محافظات سورية تغرق في الظلام رغم وصول الغاز

12 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 05:18 (توقيت القدس)
أزمة الكهرباء تفاقم معيشة السوريين (أوزان كوس/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني سورية من أزمة كهرباء حادة، حيث يتوفر التيار الكهربائي لساعات قليلة يومياً، مما يزيد من معاناة السكان ويؤثر سلباً على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بسبب الاعتماد على مولدات خاصة.

- تضررت البنية التحتية الكهربائية بشكل كبير بسبب الحرب، مع أضرار تصل إلى 45% في محطات التوليد و40% في شبكات التوزيع، مما يعوق جهود إعادة التأهيل واستقرار التيار الكهربائي.

- يؤثر انقطاع الكهرباء سلباً على الاقتصاد السوري، مع توقف المصانع والمحلات التجارية وتأثر القطاع الزراعي، مما يتطلب استراتيجية شاملة لإعادة التأهيل وتنويع مصادر الطاقة بدعم دولي.

شهدت مناطق واسعة في سورية انقطاعات في التيار الكهربائي، رغم وصول شحنات الغاز التي كان من المفترض أن تخفف من حدة الأزمة في قطاع الطاقة. هذه الأزمة تحولت إلى مأساة إنسانية وأزمة اقتصادية حادة، تزيد من أعباء السكان الذين يعانون أصلاً من تداعيات سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية المشددة. انقطاع الكهرباء المستمر يعمق معاناة الناس ويعرقل حياة ملايين السوريين اليومية، في ظل احتياجات متزايدة للطاقات الأساسية وخدمات المياه والصحة والتعليم.

يقول أكرم البستاني، وهو رب أسرة من دمشق، لـ"العربي الجديد"، إن انقطاع الكهرباء المستمر جعل حياتهم اليومية صعبة للغاية، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة. "نضطر لتشغيل المكيفات على المولدات الخاصة، وهذا يكلفنا مبالغ كبيرة تفوق قدرتنا على التحمل. الأطفال يعانون من توقف التعليم عن بعد، وحتى الطبخ يصبح تحدياً بسبب انقطاع التيار". أما خولة الإبراهيم، من ريف دمشق، فتضيف لـ"العربي الجديد" أن "المياه لم تعد تصلنا بانتظام بسبب توقف المضخات الكهربائية، وهذا يجعلنا نعاني من قلة النظافة والمشاكل الصحية، خصوصاً مع وجود مرضى في المنزل". ويقول عبد الله مرتكوش حرفي نجارة، لـ"العربي الجديد": "انقطاع الكهرباء أثر بشكل كبير بعملي في ورشة النجارة. كثير من المعدات توقفت، وهذا سبّب لي خسائر كبيرة. حتى الحياة المنزلية أصبحت صعبة، خاصة مع وجود أطفال كبار في المنزل يحتاجون إلى الدراسة".

نقص حاد في الكهرباء

تعاني سورية من نقص حاد في الكهرباء، وما تقدمه الدولة منها لا يكون متاحاً إلا لساعتين أو ثلاث يومياً في أغلب المناطق ويعني الضرر الذي لحق بشبكة الكهرباء أن توليد الكهرباء وتزويد السكان بالمزيد منها هو جزء فحسب من المشكلة، إذ إن البنية التحتية المتضررة تمثل تحدياً أساسياً أمام تحقيق استقرار التيار.

وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، كشف مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء في سورية، المهندس خالد أبو دي، عن أسباب التعتيم الجزئي الذي شهدته المنظومة الكهربائية في المنطقة الجنوبية، والتحديات التي تواجهها الشبكة حالياً، وقال إن من أبرزها سوء الأحوال الجوية وارتفاع نسبة الرطوبة، ما أدى إلى فصل جميع خطوط التوتر العالي في المنطقة الوسطى، وتوقف مجموعات التوليد في محطة جندر، وانقسام الشبكة إلى شبكتين مستقلتين. كما ساهم عطل على خط التوتر العالي 230 ك.ف بين دير علي والكسوة في إحداث هزة كبيرة على الشبكة، أوقف مجموعات التوليد في محطات الناصرية وتشرين ودير علي، فيما زاد ارتفاع درجات الحرارة من الضغط على الشبكة عبر خفض مردود المجموعات، وزيادة الطلب على الكهرباء، حسب المسؤول السوري، مبيناً أن الظروف الجوية لها دور بارز في تفاقم أزمة الكهرباء في سورية وفق خالد أبو دي.

وأضاف أن قطاع الكهرباء في سورية ما زال يعاني من آثار الدمار الذي لحق به خلال السنوات الماضية، حيث قُدّرت نسبة الضرر في محطات التوليد بنحو 45%، وفي شبكة النقل بين 30% و35%، فيما بلغت النسبة في محطات التحويل نحو 20%. أما شبكات التوزيع، التي كانت عرضة لاعتداءات متكررة، فقد تضررت بنسبة تصل إلى 40%، وهي النسبة التي تعكس أيضاً حجم الفاقد الحالي في الشبكة، إلى جانب التحديات المرتبطة بغياب منظومة كهربائية متكاملة. وبيّن أن القدرة الإنتاجية القصوى للنظام الكهربائي كانت تقارب 5300 ميغاواط، منها 1000 ميغاواط يمكن توليدها عبر الفيول، وهي كمية يجري إنتاجها حالياً بشكل كامل مع توفر الوقود.

أما الجزء الأكبر، والبالغ نحو 4300 ميغاواط، فيعتمد على الغاز، لكن الإنتاج المحلي منه لا يتجاوز 6 ملايين متر مكعب، وهو ما يكفي لتوليد ما بين 800 و1000 ميغاواط، ليبقى إجمالي إنتاج الكهرباء حالياً بين 1800 و2000 ميغاواط فقط. وأشار أبو دي إلى أن فرق مركز التحكم الرئيسي بدأت بإعادة الإقلاع التدريجي للشبكة، وجرى تحقيق استقرار جزئي بعد إعادة عنفات محطات جندر، دير علي، الناصرية، بانياس، وتشرين إلى الخدمة، مع استمرار العمل على موازنة الشبكة لضمان إيصال التيار إلى جميع المحافظات والأحمال الإنسانية والضرورية. وأضاف أن القنيطرة ما زالت خارج الخدمة، بسبب عطل على الخط المغذي لها، متوقعاً إعادة التيار إليها قريباً، بينما أُعيدت التغذية إلى درعا والسويداء بعد إصلاح خط دير علي – الكسوة، فيما تتلقى باقي المحافظات الكهرباء، مع رفع التوليد تدريجياً حتى تحقيق الاستقرار الكامل.

الآثار الاقتصادية والإنسانية

يُشكل انقطاع الكهرباء المتكرر عبئاً كبيراً على الاقتصاد السوري الذي يعاني أصلاً من تبعات الحرب والعقوبات. توقف المصانع والمحلات التجارية ينعكس مباشرة على خسائر مالية كبيرة، ويؤدي إلى فقدان فرص العمل وتراجع الإنتاج المحلي. كما أن قطاع الزراعة يتأثر بسبب تعطل أنظمة الري والتبريد، ما يهدد الأمن الغذائي بشكل غير مباشر.

على صعيد الحياة اليومية، يفاقم انقطاع الكهرباء معاناة المواطنين الذين يضطرون للاعتماد على مولدات خاصة، ما يرفع تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وانخفاض القوة الشرائية. كما أن انقطاع التيار يعوق الخدمات الصحية، ويزيد من معاناة المرضى، ويؤثر سلباً في التعليم بسبب توقف التعليم عن بعد، في وقت يحتاج فيه السوريون إلى كل الدعم الممكن لتجاوز أزماتهم.

وعن الأزمة الحالية، قال خبير في قطاع الطاقة، سومر عمار، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن المشكلة تتراكم منذ سنوات طويلة، وتتعلق بدمار واسع في البنية التحتية، وصعوبات اقتصادية تحد من استيراد الوقود وقطع الغيار الضرورية للصيانة، بالإضافة إلى اعتماد كبير على الغاز المحلي محدود الإنتاج. وأضاف عمار أنه "رغم توقيع الحكومة السورية اتفاقيات عدة لضخ الغاز عبر تركيا، ووصوله بالفعل إلى محطة جندر، مع تصريحات رسمية تؤكد تأهيل البنية التحتية، فإن الواقع يخالف ذلك، إذ توقفت المحطات بشكل كامل بعد ساعتين من ضخ الغاز، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي بأربع محافظات (اللاذقية، درعا، القنيطرة، السويداء)، وهذا يؤكد أن التأهيل كان بالكلام فقط ولم يتحقق على الأرض".

ولفت عمار إلى الأثر الكبير لتكرار انقطاع الكهرباء على الاقتصاد السوري، حيث يعرقل عمل المصانع والمحلات، ما يؤدي إلى خسائر مالية وفقدان فرص العمل، ويضر بالإنتاج المحلي والقطاع الزراعي، ويزيد الأعباء المعيشية على المواطنين الذين يضطرون للاعتماد على مولدات خاصة بتكاليف باهظة، إضافة إلى تعطيل الخدمات الصحية والتعليمية، مما يفاقم الأزمة الإنسانية. واختتم الخبير في الطاقة تصريحه لـ"العربي الجديد" بالتأكيد على أن "حل الأزمة يتطلب استراتيجية شاملة لإعادة تأهيل الشبكات، وتنويع مصادر الطاقة، وتحسين إدارة الطلب، إلى جانب دعم فني ومالي دولي لتجاوز العقبات الاقتصادية واللوجستية".

حجم أزمة الكهرباء في سورية

تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الكهرباء والطاقة إلى أن القدرة الإنتاجية الكهربائية في سورية اليوم تهاوت، بعد أن كانت قبل الحرب تصل إلى نحو 8500 ميغاواط، بانخفاض حاد يقارب 82%. وقد تسبب الدمار الواسع في البنية التحتية بتراجع العمل في محطات التوليد بنسبة 45%، وفي شبكات النقل بين 30 و35%، بينما تعرضت شبكات التوزيع لأضرار تصل إلى 40%. على صعيد آخر، وقّعت الحكومة السورية مؤخراً اتفاقية استثمار بقيمة 7 مليارات دولار مع تحالف شركات دولية بقيادة شركة قطرية، تهدف إلى بناء محطات توليد جديدة بقدرة تصل إلى 4000 ميغاواط، إضافة إلى محطة طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط، في محاولة لتخفيف أزمة الكهرباء المتفاقمة.

المساهمون