استمع إلى الملخص
- تأثرت أسعار الذهب بالسياسات النقدية للبنوك المركزية، حيث أدى تخفيف السياسات وانخفاض الفائدة إلى تعزيز جاذبيته، بجانب التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.
- العوامل الجيوسياسية، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، زادت الطلب على الذهب كملاذ آمن، مع توقعات باستمرار ارتفاع الأسعار إلى 3300 دولار بنهاية 2025.
شهدت أسعار الذهب خلال الشهر الحالي إبريل/ نيسان 2025 ارتفاعاً حاداً، تجاوز فيه سعر الأونصة حاجز 3200 دولار، محققاً قفزة تاريخية لم يشهدها من قبل. بات الذهب يمثل الركيزة الأولى الأهم للتحوط والادخار في عالم يتسم بعدم الاستقرار الاقتصادي، وتنامي النزاعات الجيوسياسية، لم يعد الذهب مجرد ملاذ تقليدي، بل صار عنصراً محورياً في حسابات البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية والمستثمرين الأفراد على السواء.
ويبقى المحدد الأبرز هذا العام هو دخول ترامب للبيت الأبيض وسياساته الحمائية التي تحدث حركات قوية في الأسواق، حيث هبطت أسواق الأسهم خلال الأيام الماضية، وارتفعت المعادن الثمينة. سأحاول في هذا المقال تحليل الأسباب الاقتصادية والجيوسياسية التي أدت إلى ارتفاع أسعار الذهب إلى هذه المستويات، وأستشرف مستقبل المعدن الأصفر في ظل المعطيات العالمية الراهنة.
المحركات الاقتصادية لارتفاع المعدن النفيس
الذهب لا يسبح في اتجاه الدولار نفسه وسط أمواج الأسواق العالمية، جرت العادة أن ارتفاع الذهب معناه انخفاض الدولار والعكس صحيح. وعليه سيراقب أي مستثمر في المعادن الثمينة، السياسة النقدية للبنك الاحتياطي الفيدرالي، وقرارات البنوك المركزية الأخرى في العالم، إذ يكمن السر بين التشديد أو التيسير النقدي.
بعد سلسلة من رفع أسعار الفائدة في 2022–2023، بدأ "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي والبنوك المركزية الكبرى تخفيف السياسات النقدية المتشددة تدريجياً في أواخر 2024. ومع تباطؤ النمو في أوروبا واليابان، ودخول بعض الاقتصادات في حالة ركود، أضحت العودة إلى بيئة سعر الفائدة المنخفضة أمراً حتمياً. وانخفاض أسعار الفائدة بطبيعة الحال سيعطي إشارة قوية للمستثمرين، بالتوجه نحو الذهب، فالدولار الذي كان بحوزتهم لم يعد يدر دخلاً كافياً، بعدما قررت البنوك المركزية خفض الفائدة، فاتباع سياسات نقدية تيسيرية، تعزز أسعار الذهب بشكل كبير، نظراً لأنها تقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، الذي لا يقدم عائداً مباشراً لحائزيه.
تبلغ الفائدة الاسمية في الولايات المتحدة حوالي 4.25%، ويبلغ التضخم هناك نحو 2.4%، لذا فالفائدة الحقيقية التي سيجنيها المستثمر لقاء وضع أمواله بالسندات أو الودائع الدولارية هي 1.85%. أما في منطقة اليورو فالفائدة الاسمية تساوي حوالي 2.5%، ويبلغ التضخم نحو 2.5%، لذا فالفائدة الحقيقية تساوي 0%، ورغم إيجابية الفائدة في أميركا تظل أقل من متوسطها في عام 2022، وهو ما يجعل الذهب (الذي لا يحمل فائدة) جذّاباً مقارنة بالسندات أو الودائع البنكية.
وبعد نجاح البنك الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية في أوروبا من الاقتراب إلى المستويات المستهدفة لمعدلات التضخم (2.4% في أميركا و2.5% في أوروبا) قد تجد معدلات التضخم قناة صاعدة قريباً مع تصاعد حدة الحرب التجارية بين أميركا والصين، واتخاذ كلتا الدولتين سياسات حمائية ضد بعضهما البعض، فقد فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية جديدة على الواردات الصينية، وصلت النسبة الإجمالية إلى 145% على بعض السلع. وتتضمن هذه النسبة رسوماً جديدة بنسبة 125%، بالإضافة إلى رسوم سابقة بنسبة 20%. ورداً على هذه الإجراءات، أعلنت الصين عن زيادة الرسوم الجمركية على السلع الأميركية إلى 84%، بعد أن كانت قد قررت سابقاً فرض رسوم بنسبة 34%. وأكدت وزارة التجارة الصينية أن هذه الخطوة تأتي إجراء انتقامياً لحماية مصالحها الوطنية، ووصفت التصعيد الأميركي بأنه انتهاك خطير لحقوقها ومصالحها المشروعة.
أعطى هذا التوتر فرصة للمستثمرين للعودة إلى الذهب، باعتباره أصلاً غير منتج لكنه مستقر، وأداة تحوّط رئيسية ضد الغموض في السياسات العالمية والحرب التجارية واحتمالات التضخم وانخفاض القوة الشرائية.
ومن بين أسباب ارتفاع الذهب استمرار شهية البنوك المركزية في شراء الذهب، حيث تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية اشترت أكثر من 1044 طناً في 2024، وكانت 29% من البنوك المركزية قد أعربت في استطلاع 2024 عن نيتها زيادة احتياطيات الذهب خلال 12 شهراً، وهو أعلى مستوى منذ بدء الاستطلاع في 2018.
وشهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب مثل SPDR Gold Shares تدفقات داخلية قوية في بداية 2025، ففي يناير/كانون الثاني 2025، سجلت الصناديق العالمية تدفقات بقيمة ثلاثة مليارات دولار، معظمها من أوروبا، وفي فبراير/شباط 2025، سجلت الصناديق العالمية تدفقات داخلية بلغت 9.4 مليارات دولار، مع مساهمة كبيرة من أميركا الشمالية بـ6.8 مليارات دولار.
ومن أبرز العوامل الجيوسياسية التي تترك آثاراً كبيرة على الذهب: استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتوسّع رقعة التوتر في منطقة بحر الصين الجنوبي، والنزاعات الممتدة في الشرق الأوسط في فلسطين وسورية ولبنان وإيران، ساهمت تلك العوامل في تعزيز حالة القلق من انهيارات مالية مفاجئة أو صدمات جيوسياسية، وهو ما يزيد الطلب على التحوّط من المخاطر. وفي الأزمات، يتحول الذهب إلى عملة الأمان العالمي. لطالما أثبت الذهب بريقه في أوقات النزاعات: خلال غزو العراق عام 2003، والأزمة المالية 2008، وجائحة كورونا 2020، ثم الغزو الروسي على أوكرانيا 2022.
ومع تزايد الضغوط على الولايات المتحدة، وتقلص ثقة الدول بعملتها وقراراتها، ستنحو بعض الدول مثل الصين، وروسيا، والسعودية، ودول "بريكس" الأخرى لربط جزء من تجارتها الدولية بعملات غير الدولار. ويعزز هذا التوجه من مكانة الذهب أصلاً محورياً في التبادل بين الدول، خاصة مع تآكل الثقة بمنظومة "بريتون وودز الثانية" التي بنيت على هيمنة الدولار بعد 1971.
اتجاهات الأسعار في الشهور القادمة
في ظل هذه الأوضاع، تفوّق الذهب على الأصول الأخرى في عدة جوانب بينها التحوط، ومخاطر التقلب، والعائد، إذ بلغت عوائد الذهب في العام الماضي 2024 نحو 20% مقابل دور ممتاز في التحوط، ومخاطر تقلب متوسطة، أكثر من الأسهم العالمية والسندات الأميركية، وعملة بيتكوين الرقمية التي لا تزال تعاني من الغموض وشدة التقلب على الرغم من ارتفاع عائداتها.
ولا تزال توقعات البنوك العالمية، وأبرزها سيتي بنك، وغولدمان ساكس، وجي بي مورغان، ويو بي إس، وغيرها من البنوك العالمية الكبرى تشير إلى أسعار مرتفعة بين 2900 و3300 بحلول نهاية عام 2025. فمع استمرار الأزمات الجيوسياسية والمفاجآت في العالم، فمن المرجح أن يتجاوز الذهب 3300 دولار وربما 3500 دولار وفق تقديرات، وإذا جرى التوصل إلى تسوية تجارية كبرى بين أميركا والصين وتحسن أداء الاقتصاد العالمي فقد يتراجع إلى 2900-3000 دولار.
أخيراً، في ظل التقلّبات العالمية المتسارعة، يتسابق المحللون في التنبؤ بانهيار الدولار وصعود الذهب إلى مستويات غير مسبوقة، إلا أن نظرة متأنية إلى البنية العميقة للنظام المالي العالمي تكشف أن الحديث عن أفول الدولار لا يزال سابقاً لأوانه. لا أرى مؤشرات ملموسة حتى الآن على تخلي الاقتصاد العالمي عن الدولار بصفته أداة احتياطية وتجارية مهيمنة، كما أن التقلبات السياسية سواء في الولايات المتحدة أو بين خصومها تُضخّم الأزمة، لكنها لا تُغيّر جذور النظام العالمي.
الذهب، في نهاية المطاف، يبقى "أداة تحوّط" بامتياز، يلجأ إليه المستثمرون عند اشتداد المخاطر، لكنه لا يملك بنية نظامية تؤهله ليحلّ مكان الدولار. أما الدولار، فرغم التحديات، لا يزال هو "العمود الفقري" للنظام الاقتصادي العالمي، وموقع أميركا في قلب هذا النظام لم يتزحزح بعد.
وعليه، يُحتمل أن يستمر الذهب في تسجيل ارتفاعات كبيرة في ظل الأزمات والمخاطر سواء الجيوسياسية أو الاقتصادية، لكنه مع كل موجة صعود، سيعود ليصحّح جزءاً من مكاسبه حين تستقر الأسواق، وتُعيد تقييم مستوى التهديدات. فبين الذهب كملاذ، والدولار كنظام، يبقى التوازن هشّاً لكنه مستمر.