السجون، فضلًا عن الميزة النسبية وهي أن أسعارها ملائمة لكل فئات المجتمع المصري.

"التوحيد والنور" هو سلسلة محلات كبيرة منتشرة في جميع المحافظات المصرية منذ أكثر من 60 عامًا، يزيد عدد فروعه عن 70 فرعًا تعرض ملابس وأجهزة ومستلزمات للبيت والأسرة بأسعار تناسب الفئات الأقل دخلًا وذوي الدخول المتوسطة.

وقبل أيام ألقي القبض على مالكه رجل الأعمال المصري سيد السويركي، وسط مخاوف من سيطرة النظام المصري الحالي على هذه الإمبراطورية الضخمة التي أسسها السويركي من مخزن صغير إلى سلسلة فروع عملاقة.

اشتهر السويركي عام 2002 بقضية شغلت الرأي العام المصري، عندما جمع بين 5 نسوة في عصمته بمخالفة للشريعة الإسلامية، والقانون، فحكم عليه بالسجن 7 سنوات، تم تخفيفها في الاستئناف لـ3 سنوات فقط. ورغم ذلك استمرت استثماراته في النمو والتوسع بسبب استهدافه الطبقات الفقيرة ومتوسطي الدخل الذين أقبلوا على شراء منتجات متاجره.

لكن التهمة الجديدة التي ألقي القبض عليه بسبها هي الانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها، وهي نفسها التهم التي وجهت لرجل الأعمال المصري صفوان ثابت، الذي ألقي القبض عليه في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، وكذلك وزير القوى العاملة والهجرة المصري السابق خالد الأزهري، الذي تتهمه السلطات المصرية بـ"مشاركة جماعة إرهابية أنشئت على خلاف أحكام القانون، الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين، ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، وتمويل جماعة إرهابية بقصد تكدير السلم العام في إطار أهداف جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، التي تستهدف زعزعة الثقة في الدولة المصرية ومؤسساتها".

 

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ويبقى مصير سلسلة "التوحيد والنور" مرهونًا بالأوضاع السياسية والمساومات التي تجريها السلطات المصرية كل فترة مع رجال الأعمال للحصول على دعم وتبرعات لصالح صندوق تحيا مصر، أو إفساح السوق لشركات تتبع جهات سيادية في الدولة، وتحديدًا الجيش.

مصير العاملين في الفروع، حسمه الأمين العام لاتحاد عمال مصر الرسمي، ورئيس النقابة العامة للعاملين بالتجارة، محمد وهب الله، بقوله في تصريحات صحافية "لن يضار أي عامل من عمال الشركة، لأن التوحيد والنور شركة مساهمة، ومجلس إدارة التوحيد والنور تمثله مجموعة من الأشخاص الذين يديرونه وليس شخصًا واحدًا بمجرد تعرضه لشيء تتأثر المحال".

وقال في تهديد مبطن: "باب نقابة التجارة واتحاد العمال مفتوح، حال حدوث أي تقصير في صرف المستحقات للعمال والموظفين بمحال التوحيد والنور".

وكانت سلسلة فروع التوحيد والنور قد أقدمت على عملية تطوير خلال الفترة الماضية، توقع منها البعض بيعه لصالح مستثمر جديد، بالإضافة إلى إضفاء شخصية جديدة على الإمبراطورية العملاقة، بتحويل الاسم من "التوحيد والنور" لاختصار الأحرف الأولى من الاسمين بالإنكليزية "T&N".

وتأثرت سلسلة فروع التوحيد والنور كغيرها من الأنشطة التجارية والاقتصادية بالأزمة التي خلفها انتشار وباء فيروس كورونا الجديد "كوفيد-19". وجاءت خطة التطوير الأخيرة كنوع من الدعاية، وإعادة الترويج لسلسلة المحلات الأشهر والوجهة الأولى لدى محدودي ومتوسطي الدخل في مصر.

 

ويبدو أن الأزمة الحالية بالقبض على مالك السلسلة الشهيرة، ستعمق من الأزمة والركود، وهنا تتزايد المخاوف على مصير هذا الكيان العملاق الذي كان ينافس مشروعات الحكومة التي تستهدف محدودي ومتوسطي الدخل، مثل سلسلة متاجر "عمر أفندي"، التي سجلت خسائر بالجملة خلال السنوات الماضية، والتي وصلت لما يفوق 550 مليون جنيه مصري إبان ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، نتيجة توقف المصنع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2008 إلى 21 مارس/ آذار 2010، حسب تقارير رقابية مصرية. وتورطت سلسلة "عمر أفندي" في شبح الخصخصة لسنوات، نتيجة إهدار المال العام والخسائر الفادحة التي سقطت فيها.

وحسب مراقبين، فإن السلطات المصرية تكيل بمكيالين في التعامل مع رجال الأعمال، إذ تجنبت ملف استرداد الأموال المنهوبة من رجال أعمال متورطين في قضايا فساد، في حين تلاحق رجال أعمال آخرين بتهم فضفاضة، ومنها تمويل الإرهاب.

ويعمد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ابتزاز رجال الأعمال الذين أثبتوا نجاحاً ملفتاً في مجالاتهم، ولم يظهروا ولاء كاملا لنظامه، عن طريق اعتقالهم لفترة من الوقت مقابل دفعهم للأموال نظير إخلاء سبيلهم، ومن بينهم صفوان ثابت، بحجة أنه حفيد المرشد العام السابق لجماعة "الإخوان" المستشار حسن الهضيبي، والذي يدير شركة "جهينة" التي يتجاوز رأس مالها المليار جنيه، ويعمل بها نحو 2800 موظف مصري.

وقالت شركة "جهينة" للصناعات الغذائية، أكبر منتج للألبان والعصائر المعبأة في مصر، في بيان لها، يوم الأربعاء قبل الماضي، إنه "تم التحفظ على رئيس مجلس إدارة الشركة على ذمة تحقيقات". وأضافت الشركة أنها "ليست لديها معلومات عن مضمون التحقيقات، أو معلومات أخرى في هذا الشأن".

المساهمون