مجلس النواب الليبي يقرّ ميزانية لصندوق الإعمار التابع لحفتر
استمع إلى الملخص
- في طرابلس، رفض رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أي إنفاق خارج الأطر الشرعية، متهماً مجلس النواب بدعم الفساد وطالب بتوضيح مصير الأموال المنفقة خارج الميزانية.
- يعكس الوضع السياسي في ليبيا تعقيدات الانقسام الحكومي، مع استمرار الخلافات الداخلية وغياب الاعتراف الدولي، بينما تواصل البعثة الأممية جهودها لإحياء العملية السياسية.
في مشهد جديد يعكس تطوّرات الانقسام السياسي والمؤسّسي، عقد مجلس النواب جلسة رسمية في مدينة بنغازي، اليوم الاثنين، أقر خلالها تخصيص ميزانية لصندوق التنمية والإعمار الذي يقوده بلقاسم نجل خليفة حفتر، بينما عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة اجتماعاً بالتزامن مع عدد من أعضاء مجلس الدولة في العاصمة طرابلس. وترأس جلسة النواب رئيس المجلس عقيلة صالح الذي أعلن عن أن الجلسة جاءت بطلب تقدم به 35 نائباً بمنح صندوق التنمية ميزانية خاصة به تقدر بـ69 مليار دينار ليبي (ما يزيد عن 10.5 مليارات دولار) موزعة على ثلاث سنوات.
وفيما فتح صالح النقاش حول هذا الطلب، برزت آراء معارضة، إذ طالب بعض النواب بضرورة توضيح مصروفات صندوق الإعمار للسنوات الماضية، لكنّ مشادات كلامية قابل بها النواب المطالبين بميزانية الصندوق اعتبروا مطالب توضيح مصروفات الصندوق مرفوضة وأنها "مزايدة وعرقلة" لمشروع الاعمار الذين وصفوه بأنه أكثر المشروعات "وطنية"، وشدّدوا على ضرورة دعمه من مجلس النواب. (الدولار= 5.5 دنانير).
وفي الوقت نفسه في طرابلس، كان الدبيبة يلتقي بعدد من أعضاء مجلس الدولة، وأعلن خلال اللقاء رفضه القاطع "لأي مسارات موازية للإنفاق خارج الأطر الشرعية"، محذراً من أن مثل هذه المسارات "تخلف أعباء إضافية على عاتق الدولة". بل وطالب الدبيبة مجلس النواب بـ"الإفصاح عن مصير أكثر من مئة مليار دينار ليبي جرى إنفاقها خارج الميزانية العامة خلال السنتين الماضيتين"، مكرراً اتهامات سابقة وجهها الى مجلس النواب بــ"دعم الفساد وإهدار أموال الدولة".
وقال المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب عبد الله بليحق إن الجلسة ناقشت اعتماد خطة التنمية للأعوام 2025- 2026-2027، وخلصت جلسة إلى ما يلي: موافقة مجلس النواب على إعداد ميزانية صندوق التنمية، وإعادة إعمار ليبيا مع تقديم الإيضاحات المطلوبة وملاحظات النواب، وتشكيل لجنة تضمّ عضواً عن كل دائرة للاجتماع مع إدارة الصندوق لإعداد الميزانية لتوضيح كيفية صرف الميزانية على جميع المناطق، وكذلك تشكيل لجنة فنية لدراسة موضوع الاتفاقية الليبية التركية المقدمة من الحكومة الليبية المنتخبة من مجلس النواب، وإلغاء الاستثناءات كافّة من الرقابة الإدارية والمالية.
واللافت أن مجلس النواب بدلاً من الاستمرار في مسار تشكيل الحكومة، عاد في جلسته اليوم، لمناقشة تخصيص ميزانية ضخمة لصندوق التنمية، الذي يتبع حكومة مجلس النواب في بنغازي، ما يثير تساؤلات حول أولوياته ومدى جدية مسار الحكومة الموحدة. وقد اتخذ مجلس النواب قرار تشكيل الحكومة الموحدة بعد أيام فقط من مواجهات دامية شهدتها طرابلس منتصف الشهر الجاري بين قوات موالية لحكومة الوحدة الوطنية، ومجموعات مسلحة تتبع للمجلس الرئاسي، خاصّة بعد خروج المئات من المواطنين في طرابلس في احتجاجات غاضبة للمطالبة برحيل حكومة الوحدة الوطنية، إذ حمل صالح، وقتها، الدبيبة المسؤولية عن الأحداث في طرابلس، وطالب بمحاسبته وتقديمه للعدالة، ما زاد من حدّة الاستقطاب بين مجلس النواب والحكومة.
وفي ما يعكس عدم وجود رأي موحد داخل مجلس النواب حيال مسار تشكيل حكومة موحدة، أصدر 26 نائباً عن المنطقة الشرقية بياناً أصدروه الأسبوع الماضي، قبيل إعلان مجلس النواب عن استدعاء المرشحين لرئاسة الحكومة الجديدة، عبروا فيه عن رفضهم لمسار تشكيل حكومة جديدة دون حصولها مسبقاً على اعتراف دولي وأممي واضح، وأكّد هؤلاء النواب تمسكهم بالحكومة الحالية المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، مبرّرين موقفهم بخشيتهم من تكرار "سيناريو فشل" الحكومة التي كلفها المجلس في فبراير/شباط 2022، التي لم تتمكن من تسلّم مهامها في طرابلس وتحولت بحكم الأمر الواقع إلى حكومة موازية تعمل من بنغازي.
من جهة أخرى، لا يزال المجلس الأعلى للدولة، المجلس الشريك لمجلس النواب في العملية السياسية، يلزم الصمت ولم يصدر أي موقف واضح سواء تجاه استمرار مجلس النواب في مسار تشكيل الحكومة الجديدة، أو تجاه مناقشة تخصيص ميزانية الصندوق، كما لم تصدر البعثة الأمم المتحدة في ليبيا، التي تواصل محاولاتها المضنية لإحياء العملية السياسية المتعثرة من خلال لجنتها الاستشارية، أي بيان أو موقف رسمي حيال الخطوات الأخيرة لمجلس النواب في بنغازي، ما يزيد من غموض المشهد السياسي وتعقيده.
ويرجع أصل الانقسام الحكومي الحالي إلى تصاعد الخلافات بين حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب، إذ أعلن الأخير سحب الثقة منها رسمياً في سبتمبر/أيلول 2021، متهماً إياها بـ"الفساد وعدم الكفاءة". وفي فبراير/شباط 2022، كلف مجلس النواب حكومة بديلة، لكنّها لم تتمكن من الدخول إلى طرابلس بسبب رفض حكومة الوحدة الوطنية تسليم السلطة "إلّا لسلطة منتخبة"، ما أدى إلى دخول البلاد في مأزق الانقسام الحكومي وتعقيد المشهد إلى حدّ الانسداد.