محاكمة الرسوم الأميركية... الشركات تضغط وترامب يحذر من انهيار اقتصادي

04 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:51 (توقيت القدس)
احتجاج ضد ضد سياسات إدارة ترامب، شيكاغو، 18 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- حذر الرئيس ترامب من انهيار اقتصادي شامل إذا أُبطلت الرسوم الجمركية التي فرضها، مشيراً إلى أنها كانت أساس سياسته التجارية وساهمت في تحقيق مستويات قياسية في سوق الأسهم وحسابات التقاعد.

- تواجه إدارة ترامب طعوناً قانونية من شركات وولايات أميركية تعارض استخدام قانون الطوارئ لتوسيع صلاحيات الرئيس الاقتصادية، معتبرة أن استخدامه الحالي يتجاوز صلاحيات الكونغرس.

- تتوقع التحليلات القانونية ثلاثة سيناريوهات لقرار المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية، والتي ستعيد تشكيل السياسة التجارية الأميركية وتحدد دور الرسوم كأداة سيادية أو سلاح دائم.

قبل ساعات من انعقاد الجلسة التاريخية في المحكمة العليا الأميركية، صعد الرئيس دونالد ترامب لهجته محذرا من انهيار اقتصادي شامل إذا قرر القضاء إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977، وهي الركيزة التي قامت عليها سياسته التجارية منذ توليه المنصب. وقال ترامب في مقابلة بثها برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي إس" مساء يوم الأحد: "أظن أن بلدنا سيتضرر إلى حد لا يقاس. أعتقد أن اقتصادنا سيذهب إلى الجحيم. بسبب الرسوم لدينا أعلى سوق أسهم رأيناه في التاريخ، ولدينا حسابات التقاعد في أعلى مستوياتها. هذه القضية هي الأهم التي تناقش منذ مئة عام". وأضاف: "الرسوم هي ما يبقينا واقفين. لقد أنقذت صناعتنا الوطنية ووفرت لنا موارد لم نحصل عليها من قبل. إذا ألغيت، فسيواجه بلدنا فوضى مالية لا يمكن السيطرة عليها لسنوات". 

وأعلن ترامب، أمس الاثنين، أنه لن يحضر جلسة المحكمة العليا بشأن مدى شرعية نظام التعرفات الجمركية الجديد، موضحا أن غيابه يهدف إلى تجب تشتيت الانتباه عن القضية نفسها. وقال ترامب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية إير فورس ون أثناء عودته من فلوريدا إلى واشنطن، بحسب رويترز: "كنت أرغب في الحضور بشدة، لكنني لا أريد أن أفعل شيئا يصرف الانتباه عن أهمية هذا القرار... لا أريد أن أُحدث ضجيجا حولي، فالأمر لا يتعلق بي، بل ببلادنا". وتأتي تصريحات ترامب في وقت تواجه فيه إدارة الرئيس الأميركي موجة غير مسبوقة من الطعون القانونية من جانب الشركات الأميركية نفسها. فبحسب "فايننشال تايمز"، قدمت أكثر من 40 شركة وتحالفا صناعيا مذكرات طعن إلى المحكمة العليا، من بينها شركات الألعاب التعليمية، والنبيذ، والإلكترونيات، والملابس، تطعن في قانونية الرسوم التي فرضتها الإدارة، معتبرة أنها تجاوزت الصلاحيات الدستورية وألحقت ضررا مباشرا بالاقتصاد المحلي". 

كما انضمت إلى هذه الطعون اثنتا عشرة ولاية أميركية تمثل تيارا عريضا من المحافظين والليبراليين معا، في تحالف نادر ضد السلطة التنفيذية. وتقول هذه الولايات في مذكراتها إن الرئيس استغل قانون الطوارئ لتوسيع صلاحياته الاقتصادية على حساب الكونغرس والقطاع الخاص، دون وجود تهديد فعلي يبرر ذلك. وقال المدير التنفيذي لشركة "OTC" للتقنيات الصناعية بيل كيندي، وفق رويترز: "نقلنا خطوط الإنتاج من الصين إلى دول أخرى مثل الهند وفيتنام، لكننا فوجئنا بأن الرسوم على هذه الدول أصبحت أسوأ. نحاول فقط الصمود حتى لا نفلس جميعا". 

مليارات على المحك

وتنعقد المحكمة العليا الأميركية غدا الأربعاء للنظر في قضية الرسوم الجمركية المثيرة للجدل، التي توحد بين دعويين رئيسيتين، هما دعوى شركة الموارد التعليمية ضد الرئيس دونالد ترامب، ودعوى ترامب ضد شركة "V.O.S." للاستيراد والتوزيع. ورغم اختلاف الجوانب التجارية في كل دعوى، فإن الملفين اندمجا أمام المحكمة في قضية واحدة كبرى تتمحور حول سؤال دستوري جوهري: هل يحق للرئيس الأميركي فرض رسوم جمركية شاملة استنادا إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977، أم أن ذلك يعد تجاوزا لصلاحيات الكونغرس الحصرية في التشريع وفرض الضرائب؟

وتؤكد مذكرة الطعن المقدمة من الشركات أن القانون لم يصمم أبدا أداةً ضريبية، بل لتنظيم المعاملات المالية في أوقات الأزمات الخارجية، وأن ترامب حوله إلى سيف سياسي واقتصادي يشهر ضد العالم والداخل معا. بينما ترى الإدارة الأميركية أن التهديدات الاقتصادية العالمية (مثل العجز التجاري الضخم وتدفقات المواد المخدرة عبر الحدود) تشكل أخطارا غير اعتيادية تبرر إعلان الطوارئ واستخدام القانون، وهو ما وصفه الرئيس سابقا بـ"حالة نهب ممنهجة استمرت عقودا".

تظهر بيانات وزارة الخزانة الأميركية ومكتب الجمارك وحماية الحدود أن الإيرادات المحصلة من الرسوم الجمركية بموجب قانون الطوارئ تجاوزت 100 مليار دولار منذ إبريل

وتظهر بيانات وزارة الخزانة الأميركية ومكتب الجمارك وحماية الحدود أن الإيرادات المحصلة من الرسوم الجمركية المفروضة بموجب قانون الطوارئ تجاوزت 100 مليار دولار منذ إبريل/ نيسان 2025 حتى نهاية سبتمبر/ أيلول، أي ثلاثة أضعاف ما تم تحصيله في الفترة نفسها من العام الماضي. وساهمت هذه العوائد في خفض العجز الفدرالي إلى 1.715 تريليون دولار بنهاية السنة المالية، بعدما كان متوقعا أن يتجاوز 1.8 تريليون دولار، ما جعل ترامب يصفها بأنها أكبر نجاح اقتصادي في تاريخ الإدارة الأميركية الحديثة. وفي المقابل، يحذر اقتصاديون من أن هذه الإيرادات قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا حكمت المحكمة بإبطال الرسوم. فبحسب وكالة بلومبيرغ، سيطلب من الحكومة إعادة المبالغ المحصلة إلى الشركات المستوردة مع فوائد قانونية سنوية تصل إلى 6%، ما يعني فجوة مالية فورية تتجاوز 90 مليار دولار.

وقال محللو "جي بي مورغان"، وفق تقرير صادر عن البنك في 30 أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم، إن ذلك سيؤدي إلى اضطراب في سوق السندات الفيدرالية، ويجبر وزارة الخزانة على إصدار ديون إضافية قد ترفع الفائدة وتبطئ النمو في 2026. ووفقا لتقديرات البنك الاستثماري، فإن إلغاء هذه الرسوم سيخفض متوسط التعرفة إلى نحو 5% فقط، ما سيترجم إلى تحسن مادي في النمو الأميركي خلال النصف الثاني من 2025 وانخفاض في مؤشر التضخم الأساسي بنحو نقطة مئوية كاملة. ومع ذلك، حذر التقرير من أن أي فراغ تشريعي بعد صدور الحكم قد يدفع الإدارة الأميركية إلى الاعتماد المكثف على أدوات أخرى أكثر تقييدا مثل المادة 232 الخاصة بالأمن القومي، وهو ما قد يعمق حالة عدم اليقين التجاري ويضغط على توقعات الاستثمار في عام 2026.

سيناريوهات قرار المحكمة

وتشير التقديرات والتحليلات القانونية الأميركية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية لقرار المحكمة، تختلف في مدى تأثيرها على المالية العامة والأسواق وسلطات الرئيس الاقتصادية، وذلك على النحو التالي:

السيناريو الأول هو الإبطال الكامل للرسوم، إذ يرجح بعض الخبراء أن تتخذ المحكمة العليا موقفا حاسما يقضي باعتبار استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 في فرض رسوم جمركية شاملة تجاوزا لصلاحيات السلطة التنفيذية، استنادا إلى أن الدستور الأميركي يمنح سلطة فرض الضرائب والرسوم حصرا للكونغرس. وبحسب بلومبيرغ، فإن قرارا بإبطال الرسوم سيلزم الحكومة الأميركية بإعادة معظم الأموال المحصلة بموجب تلك الرسوم (والتي بلغت نحو 165 مليار دولار) إلى الشركات المستوردة، مع فائدة سنوية قانونية قدرها 6%. ويصف خبراء الجمارك هذه النتيجة بأنها فوضى مالية وبيروقراطية نظرا لتعقيد عملية استرداد الأموال، إذ يتوجب على آلاف الشركات تقديم طلبات فردية لاستعادة المبالغ المدفوعة، وهو ما قد يستغرق سنوات طويلة ويخلق حالة من الشلل الإداري داخل الأجهزة الجمركية.

والسيناريو الثاني هو الإقرار الجزئي وتقييد الصلاحيات، وبحسب تصريحات أستاذ القانون الدستوري في جامعة ستانفورد مايكل ماكونيل، المنشورة عبر موقع معهد هوفرالتابع للجامعة بتاريخ 25 يونيو/ حزيران 2025، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا هو تقييد صلاحيات الرئيس دون إلغائها بالكامل، بحيث تقتصر حالات فرض الرسوم على تهديدات أمنية أو طارئة حقيقية. وقالت رويترز في تقرير لها، أمس الاثنين، إن هذا الخيار قد يحافظ على جزء من العائدات الجمركية مع تقليص قدرة الإدارة على استخدام الرسوم باعتبارها أداة تفاوضية، وهو ما تعتبره شركات صناعية مثل (OTC) للتقنيات الصناعية الخيار الأكثر استقرارا للأسواق.

يرجح خبراء أن تتخذ المحكمة العليا موقفا حاسما يقضي باعتبار استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 في فرض رسوم جمركية شاملة تجاوزا لصلاحيات السلطة التنفيذية

أما السيناريو الثالث فهو تثبيت صلاحيات ترامب وتوسيعها، ويتمثل بحسب موقع بيزنس إنسايدر، في تقرير نشره أول من أمس الأحد، في أن تمنح المحكمة الرئيس صلاحية كاملة لاستخدام قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977 لتبرير الرسوم، معتبرة العجز التجاري تهديدا استثنائيا. وتشير تقديرات أوكسفورد للاقتصاد في تحليلها الصادر في التاسع من مايو/ أيار الماضي إلى أن الإبقاء على الرسوم عند مستوياتها الحالية سيرفع معدل التضخم الأميركي بنحو 0.4 نقطة مئوية سنويا، ويضغط على هوامش أرباح الشركات الصناعية التي امتصت تكاليف الرسوم من أرباحها. وبحسب محللين اقتصاديين، فإن الحكم المنتظر (أيا كان اتجاهه) سيعيد رسم ملامح السياسة التجارية للولايات المتحدة لعقود قادمة، وسيحدد ما إذا كانت الرسوم الجمركية ستظل أداة سيادية لتنظيم التجارة أم سلاحا دائما في المواجهات الجيوسياسية.

وفي جميع الحالات، يرى الخبراء أن هذا القرار قد يفتح مرحلة جديدة من القانون الاقتصادي الأميركي، حيث يصبح الاقتصاد أكثر تسييسا، وتتحول قاعات القضاء إلى ساحة فصل بين الرؤية الحمائية لترامب ومبدأ الشراكة الاقتصادية الحرة الذي تأسست عليه التجارة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

المساهمون