مراكز البيانات في الخليج تدخل دائرة الحرب... ماذا يعني ذلك؟

24 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 01:30 (توقيت القدس)
تصاعد دخان جراء صواريخ على المنامة عاصمة البحرين، 28 فبراير 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تصاعد التوترات الجيوسياسية في الخليج يؤثر على استثمارات الحوسبة السحابية، خاصة بعد استهداف إيران لبنية أمازون في البحرين، مما يزيد من المخاطر الأمنية وكلفة الاستثمار.

- استهداف إيران لمراكز البيانات يعكس تحولاً في عقيدة الردع، حيث تسعى لنقل كلفة الحرب إلى شركات التكنولوجيا الأميركية، مما يزيد من أقساط التأمين والاستثمارات الدفاعية.

- دول الخليج بحاجة لإعادة النظر في خطط التحول الرقمي، مع التركيز على بناء منظومات سحابية سيادية وتعزيز الأمن السيبراني لضمان استقرار الاقتصاد الرقمي.

دخلت استثمارات مراكز البيانات والحوسبة السحابية في الخليج مرحلة جديدة من المخاطر، بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني، في 21 يوليو/تموز الجاري، استهداف بنية تحتية تابعة لشركة أمازون ويب سيرفيسز (AWS) في البحرين، في أول تطور يضع البنية الرقمية التجارية في قلب المواجهة العسكرية الإقليمية، ويثير تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات التي تراهن عليها دول الخليج لقيادة اقتصاد الذكاء الاصطناعي. وقال الحرس الثوري الإيراني إن الضربة استهدفت بنية تحتية تضم منطقة السحابة "me-south-1" التابعة لخدمة أمازون ويب سيرفيسز، التي أطلقتها الشركة عام 2019 بوصفها أول منطقة سحابية لها في الشرق الأوسط. ووصفها بأنها "العين الرقمية" للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، معتبراً أنها تؤدي دوراً في دعم العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة. كما سبق لإيران أن صنفت 18 شركة تكنولوجيا أميركية ضمن ما وصفته بـ"الأهداف العسكرية المشروعة"، وفق تقرير نشرته منصة تومز هاردوير (Tom's Hardware) المتخصصة في شؤون التكنولوجيا ومراكز البيانات.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتسابق فيه دول الخليج على استقطاب شركات التكنولوجيا العالمية، وضخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات والخدمات السحابية، ضمن خطط تستهدف تحويل المنطقة إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. غير أن دخول هذه المنشآت دائرة الاستهداف يضيف عنصراً جديداً إلى حسابات المستثمرين، بعدما أصبحت المخاطر الأمنية والجيوسياسية جزءاً من تقييم جدوى الاستثمار، إلى جانب كلفة التشغيل وتوافر الطاقة والبنية التحتية. وسبق أن حذر عدد من المتخصصين، بينهم الخبير العسكري شون غورمان، من أن استهداف مراكز البيانات قد لا يقتصر أثره على تعطيل الخوادم أو إتلاف المعدات، بل يمتد إلى قطاعات اقتصادية كاملة تعتمد على الخدمات السحابية، مثل البنوك، ومنصات التجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية الرقمية، بما قد يرفع كلفة الاستثمار ويزيد الضغوط على الشركات المشغلة، وفق تقدير نشرته منصة سمول وورز جورنال (Small Wars Journal) المتخصصة في الشؤون الأمنية والعسكرية في 9 إبريل/نيسان الماضي.

وبذلك، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة، تندمج فيها الحرب السيبرانية مع الضربات العسكرية المباشرة التي تستهدف البنية التحتية الرقمية للولايات المتحدة وحلفائها، بما يشمل مشروع السحابة القتالية المشتركة (JWCC)، الذي تبلغ قيمته تسعة مليارات دولار، وتشارك في تشغيله شركات تكنولوجيا كبرى، من بينها أمازون. وفي ظل هذه التحديات، يفرض الواقع الجيوسياسي الجديد على دول الخليج إعادة النظر في خطط التحول الرقمي، وتسريع حوكمة وبناء منظومات سحابية سيادية ومحمية، للحد من الاعتماد على الخوادم والشبكات المملوكة لجهات دولية قد تصبح أهدافاً في أي تصعيد عسكري. كما تتجه الحكومات الخليجية والشركات المحلية إلى تبني استراتيجيات تعافٍ مرنة تقوم على توزيع البيانات بين مراكز متعددة، داخلية وخارجية، في مواقع آمنة، لضمان استمرارية الخدمات وحماية البيانات التشغيلية، بحسب تقدير نشرته منصة إنكياي (Enkiai) المتخصصة في تحليلات مخاطر الاستثمار التكنولوجي ومراكز البيانات في 22 يوليو/تموز.

عقيدة الردع الإيرانية

وفي هذا الإطار، تشير الخبيرة في الشأن الإيراني شيماء المرسي، لـ"العربي الجديد"، إلى أن الانتقال من استهداف شبكات الطاقة والجسور والموانئ إلى استهداف السحب الرقمية ومراكز البيانات يمثل تحولاً بنيوياً عميقاً في عقيدة الردع الإيرانية، إذ تدرك طهران أن الاعتماد الفعلي للاقتصاد الخليجي وإدارة العمليات العسكرية الأميركية لم يعد يقتصر على النفط والمنشآت التقليدية، بل أصبحت البيانات والخوادم السحابية شريان الحياة الرئيس لهذه المنظومة.
وترى المرسي أن التصعيد الإيراني في البحرين يؤسس لمرحلة جديدة يمكن وصفها بمعادلة "توازن شلل السحابة"، في ظل اعتماد الجيش الأميركي والقيادة المركزية بصورة شبه كاملة على الخدمات السحابية التي توفرها شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل، لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتحليل بيانات الاستطلاع، وإدارة أنظمة القيادة والسيطرة، وهو ما يجعل استهداف مركز بيانات تابع لأمازون في البحرين محاولة مباشرة لضرب البنية الرقمية المشغلة لهذه العمليات.

ويُمثل الهجوم الإيراني، بحسب المرسي، تحولاً منهجياً من الهجمات السيبرانية البرمجية، مثل هجمات حجب الخدمة أو برمجيات الفدية، إلى استهداف البنية المادية للخوادم وأنظمة التبريد، بما يؤدي إلى تعطيل مفاجئ وشامل للخدمات الرقمية تصعب معالجته عن بعد. وتضيف أن طهران تسعى، من خلال هذا النهج، إلى نقل كلفة الحرب إلى شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى في وادي السيليكون، لدفعها إلى ممارسة ضغوط داخل واشنطن لتحييد أصولها في الخليج عن التنسيق العسكري. وينعكس هذا التحول على قطاع الاستثمارات الرقمية في الخليج، بحسب المرسي، التي ترجح أن تشهد مراكز البيانات ارتفاعاً قياسياً في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وأن تجد شركات التكنولوجيا نفسها مضطرة إلى ضخ استثمارات كبيرة لبناء بنى تحتية دفاعية معقدة وإنشاء مراكز طوارئ بديلة، بما يقلص هوامش أرباحها ويحد من جاذبية السوق الإقليمية.

وبسبب الاعتماد الخليجي المتزايد على الحوسبة السحابية في قطاعات الحوكمة والخدمات المالية والملاحة، فإن أي تعطيل لمركز بيانات محلي قد يسبِّب سلسلة من حالات الشلل الفني والتشغيلي تمتد إلى قطاعات مدنية واقتصادية حساسة لا صلة لها بالصراع. ورغم ذلك، لا تتوقع المرسي أن يقود هذا التطور إلى انسحاب كامل للشركات العالمية، لكنها ترى أنه سيفرض إعادة هيكلة جغرافية واستراتيجية عميقة للاستثمارات، مع اتجاه المستثمرين إلى التريث وتقليل التركيز في المراكز الساحلية القريبة من إيران، مثل البحرين، والمفاضلة لصالح إنشاء مراكز بيانات في العمق البري أو ربطها بمراكز احتياطية في الأردن وغرب السعودية. ولا تستبعد المرسي أن يدفع هذا الوضع دول المنطقة إلى اشتراط إنشاء سحب رقمية مدنية مستقلة ومغلقة، تفصل بصورة كاملة بين البيانات الحكومية والاقتصادية والشبكات العسكرية الأميركية، تجنباً لإدراج هذه المراكز ضمن الأهداف المشروعة في عقيدة الردع الإيرانية. وترى أن ذلك يضع مشاريع الذكاء الاصطناعي والتحول نحو الاقتصاد المعرفي أمام تحديات جسيمة، تتعلق بتأخير خطط الاستضافة وتدريب النماذج محلياً.

وعلى صعيد الشركات الناشئة في مجالي التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية، تتوقع المرسي أن تواجه هذه الشركات صعوبة أكبر في إقناع المستثمرين بالاعتماد الكامل على بنية تحتية سحابية تقع في منطقة تشهد نزاعاً مسلحاً، وقد تعود بعض الجهات الحكومية والمالية، بصورة مؤقتة، إلى تعزيز الاعتماد على الخوادم المحلية، باعتبارها أكثر أماناً من الناحية السياسية، وهو ما قد يبطئ عملية نقل الأصول الحساسة إلى المنصات السحابية الدولية. وتخلص المرسي إلى أن استهداف مركز بيانات تابع لأمازون يمثل إعلاناً بدخول البنية التحتية السحابية ضمن قائمة الأصول التي يمكن أن تصبح أهدافاً عسكرية في حروب الشرق الأوسط. ورغم أن الوفرة المالية لدول الخليج وأهمية مشاريع التحول الرقمي ستمنعان توقف هذه المسيرة، سترتفع كلفة تحقيق الاستقرار الرقمي بصورة ملحوظة، بما يجبر الحكومات والشركات العالمية على إعادة رسم نماذجها الأمنية، بما يقوم على الفصل الواضح بين السحب المدنية والعسكرية، وتوزيع المخاطر جغرافياً.

تحول جوهري في طبيعة الصراع

وفي السياق، يشير الأكاديمي المتخصص في الرقابة القضائية على المصارف، باسكال ضاهر، لـ"العربي الجديد"، إلى أن الاستهداف الإيراني لمراكز بيانات أمازون يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة الصراع، إذ باتت البنية التحتية الرقمية تعامل باعتبارها جزءاً من الأصول الاستراتيجية ذات الاستخدام المزدوج. ويضيف أن التركيز العسكري انتقل من المنشآت النفطية والموانئ والمطارات التقليدية إلى مراكز البيانات، وشبكات الحوسبة السحابية، والكابلات البحرية، والأقمار الصناعية، التي أصبحت جميعها جزءاً أساسياً من معادلة الردع والردع المضاد، بما يعكس انتقال الصراع من حرب الطاقة إلى حرب البنية التحتية الرقمية. ويرى أن ذلك يبعث برسالة واضحة إلى المستثمرين مفادها أن كلفة الاستثمار في البنية الرقمية داخل مناطق التوتر الجيوسياسي قد ارتفعت بصورة ملحوظة.

ويترتب على هذا التطور، بحسب ضاهر، أربعة تداعيات اقتصادية رئيسية. يتمثل الأول في ارتفاع كلفة الاستثمار في مراكز البيانات نتيجة زيادة أقساط التأمين، وتكاليف الأمن السيبراني، والحماية المادية، وضمان استمرارية الأعمال. أما الثاني، فيتمثل في اتجاه شركات التكنولوجيا العالمية إلى إعادة تقييم توزيع أصولها الرقمية، وتجنب الاعتماد على مركز واحد في منطقة مرتفعة المخاطر. ويتمثل الثالث في ارتفاع كلفة تمويل المشروعات الرقمية، نتيجة مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى تعكس مستوى المخاطر الأمنية، فيما يتمثل الرابع في تسارع الاستثمارات في مراكز البيانات الاحتياطية داخل دول أكثر استقراراً، لضمان استمرارية الخدمات.

وعلى صعيد استثمارات الشركات الكبرى في الخليج، لا يتوقع ضاهر حدوث انسحاب جماعي، نظراً إلى اعتماد هذه الشركات على استراتيجيات طويلة الأجل، وارتباطها ببرامج التحول الرقمي الضخمة في المنطقة، لكنه يرجح إعادة هيكلة للاستثمارات وتوزيعاً جغرافياً أكثر حذراً للبيانات، بما قد يؤدي إلى آثار قصيرة الأجل، مثل ارتفاع تكاليف التنفيذ أو تأخر بعض الاستثمارات الجديدة. غير أن دول الخليج، بحسب ضاهر، تمتلك مقومات تمكنها من احتواء هذه الصدمة، في مقدمتها الملاءة المالية المرتفعة، والقدرة على تمويل البنية التحتية الرقمية، والشراكات الاستراتيجية مع شركات التكنولوجيا العالمية، فضلاً عن الاهتمام الحكومي المتزايد بالاقتصاد الرقمي بوصفه إحدى ركائز مرحلة ما بعد النفط. ولذلك، فمن غير المرجح أن تتوقف مشاريع التحول الرقمي، لكنها ستصبح أكثر تكلفة، مع تركيز أكبر على الأمن السيبراني والسيادة الرقمية.

ويختتم ضاهر حديثه بتأكيد أن الاستهداف الإيراني لمراكز أمازون يتصل بالاستقرار المالي بقدر ما يرتبط بالأمن التقني، إذ تعتمد البنوك بصورة متزايدة على الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، وهو ما سيدفع الجهات الرقابية إلى تشديد اختبارات القدرة على التعافي التشغيلي، وتعزيز جاهزية المؤسسات المالية للاستمرار في تقديم الخدمات الحيوية في أثناء الهجمات الإلكترونية أو تعطل مراكز البيانات، مع ضمان سرعة التعافي وتقليل الآثار على العملاء والأسواق. ويخلص ضاهر إلى أن المنطقة تشهد توسعاً في مفهوم الأصول الاستراتيجية ليشمل مراكز البيانات بوصفها جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع الجيوسياسي. وإذا استمر هذا النمط، فإن المنافسة الدولية ستمتد من السيطرة على الطاقة والممرات البحرية إلى السيطرة على البيانات والحوسبة السحابية، بما يفرض على دول الخليج تحدياً مزدوجاً يتمثل في مواصلة الاستثمار الرقمي، بالتوازي مع رفع مستويات الحماية، لتتحول الأولوية من سرعة التوسع إلى بناء منظومة رقمية أكثر مرونة وقدرة على الصمود في مواجهة المخاطر الجيوسياسية.