مشروع صيني لكسر الهيمنة الأميركية.. هل ينجح؟

03 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:51 (توقيت القدس)
رؤساء دول منظمة شنغهاي، تيانجين، الصين، 31 أغسطس 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة منظمة شنغهاي 2025 إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، مع تقليل الاعتماد على الغرب وإنشاء مؤسسات بديلة تلبي مصالح الجنوب العالمي، مثل بنك تنمية جديد ومركز للذكاء الاصطناعي.

- ترتكز المبادرة على ثلاث ركائز: تأسيس بنك تنمية لتمويل البنية التحتية، تقديم حزم تمويل ميسّرة، والتعاون التكنولوجي من خلال مركز للذكاء الاصطناعي، بهدف بناء اقتصاد متعدد المستويات.

- تواجه المبادرة تحديات مثل ضعف اليوان وغياب مؤسسات قوية، لكن التوقعات تشير إلى أن منظمة شنغهاي قد تعزز التجارة البينية وتعيد تشكيل النظام المالي العالمي.

تتسارع التحولات في موازين الاقتصاد العالمي على نحو لم يشهده العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع كل أزمة مالية أو تجارية كبرى، يتجدد النقاش بشأن مستقبل النظام الدولي وهيمنة الدولار والمؤسسات الغربية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وفي هذا السياق، جاءت مبادرة الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي انعقدت في تيانجين في الأول من سبتمبر/أيلول 2025، حيث دعا إلى إقامة "نظام عالمي جديد" يقوم على تعددية قطبية حقيقية، وعلى تقليص اعتماد الدول على الغرب، وخلق مؤسسات بديلة تستجيب لمصالح الجنوب العالمي. 

المبادرة لم تكن خطابا سياسيا فحسب، بل ترافقت مع خطوات عملية أبرزها: الإعلان عن إطلاق إجراءات لتأسيس بنك تنمية جديد للمنظمة، وإنشاء مركز للتعاون في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعهد بكين بتقديم 2 مليار يوان (280 مليون دولار) مساعدات مجانية و10 مليارات يوان (1.4 مليار دولار) قروضا ميسّرة لأعضاء المنظمة.

وأثارت مبادرة الرئيس الصيني جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية والسياسية على حد سواء، حيث انقسمت الآراء بين من يراها محاولة جادة لإعادة صياغة النظام المالي الدولي، ومن يعتبرها استعراضا سياسيا محدود التأثير. فالصين، التي تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، باتت ترى نفسها في موقع يخولها ليس فقط منافسة الولايات المتحدة اقتصاديا، بل أيضا صياغة بدائل مؤسسية للنظام المالي الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعد صندوق النقد والبنك الدوليان من أبرز أدواته.

وتأتي مبادرة شي في سياق عالمي بالغ التعقيد، إذ يواجه النظام الاقتصادي الدولي ضغوطا متزايدة بسبب تصاعد الحرب التجارية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتراجع ثقة الأسواق في استقرار سلاسل التوريد العالمية، إضافة إلى الأعباء الثقيلة المترتبة على الاقتصادات الناشئة نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية. كل ذلك أضفى على مبادرة الرئيس الصيني بعدا رمزيا يتجاوز حدود منظمة شنغهاي، ليقرأ باعتباره تحديا مباشرا لهيمنة واشنطن المالية.

مكونات "النظام الجديد" وردّ واشنطن

تقوم المبادرة الصينية على ثلاث ركائز مؤسسية رئيسية تهدف إلى منح منظمة شنغهاي للتعاون بعدا ماليا واقتصاديا مستقلا عن النظام الغربي. الركيزة الأولى هي تأسيس بنك تنمية جديد تابع للمنظمة، يمول مشاريع البنية التحتية والتكامل الاقتصادي بين أعضائها. ووفقا لأسوشييتد برس، فقد أعلن شي أن هذا البنك سيكون بمثابة أداة مالية لتقليل اعتماد دول الجنوب على البنك الدولي وصندوق النقد، اللذين ينظر إليهما باعتبارهما مؤسستين خاضعتين للهيمنة الأميركية. ورغم أن رأس المال المتوقع للبنك الجديد لن يتجاوز في مرحلته الأولى 30 - 40 مليار دولار، فإنه يمثل خطوة رمزية لتحدي "الهيمنة المالية" الغربية.

والركيزة الثانية هي حزم التمويل الميسّر التي عرضتها الصين. فقد تعهدت بكين بتقديم 2 مليار يوان (280 مليون دولار) مساعدات مجانية و10 مليارات يوان (1.4 مليار دولار) قروضا ميسّرة لدول المنظمة هذا العام. وتبدو هذه الأرقام متواضعة مقارنة بالبنك الدولي الذي يدير قروضا نشطة تتجاوز 400 مليار دولار، لكن بحسب محللين فإنها تكشف عن توجه استراتيجي صيني نحو "شراء النفوذ" من خلال تمويل بدائل ولو محدودة. 

أما الركيزة الثالثة فهي التعاون التكنولوجي والعلمي، حيث أعلن شي عن إنشاء مركز للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، مع دعوة الدول الأعضاء للمشاركة في محطة بحثية صينية على سطح القمر. في إشارة إلى أن المشروع لا يقتصر على التمويل والبنية التحتية، بل يسعى أيضا إلى ربط دول المنظمة بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الفائقة، وهو ما يعزز فكرة بناء اقتصاد متعدد المستويات يمكنه منافسة الغرب في ميادين المستقبل.

وفي هذا السياق، حذر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أن مثل هذه التحركات لا تغير الواقع البنيوي، ووصف الصين والهند وروسيا بأنها "جهات فاعلة سيئة" لدورها في تمويل الحرب الروسية عبر شراء النفط وإعادة بيعه، معتبرا أن قمة شنغهاي "استعراض سياسي". وقال في مقابلة مع فوكس نيوز، الاثنين الماضي، إن الصين لن تستطيع تعويض الأسواق الغربية بأسواق الجنوب، لأنها تفتقر إلى مستويات دخل مرتفعة قادرة على استيعاب صادراتها.

تحولات بموازين القوى الاقتصادية

وتشير بيانات رسمية إلى أن منظمة شنغهاي للتعاون تضم دولا تمثل أكثر من 40% من سكان العالم وتتحكم بجزء معتبر من موارد الطاقة العالمية. كما بلغ حجم التجارة بين الصين ودول المنظمة نحو 190 مليار دولار في 2024 بزيادة 18% عن العام السابق، بحسب وكالة شينخوا الصينية. ولا تزال مجموعة السبع تهيمن على نحو 44% من الناتج العالمي الاسمي، بينما تمثل بريكس حوالي 30%. لكن عند احتساب الناتج وفق تعادل القوة الشرائية، تتفوق بريكس بنسبة 40 -41%. إضافة إلى ذلك، استحوذت الصين والهند معا على أكثر من 28% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمية في 2024، متفوقتين على الولايات المتحدة التي استحوذت على 20%، بحسب بيانات "أونكتاد". 

هذه الأرقام دفعت بعض الخبراء مثل الاقتصادي الأميركي ريتشارد وولف إلى التأكيد أن التغيرات الكمية في الناتج والسكان تمنح الصين وحلفاءها القدرة على صياغة بدائل حقيقية، حتى لو استمرت الولايات المتحدة في فرض تعرفات جمركية متكررة. وأضاف وولف أن السياسات الأحادية لترامب تجاه الهند تحديدا تبدو أشبه بمحاولة ضغط بلا أثر جوهري، لأنها لا تغير من حقيقة أن نيودلهي جزء من سوق آسيوي متكامل يتنامى بسرعة، بحسب موقع "إيكونوميك تايمز" الهندي.

وفي المقابل، يحذر خبراء هنود مثل سواميناثان آييار من أن مشاهد الدفء في قمم مثل شنغهاي قد تكون مضللة، مشددا على أن الهند ما زالت ترى الصين منافسا استراتيجيا، رغم انخراطها في آليات مثل بريكس وشنغهاي، خصوصا مع استمرار الخلافات الحدودية والتنافس على النفوذ في آسيا. وأضاف آييار أن الاقتصاد الهندي أثبت مرونة قوية في مواجهة الضغوط الجمركية الأميركية، حيث سجل نموا بلغ 7.8% في الربع الأول من السنة المالية 2025 - 2026، ما يجعله قادرا على امتصاص آثار أي صدام تجاري مع واشنطن دون الارتماء في أحضان بكين.

وشهدت العلاقات التجارية بين واشنطن ونيودلهي توترا غير مسبوق منذ منتصف 2024، بعدما فرضت إدارة ترامب رسوما جمركية بنسبة 25% على مجموعة واسعة من السلع الهندية، وأعقبها قرار آخر بفرض رسوم إضافية بنسبة 25% على واردات النفط الهندية المرتبطة بروسيا، ليرتفع إجمالي الرسوم إلى 50% وهي من الأعلى عالميا.

تحديات بنيوية

رغم أن مبادرة شي جين بينغ حظيت باهتمام واسع في قمة تيانجين، فإنها تواجه عقبات بنيوية عميقة تجعل من تحويلها إلى واقع ملموس مهمة شديدة التعقيد، وفق تقارير هندية وغربية، أبرزها ضعف موقع اليوان عالميا، إذ لا تزال حصته في الاحتياطيات الرسمية متواضعة للغاية، ما يقلل من جاذبيته بديلا عمليا للدولار أو اليورو. إلى جانب ذلك، يفتقر النظام المالي الذي تطرحه بكين إلى مؤسسات قوية قادرة على منافسة صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي من حيث رأس المال والخبرة المتراكمة. فالمشروعات التي تعلن عنها الصين عبر منظمة شنغهاي أو بريكس تظل رمزية، ولا توازي في حجمها أو تأثيرها احتياجات التمويل الهائلة في دول الجنوب، وهو ما يجعل المشروع في الوقت الراهن أقرب إلى إطار سياسي طموح منه إلى آلية اقتصادية مكتملة الأركان.

وعلى الرغم من الخطاب الرسمي عن "التضامن الجنوبي"، فإن دول منظمة شنغهاي وبريكس ليست كتلة متجانسة؛ فالأولويات الاقتصادية تختلف بحدة بين من يركز على الطاقة أو الزراعة أو التكنولوجيا. وهذا التباين يجعل التنسيق بين الأعضاء عملية معقدة ويحد من قدرة بكين على دفع مبادرات موحدة طويلة المدى. كما أن بعض الشركاء يخشون أن تتحول المؤسسات الجديدة إلى أذرع لنفوذ صيني أكثر من كونها منصات تعددية حقيقية، وهو ما يضعف ثقتهم في الانخراط الكامل بالمشروع.

يضاف إلى ذلك أن المشروع يواجه مقاومة قوية من القوى الغربية التي لا ترى فيه مبادرة تعددية، بل محاولة صينية لإعادة توزيع النفوذ العالمي. والانتقادات الموجهة إلى سياسات الدعم الصناعي في بكين، والتحذيرات من غياب الشفافية والحوكمة في مؤسساتها المالية الناشئة، تزيد من تردد العديد من الدول في التعامل مع البدائل الصينية على أنها حلول طويلة الأجل. وإلى أن تنجح بكين في معالجة هذه المخاوف وتعزيز مصداقية مؤسساتها، سيظل مشروع "النظام العالمي الجديد" عرضة للتشكيك والاتهام بكونه خطوة سياسية أكثر من كونه تحولا اقتصاديا مؤسسيا حقيقيا، بحسب الخبراء.

الرئيس الصيني خلال افتتاح قمة شنغهاي، 1 سبتمبر 2025 (فرانس برس)
موقف
التحديثات الحية

توقعات محتملة

تشير وكالة "شينخوا" إلى أن منظمة شنغهاي للتعاون باتت تمثل منصة رئيسية لبناء نظام عالمي أكثر عدالة وتوازنا، مؤكدة أن دورها لم يعد يقتصر على التنسيق الأمني، بل تحول إلى رافعة للتنمية المشتركة والحوكمة الدولية العادلة. ووفقا للوكالة الصينية، فإن نجاح المشروع الصيني يعتمد على تحويل المنظمة إلى أداة عملية تمنح الجنوب العالمي بدائل حقيقية عن المؤسسات الغربية، بما يقلل من اعتماد الاقتصادات الناشئة على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وفي السياق ذاته، ركزت صحيفة "غلوبال تايمز" على الأبعاد التجارية للمشروع، مشيرة إلى أن حجم التجارة بين الصين وأعضاء منظمة شنغهاي بلغ نحو 2.11 تريليون يوان (295 مليار دولار) في الأشهر السبعة الأولى من 2025، وهو ما اعتبرته الصحيفة قاعدة اقتصادية صلبة يمكن البناء عليها لتوسيع دور اليوان في المعاملات الإقليمية. وأكدت أن تعزيز التجارة البينية بهذا الحجم يمنح بكين أدوات ملموسة لتسويق النظام الجديد، ويقلل من الحاجة إلى الأسواق الغربية محركا وحيدا للنمو.

أما صحيفة "بيبولز ديلي" فقد ركزت على ما تسميه "روح شنغهاي"، القائمة على قيم الثقة المتبادلة والمنفعة المشتركة والتعددية الثقافية. واعتبرت أن النظام الجديد يتيح للدول النامية تعزيز استقلالها الاقتصادي عبر التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. ووفقا للصحيفة، فإن هذا الإطار القيمي يوفر للمشروع شرعية رمزية تزيد من جاذبيته لدول الجنوب.

كما أشارت تحليلات نشرتها غلوبال تايمز إلى أن بناء نظام مالي وتجاري بديل عبر منظمة شنغهاي يمثل خطوة تدريجية، لكنها تحمل آثارا بعيدة المدى على التوازن الدولي. وقالت الصحيفة إن نجاح النظام الجديد سيقاس بقدرته على تقديم تمويل تنموي أقل كلفة وأكثر مرونة من المؤسسات الغربية، إضافة إلى توسيع نطاق التعاون في مجالات مثل الطاقة والذكاء الاصطناعي. وأكدت أن هذه الخطوات، وإن بدت محدودة في البداية، قد تتحول مع الوقت إلى عناصر مؤسسية قادرة على إعادة تشكيل النظام المالي العالمي.