مراكز البيانات... ما أهميتها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي وكيف تعمل؟
استمع إلى الملخص
- بناء وتشغيل مراكز البيانات يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مع تركزها في الولايات المتحدة وأوروبا والصين، وتوقعات بإنفاق عالمي يصل إلى 50 مليار دولار سنويًا بحلول 2030.
- تسيطر شركات كبرى مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل على السوق، مع تزايد الاستثمارات في الشرق الأوسط، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، لتعزيز دورها في الاقتصاد الرقمي.
يتزايد نفوذ قطاع الذكاء الاصطناعي والأنشطة المرتبطة به في الاقتصاد العالمي، خاصة الأميركي، إلى الدرجة التي تدفع مراقبين كثيرين في القطاع وفي الأسواق من التحذير من مغبة فقاعة على غرار ما حدث مع فورة "الدوت كوم" أوائل الألفية الثالثة. ولأن حدوث ذلك من عدمه يظل في رحم الغيب، فلا يتوقف المستثمرون عن ضخ المزيد من الأموال في هذا القطاع، خاصة في مراكز البيانات Data Centres التي تمثل عموده الفقري، فيما تتسابق كبرى الشركات المتخصصة على تأسيس المزيد منها وبتكلفة مبالغ فيها. فما هي مراكز البيانات ولماذا تمثل هذا المستوى من الأهمية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟
مركز البيانات هو منشأة متخصصة فائقة التقنية صُممت لتخزين وإدارة وتوزيع كميات هائلة من المعلومات الرقمية. يعمل مثل مركز الأعصاب لعالمنا الرقمي، حيث يضم الأجهزة والبرمجيات التي تمكّن عمل خدمات الحوسبة السحابية، والبث المباشر، والمواقع الإلكترونية، وتطبيقات الهواتف المحمولة، وحتى الذكاء الاصطناعي. يمكنك تصوره مستودعاً فعلياً للخدمات الرقمية، فوراء كل عملية بحث على غوغل، أو مشاهدة فيلم على نتفليكس، أو محادثة مع تطبيق تشات جي بي تي، يوجد مركز بيانات يعالج الطلب في غضون أجزاء من الثانية.
تعود بدايات مراكز البيانات إلى الأربعينيات من القرن العشرين. يُعد حاسوب الجيش الأميركي ENIAC، الذي اكتمل بناؤه عام 1945 في جامعة بنسلفانيا، مثالاً مبكراً على مركز بيانات يتطلب مساحة واسعة لاستيعاب آلاته الضخمة. لكن بمرور الوقت، أصبحت أجهزة الكمبيوتر أصغر حجماً وأكثر كفاءة، فلم تعد بحاجة لمساحة مكانية شاسعة. في التسعينيات، ظهرت الحواسيب الدقيقة، التي بدأت تملأ غرف الحواسيب المركزية القديمة وأصبحت تُعرف باسم "الخوادم" (Servers)، وتحولت تلك الغرف إلى ما يُعرف باسم مراكز البيانات (Data Centers).
وقد شهدت بدايات العقد الأول من الألفية الجديدة ظهور الحوسبة السحابية (Cloud Computing)، التي أحدثت تحولاً كبيراً في مشهد مراكز البيانات التقليدية. تتيح الخدمات السحابية للمؤسسات الوصول إلى الموارد الحاسوبية عند الطلب عبر الإنترنت، مع نموذج دفع حسب الاستخدام، ما يوفر مرونة لتوسيع الموارد أو تقليصها حسب الحاجة.
في عام 2006، أطلقت غوغل أول مركز بيانات ضخم للغاية (Hyperscale) في مدينة دالاس بولاية أوريغون الأميركية. يقع المركز على مساحة 1.3 مليون قدم مربعة ويعمل به حوالي 200 مشغل لمراكز البيانات.
مراكز البيانات... تكاليف هائلة
تشير دارسة لشركة ماكينزي إلى أن قطاع مراكز البيانات سينمو بمعدل 10% سنوياً حتى عام 2030، ومن المتوقع أن يبلغ حجم الإنفاق العالمي على مراكز البيانات الجديدة حوالي 50 مليار دولار أميركي سنوياً.
ويعتقد على نطاق واسع أن مراكز البيانات هي الجانب الأكثر تكلفة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وتقول دراسة لموقع amongtech.com إن الاستثمار في قطاع مراكز البيانات تنافسي للغاية وينطوي على مخاطر كبيرة مع توجه أعداد متزايدة من المستثمرين إليه. ربما يتخيل البعض أن بناء مركز للبيانات لن يتطلب أكثر من مبنى حديث مجهز وبعض السيرفرات، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فوجود شبكة كهرباء قوية وحديثة وشبكة اتصالات تعتمد على الألياف البصرية هي شروط لا غنى عنها للبدء في إنشاء مراكز البيانات. لذلك تتركز هذه المراكز في الوقت الراهن في الولايات المتحدة وأوروبا والصين، بينما يتطلع شرق آسيا إلى نصيب متزايد ويسعى الشرق الأوسط للحصول على نصيب من الكعكة.
في محيط العاصمة الأميركية واشنطن دي سي، يقع أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم، يبلغ استهلاك تلك المنطقة من الكهرباء نحو 4.9 غيغاواط ، أي أكثر من إجمالي استهلاك الدنمارك بأكملها. وقد تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات خلال السنوات الست الماضية، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر في السنوات المقبلة. ويتطلب بناء مركز للبيانات توافر التالي:
الخوادم والتخزين: وهي الأجهزة الفعلية التي تخزن وتعالج البيانات. حسب حجم المنشأة، قد تكون هناك مئات الآلاف من الخوادم. وقد يكلف ذلك من عدة مئات آلاف إلى ملايين الدولارات حسب السعة وتخصص المركز.
معدات الشبكات، نقاط التوصيل، وأجهزة التوجيه (الراوترز) ، تقنية الحماية Firewalls التي توجه البيانات بسرعة وأمان بين الخوادم وإلى الإنترنت.
أنظمة الطاقة والتبريد: تستهلك مراكز البيانات كميات هائلة من الكهرباء، لذلك تحتوي على مولدات احتياطية، وأنظمة UPS، وأنظمة تبريد متقدمة (مثل التبريد بالسائل أو الهواء المبرد) للحفاظ على تشغيل الأجهزة على مدار الساعة.
الأمن والمراقبة: الأمن المادي (حراس، البصمة الرقمية) والأمن الرقمي (برمجيات المراقبة، كشف التسلل) لحماية البيانات الحساسة.
المتانة والاعتماد: يبنى العديد من مراكز البيانات لتحمل الأعطال باستخدام مصادر طاقة احتياطية، واتصالات بديلة، وأجهزة مكررة بحيث تظل الخدمات متاحة حتى في حال فشل جزء من النظام.
إمبراطورية البيانات
حتى الآن، يحتكر عمالقة التكنولوجيا الأميركيون اقتصاد مراكز البيانات عالمياً، سواء بما يمتلكونه منها على الأراضي الأميركية أو خارجها، وحسب موقع amongtech.com، فإن توزيعها كالتالي:
أمازون ويب
تحتكر أمازون ويب لخدمات الإنترنت حصة 32% من سوق البنية التحتية للحوسبة السحابية. حيث تعد الرائد بلا منازع في هذا المجال وأكبر مستخدم لمراكز البيانات عالمياً. تشغّل أمازون أكثر من 100 مركز بيانات ضخم عالمياً، مع خطط لإضافة عشرات أخرى. تقوم أمازون أيضاً بتأجير مساحات في مراكز استضافة تابعة لأطراف ثالثة عند الحاجة لتوسعة سريعة أو وجود إقليمي. يمتد تأثيرها في كل قارات العالم تقريباً باستثناء القارة القطبية الجنوبية.
مايكروسوفت أزور
تمثل مايكروسوفت أزور قسم الحوسبة السحابية في مايكروسوفت، تحتكر 23% من هذ المجال عالمياً، وتقدم خدماتها للشركات والمدارس والحكومات والمستهلكين. لديها أكثر من 60 منطقة سحابية معلنة، تحتوي كل منها على مراكز بيانات متعددة. كما أنها تقوم بشراء مساحات استضافة ومراكز بيانات بالجملة. تركز مايكروسوفت على الحلول السحابية الهجينة إذ تقوم غالباً بدمج البنية التحتية المحلية مع الموارد المستضافة سحابياً.
غوغل كلاود
تحتكر حصة نسبتها 11% من الحوسبة السحابية وهي أصغر من مايكروسوفت وأمازون لأنها تهدف بالأساس إلى توفير خدمات غوغل الرئيسية ودعم البنية التحتية لتطبيقاته. تعد مراكز بيانات غوغل من الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة في الصناعة، وغالباً ما تقود الابتكار في التكنولوجيا الخضراء.
تمتلك وتدير أكثر من 20 مركز بيانات ضخماً عالمياً، تقوم Meta ببناء وإدارة مراكز بياناتها الخاصة لتلبية الطلب على نطاق وسائل التواصل الاجتماعي.
آبل
تمتلك آبل حصة تتراوح بين 5% و7% من الحوسبة السحابية في أميركا الشمالية، وهي مخصصة لدعم وتقديم الخدمات الخاصة بالشركة مثل آي كلاود وآبل ميوزيك وآبل تي في، والاتصالات عبر خاصية فايستايم. وتعد آبل من الشركات الكبرى القليلة التي نادراً ما تستخدم مزودي خدمات سحابية خارجيه، مفضلة بناء وامتلاك بنيتها التحتية. تتضمن فلسفة تصميمهم مبادئ الأمن أولاً، ودفعاً قوياً نحو مراكز تعمل بالطاقة المتجددة.
الشرق الأوسط ومراكز البيانات
يشير تقدير لمجموعة PricewaterhouseCoopers الاستشارية إلى أن دول الشرق الأوسط مرشحة للعب دور أكبر في اقتصاد مراكز البيانات، بفضل تزايد الطلب على الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية والاستثمارات. ومن المتوقع أن تتضاعف السعة الإقليمية ثلاث مرات، من غيغاواط واحد في عام 2025 إلى 3.3 غيغاواط خلال السنوات الخمس المقبلة. ويشير التقرير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تتصدر هذه التحولات مستفيدة من مزاياها الجغرافية والاقتصادية والتكنولوجية لتقود منظومة مراكز البيانات المتطورة في المنطقة.
ويضيف التقرير أن الإمارات حققت خطوات بارزة في منظومة مراكز البيانات لديها، حيث أعلنت شركة خزنة لمراكز البيانات مؤخراً عن إطلاق منشأة ذكاء اصطناعي بقدرة 100 ميغاواط في إمارة عجمان، مع خطط للتوسع الكبير على المدى الطويل.
وفي المملكة العربية السعودية، تم الإعلان عن عدة مبادرات في هذا المجال، من أبرزها مبادرة "Transcendence AI" المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة بقيمة 100 مليار دولار أميركي، إضافة إلى استثمار بقيمة 5.3 مليارات دولار من أمازون لتطوير مراكز بيانات جديدة في المملكة.
أما قطر، فقد جذبت استثمارات عالمية في البنية التحتية الرقمية بفضل لوائحها الصارمة المتعلقة بأمن البيانات واستثماراتها في التحول الرقمي، ما شجع العديد من الشركات الدولية على إنشاء مراكز بيانات داخل البلاد.
كما أعلنت دول أخرى في الشرق الأوسط عن استثمارات كبيرة في هذا المجال، من بينها إعلان شركة Omniva عن مركز بيانات بقدرة غيغاواط واحد في الكويت، وشراكة Equinix-عمانتل في مشروع SN1 بصلالة، بالإضافة إلى شراكة بتلكو-قريب لإنشاء منشأة جديدة في مملكة البحرين.