مصرف ليبيا المركزي يخفض الدينار وسط قلق اقتصادي

19 يناير 2026   |  آخر تحديث: 11:09 (توقيت القدس)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، 27 اغسطس 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قرر مصرف ليبيا المركزي خفض قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7% لمواجهة التحديات الاقتصادية الناتجة عن الانقسام السياسي وتراجع أسعار النفط، مما يثير قلقاً بشأن تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

- أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة شدد على ضرورة تقليص الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، بينما أشار المحلل المالي سليمان الشحومي إلى فشل محاولات المصرف السابقة في معالجة الانكماش الاقتصادي.

- المحلل الاقتصادي محمد الشيباني توقع استمرار خفض قيمة الدينار بسبب الإنفاق المنفلت وغياب سياسة مالية موحدة، محذراً من الضغوط على سعر الصرف وتآكل القدرة الشرائية.

قرر مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي خفض قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7%  مقابل وحدة حقوق السحب الخاصة، ليصبح كل دينار معادلاً 0.1150 وحدة بدلًا من 0.1348  وحدة، وذلك خلال الاجتماع الأول للجنة السياسة النقدية للعام 2026. وقال المصرف في بيان رسمي إن القرار يأتي في إطار متابعة التطورات الاقتصادية والمالية الراهنة، وما يواجهه الاقتصاد الوطني من تحديات ناجمة عن الانقسام السياسي المستمر وتأثيراته السلبية على النشاط الاقتصادي، إلى جانب المتغيرات الدولية، ولا سيما تراجع أسعار النفط وما ترتب عليه من انخفاض في الإيرادات النفطية.

يأتي خفض قيمة الدينار في ظل قلق متزايد من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات. في السياق، أوضح مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية أحمد أبولسين لـ"العربي الجديد"، أن هذا الإجراء يحمل تداعيات سلبية كبيرة، قائلا: "خفض قيمة الدينار سيؤدي إلى تآكل المدخرات، وارتفاع الأسعار، وفرض ضرائب جديدة على السلع، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور حاليًا ما يعادل 140 دولاراً". وأضاف أن القرار سيدفع المواطنين إلى التوجه نحو السوق لتأمين الاحتياجات الأساسية، في وقت يبقى فيه الجهد الرسمي للإنعاش الاقتصادي محدوداً ومجزأً.

من جانبه، رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عمر زرموح أن على المصرف المركزي التركيز على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية. وقال لـ"العربي الجديد" إن عرض النقود ارتفع بوتيرة متسارعة بين عامي 2010 و2025، بمعدل نمو سنوي يبلغ نحو 10.6%، أي بزيادة تقدر بنحو 80 مليار دينار، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي إلى حد كبير.

أما المحلل المالي سليمان الشحومي فعلق بالقول: "مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي عدّل اليوم سعر الصرف ليصبح 6.39 دنانير للدولار، وكل عام يتقدم السعر الرسمي إلى الأمام بينما ينزاح المواطن إلى الخلف، وتنطلق الطبقة المرموقة بسرعة الضوء". وأضاف لـ"العربي الجديد" أن محاولات المصرف السابقة لمعالجة الانكماش الاقتصادي فشلت جزئيا، معتبراً أن القرار الحالي يكشف نصف الحقيقة فقط، ويترك تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاقتصاد الوطني في ظل استمرار الانقسام السياسي.

الانقسام المالي يمهّد لتخفيض جديد

بدوره، قال المحلل الاقتصادي محمد الشيباني إن خفض قيمة الدينار الليبي مرشح للاستمرار خلال الفترة المقبلة، في ظل ما وصفه بحالة الإنفاق المنفلت بين حكومتين متوازيتين تتقاسمان المشهد التنفيذي والمالي، من دون وجود سياسة مالية موحدة أو سقف واضح للإنفاق. وأوضح أن خفض قيمة العملة بات يُستخدم أداةً غير مباشرة لتوفير موارد إضافية بالعملة المحلية، تمكّن كل طرف من تغطية التزاماته الجارية، في وقت تتراجع فيه الإيرادات الحقيقية، وتنخفض أسعار النفط، ويستمر الانقسام السياسي والمؤسسي الذي يعطّل أي إصلاحات هيكلية جادة. وأضاف أن التخفيض الأخير لن يكون نهاية المطاف، مرجحا اتخاذ خطوة مماثلة خلال العام المقبل ما لم يتحقق توافق فعلي على توحيد إدارة المالية العامة وضبط الإنفاق. 

واعتبر الشيباني أن التفاهمات المعلنة بين الحكومتين بشأن توحيد الصرف وترشيده ما زالت حتى الآن حبرا على ورق، في ظل غياب آليات تنفيذ واضحة، واستمرار كل طرف في إدارة موارده بصورة منفصلة. وحذّر من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى مزيد من الضغوط على سعر الصرف ومستوى الأسعار، وزيادة تآكل القدرة الشرائية للمواطن، مؤكدا أن أي معالجة لا تنطلق من إنهاء الازدواجية في القرار المالي والنقدي ستبقى حلولًا مؤقتة تدور في حلقة مفرغة.

وكان مصرف ليبيا المركزي قد خفّض سعر صرف الدينار في إبريل/نيسان من العام الماضي بنسبة 13.3% مقابل الدولار الأميركي، ليصل إلى 5.5677 دنانير للدولار، في أول خفض رسمي منذ عام 2020 حين جرى تثبيت السعر عند 4.48 دنانير. ويأتي الإجراء الحالي في ظل استمرار الضغوط المالية والانقسام المؤسسي، فيما بلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 8.70 دنانير، ما يعكس فجوة واسعة بين السعر الرسمي وسعر السوق غير الرسمية. وفي سياق متصل، أقرّ مجلس النواب الليبي في بنغازي دينا عاما مصرفيا محمّلًا على الخزانة العامة حتى عام 2025، تجاوزت قيمته 303.4 مليارات دينار ليبي (نحو 55 مليار دولار)، وفق ما نُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول 2025.

وتعيش ليبيا منذ مارس/آذار 2022 حالة ازدواج في السلطة التنفيذية، مع تنافس حكومتين على إدارة البلاد، الأولى حكومة الوحدة الوطنية الموقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومقرها طرابلس، والثانية حكومة الاستقرار المدعومة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، والمتمركزة في شرق البلاد. ويعكس هذا الواقع عمق الانقسام السياسي والمؤسسي، وانعكاساته المباشرة على المالية العامة والسياسة النقدية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الليبي تحديات متزايدة تتجاوز قدرة الحلول النقدية وحدها على احتوائها.