- شهدت تركيا قضايا فساد في البلديات، مثل "رشاوى البقلاوة والذهب"، مما يؤثر سلبًا على قطاع البناء والتشييد ويرفع تكاليف العقارات.
- تبذل الحكومة جهودًا لمكافحة الاقتصاد الأسود والفساد عبر تعزيز الرقابة وتطبيق القانون، لتحسين مناخ الاستثمار وخفض تكاليفه، خاصة في قطاع البناء.
تعد تركيا قوة إقليمية حقيقية، على صُعد مختلفة، ومن بينها مؤشرات الأداء الاقتصادي، حيث تعد تركيا أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، بناتج محلي إجمالي سنوي قدر بنحو 1.6 تريليون دولار بنهاية عام 2025، متجاوزة بذلك الدول النفطية في المنطقة، والتي تعتبر واحدة منها أكبر مصدر للنفط في العالم. فضلَا عن العديد من المؤشرات الاقتصادية التي تظهر الأداء الجيد للاقتصاد التركي، ولكن خلال الشهور الماضية، بل خلال السنوات القليلة الماضية، يتم الإعلان عن إمساك الأجهزة الرقابية برقاب بعض العصابات المنظمة، والتي تستهدف ممارسة أنشطة الاقتصاد الأسود، مثل تزوير العملات أو غسل الأموال.
ولكن المشهد الأبرز يأتي من الداخل، حيث أُعلن غير مرة عن ممارسات فساد داخل أروقة البلديات التركية، حيث تم القبض على العديد من مسؤولي وموظفي بلديات في قضايا فساد، ولا يزال القضاء ينظر في أمر بعض هذه الممارسات، وإن كان بعضهم قد حسم موقفهم القضاء بإصدار أحكام قضائية ضدهم.
تعد تركيا أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط بناتج محلي إجمالي سنوي قدر بنحو 1.6 تريليون دولار بنهاية عام 2025
ماهية الاقتصاد الأسود
يخلط البعض بين الاقتصاد الأسود والاقتصاد الخفي، وإن كان النوعان يمارسان بعيدًا عن أعين القانون، فالاقتصاد الخفي ليس لدى ممارسه تراخيص بمزاولة ما يقوم به من أعمال، وليس لديه بطاقة ضريبية أو سجل تجاري، ومثال ذلك كثير من الأنشطة التي يمارسها القطاع غير المنظم، فمثلًا صاحب ورشة نجارة أو حدادة يمارس عمله دون الحصول على رخصة ولا يدفع الضرائب، ولكن عمله مشروع ويقدم منتجات تفيد المجتمع، وعلى شاكلته العديد من المشروعات التي تفيد الناس، ولكنها لا تدرج في إحصاءات الحكومة للأعمال الاقتصادية.
أما الاقتصاد الأسود، فهو نشاط يمارس في الخفاء أو تحت ستار، ولكنه مجرم قانونًا، ويضر بالمجتمع، ومن أبرز أنشطة الاقتصاد الأسود (تجارة المخدرات، وتجارة السلاح، والاتجار بالبشر، وأنشطة الدعارة، وممارسات الفساد في الأجهزة الحكومية، ومؤخرًا ظهرت بعض الأعمال المتعلقة بالتكنولوجيا، مثل عمليات سرقة المدخرات البنكية، أو المحافظ الإلكترونية المرتبطة بالعملات المشفرة، وغيرها).
ونظرًا لكون اسطنبول تُعد واحدة من أكبر المقاصد السياحية على الصعيد العالمي، حيث يزورها قرابة 65 مليون سائح سنويًا، فمن الطبيعي أن تكون مثل باقي المدن السياحية المماثلة على مستوى العالم، حيث تسعى العصابات المنظمة لممارسة بعض أنشطتها، من تزوير عملات أو غسل أموال، أو أنشطة الدعارة وغيرها.
ولذلك تبذل الأجهزة الأمنية التركية جهودًا كبيرة للسيطرة على هذه الممارسات، حتى لا تفسد مناخ الاستثمار والنشاط الاقتصادي بشكل عام، وعلى مدار الشهور الماضية، كانت الأجهزة الأمنية قد أعلنت عن القبض على العديد من الشبكات أو الأفراد المتورطين في أنشطة الاقتصاد الأسود.
الاقتصاد الأسود هو نشاط يمارس في الخفاء أو تحت ستار ولكنه مجرم قانوناً ويضر بالمجتمع ومن أبرز أنشطته تجارة المخدرات وتجارة السلاح والاتجار بالبشر
رشاوى البقلاوة والذهب
مما أشارت إليه وسائل الإعلام التركية خلال الفترة الماضية، واحدة من قضايا الفساد بالمحليات، والتي كانت تقدم فيها الرشاوى للمسؤولين بالمحليات (التي يديرها منتخبون من حزب الشعب الجمهوري) من خلال علب حلوى البقلاوة، بحيث تتضمن الأموال المطلوبة بدلًا من الحلوى، وضمن القضية قرابة 40 مسؤولًا، وعوقبوا بسنوات طويلة من السجن.
وتمثلت الرشاوى في هذه القضية في 3 كيلو من الذهب، ونحو نصف مليون يورو، و153 مليون دولار، ومبالغ أخرى، وذلك في إطار تسهيل حصول المقاولين على مزايا تتعلق بالمزادات ومنح التراخيص لبعض أعمال البناء.
وفي قضية أخرى، جرى اكتشاف غرفة تضم أجهزة لتعدين العملات المشفرة في مسكن إحدى السكرتيرات الموقوفة عن العمل بأحد البلديات، وقد تم إدخال هذه الأجهزة بشكل غير قانوني للبلاد، فضًلًا عن كميات كبيرة من الفواتير الخاصة بفعاليات وأنشطة تخص البلديات، من أجل الحصول على مقابل مادي لها، على الرغم من عدم تنفيذ هذه الأنشطة والفعاليات.
أما أكبر عملية غسل للأموال فجرت خلال مايو/أيار الماضي، وكانت تخص أحد المحللين الذين تستضيفهم البرامج التلفزيونية، والذي يتزعم شبكة لغسل الأموال تضم أتراكا وأجانب، قامت بالتعامل بنحو 100 مليار ليرة تركية ونحو ملياري دولار من خلال شبكات رقمية معقدة، وما زالت القضية رهن الإجراءات القضائية.
وهناك العديد من القضايا التي يعلن عن إحالتها للقضاء من قبل النيابة، والتي تشمل أنشطة مختلفة، والتي كان آخرها ضبط شبكة للدعارة والاتجار بالبشر، وتم على إثرها طرد 47 امرأة من قارات مختلفة، فضلا عن ضبط عصابات تزوير للعملات الأجنبية، وكذلك الحصول على أموال المواطنين بزعم استثمارها في العملات المشفرة، بمبالغ تجاوزت المليار دولار.
ويأتي حرص الحكومة التركية على متابعة ومراقبة الأنشطة المتعلقة بالاقتصاد الأسود، لحماية النشاط الاقتصادي من جهة، والحرص على تشجيع الاستثمار من جهة أخرى، كما أنه يأتي تلبية للحرص على عدم إدراج تركيا ضمن القائمة الرمادية مرة أخرى (تصدر القائمة الرمادية من قبل مجموعة العمل المالي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب)، بعد أن خرجت منها في يوليو/تموز 2024، وقد أدرجت في هذه القائمة في أكتوبر/تشرين الأول 2021.
هناك العديد من القضايا التي يعلن عن إحالتها للقضاء من قبل النيابة وكان آخرها ضبط شبكة للدعارة والاتّجار بالبشر وتم على إثرها طرد 47 امرأة من قارات مختلفة
مظاهر خطورة الاقتصاد الأسود بتركيا
بعد قراءة ورصد بعض الجرائم المعلن عنها، والتي تندرج تحت تصنيف الاقتصاد الأسود، وجدنا أن ممارسات الفساد بقطاع المحليات تشغل جزءًا كبيرًا من هذه القضايا، ونظرًا لإشراف المحليات على قطاع البناء والتشييد وتقديم العديد من الخدمات للمواطنين. فإن ذلك يفسد الاستثمار في قطاع مهم للاقتصاد التركي وهو قطاع التشييد والبناء، من عدة وجوه، أولها ارتفاع تكاليف العقارات، لأن دافع الرشوة يعمل على تحميل تكلفتها في النهاية على سعر الوحدة السكانية.
وارتفاع الوحدات السكانية يضر بالمواطنين الأتراك، وكذلك الأجانب الذين اتجهوا بشكل ملحوظ منذ ما يزيد عن عقد ونصف إلى شراء العقارات في تركيا، وبخاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، أو تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث انضم لمشتري العقارات من مواطني الشرق الأوسط في تركيا، مشترون من روسيا وأوكرانيا.
والجانب الأخطر، هو إفساد الحياة السياسية، فمن يدخلوا لإدارة البلديات من أجل ممارسة الفساد، لا يمنعهم هذا من أن يقدموا الرشاوى من أجل اختيارهم كمرشحين من قبل الأحزاب، وهو ما وقع بالفعل في إحدى البلديات، ولا يزال القضاء ينظر هذه القضية.
وفي إطار ممارسة أنشطة الاقتصاد الأسود، يضر أصحاب هذه الأنشطة بسوق الصرف بشكل كبير، حيث إنهم عادة ما يقومون بمحاولات إخفاء عوائد أنشطتهم، من خلال تهريب أموالهم للخارج، ويتطلب ذلك الحصول على النقد الأجنبي، مما يخلق طلبًا غير حقيقي على العملات الأجنبية، وتكون النتيجة تراجع قيمة العملات المحلية.
من يدخلوا لإدارة البلديات من أجل ممارسة الفساد لا يمنعهم هذا من أن يقدموا الرشاوى من أجل اختيارهم كمرشحين من قبل الأحزاب وهو ما وقع بالفعل في إحدى البلديات ولا يزال القضاء ينظر هذه القضية
وليست تركيا بدعًا من الدول التي تنفتح على الاقتصاد العالمي، فمثل هذه الأنشطة الخاصة بالاقتصاد الأسود عادة ما تمارس في الدول المفتوحة بشكل كبير للأجانب، ويستلزم الأمر المزيد من الرقابة والسيطرة على الجريمة المنظمة، كما ينبغي على الحكومة التركية توجيه المزيد من التوعية والرقابة على الفساد الداخلي، والذي تجلى بشكل واضح خلال المرحلة الماضية في أنشطة المحليات.
وإعمال دولة القانون يُعد الركيزة الرئيسة في مكافحة الفساد، وهو عمل سوف يؤدي لخفض تكلفة الاستثمار في تركيا في بعض القطاعات، وعلى رأسها قطاع البناء والتشييد، كما أن مكافحة الفساد تأتي كأحد المقومات المهمة التي تعزز جذب الاستثمارات الأجنبية لتركيا.