مجلس الاحتياطي الفيدرالي: مدرسة لإعداد قادة البنوك المركزية عالمياً
استمع إلى الملخص
- توجه عالمي نحو الخبرات الأميركية: مع قيادة كيفن وارش المرتقبة للاحتياطي الفيدرالي، تتجه البنوك المركزية لتعيين مسؤولين ذوي خبرة أميركية، خاصة بعد جائحة كورونا، مما يعكس تقدير الخبرة الأميركية.
- تعيينات بارزة وتأثيرها: شهدت دول مثل تركيا وسويسرا وإيطاليا تعيينات لمسؤولين سابقين في الاحتياطي الفيدرالي، مما يعزز السياسات النقدية المحلية في ظل ضغوط إدارة ترامب.
عندما يتعلق الأمر بمجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي) فإن ما يحدث في واشنطن لا يبقى في واشنطن. فقد اكتسب القرار الاقتصادي الأميركي، الذي هو قوي ومهيمن أصلاً منذ عقود، أبعاداً جديدة على السياسات الاقتصادية والتجارية والنقدية العالمية في مرحلة الاضطراب التي أعقبت وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في فترة ولاية ثانية العام الماضي.
ويجمع المحللون، أن سياسات إدارة ترامب لم تكن قاصرة على ما فرضه من رسوم جمركية أثارت توتر الأسواق والاقتصادات الشريكة والمنافسة للولايات المتحدة على حد سواء، بل إنها هددت في أوقات كثيرة أسس السياسات النقدية والتجارية التي تعارفت عليها واشنطن مع دول العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد اتسم دور البنك المركزي طوال تلك الفترة بالاستقلالية، كما أنه اعتبر مكاناً لاستقطاب المواهب والكفاءات الاقتصادية من دول العالم، خاصة من الاقتصادات المتقدمة.
وتفاخر البنوك المركزية العالمية بالعديد من خبرائها ومسؤوليها الذين تخرجوا من مدرسة السياسة النقدية الأميركية أو عملوا أو تدربوا لفترات في أروقة النظام المصرفي الأميركي. في الوقت الراهن تتطلع هذه البنوك إلى الاحتياطي الفيدرالي في ظل مرحلة جديدة تحت قيادة كيفن وارش، مرشح الرئيس ترامب لقيادة أقوى بنك مركزي في العالم عندما تنتهي فترة الرئيس الحالي جيروم بأول في مايو/أيار المقبل.
ويشير تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ اليوم إلى أن بنوك العالم، خاصة في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، تتجه إلى تعيين مسؤولين لديهم الخبرة في القطاع المصرفي الأميركي ، وهو اتجاه يتزايد في الفترة التي أعقبت جائحة كورونا، حيث برزت سلسلة من التعيينات الرفيعة في مؤسسات نقدية كبرى، تشترك جميعها في سمة لافتة: أصحابها مسؤولون عادوا إلى بلدانهم بعد مسيرة مهنية طويلة في الولايات المتحدة، وفي الغالب داخل منظومة الاحتياطي الفيدرالي.
النسب الأميركي
أحدث هذه التعيينات كان إعلان تعيين غازي إسحاق قارا، يوم الاثنين، نائباً لمحافظ البنك المركزي التركي، بعد أسابيع فقط من استقطاب كبير اقتصادييه مراد طاشجي. وجاء ذلك بعد تعيين ديفيد لوبيز-ساليدو في المنصب نفسه لدى بنك إسبانيا المركزي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. كما شهدت سويسرا وإيطاليا تعيينات بارزة أخرى في السياق نفسه.
وجميع هؤلاء المسؤولين عملوا ضمن شبكة بنوك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، سواء في الفروع الإقليمية أو في المقر الرئيسي بواشنطن، قبل وقت قصير من توليهم مناصب عليا في رسم السياسات النقدية في بلدانهم.
وكانت فكرة استعادة كفاءات تحمل جنسية البلد نفسه من الخارج تتم بشكل متقطع في السابق، لكن رواجها مؤخراً لا يعكس فقط قابلية الحكومات والبنوك المركزية لاتباع النسق نفسه مثل غيرها، بل يشير أيضاً إلى القيمة المعنوية والخبرة المرتبطة بالمشاركة في إدارة أكبر اقتصاد في العالم، حتى في وقت يضع فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب صانعي السياسات هناك تحت ضغوط متزايدة.
ولطالما قدّر صانعو القرار في المؤسسات النقدية خارج الولايات المتحدة التعليم في أميركا، بل حتى فترات العمل الأكاديمي هناك، كما يظهر في مسيرات عدد من المحافظين عبر السنوات، من بينهم الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، وميرفين كينغ، ثم مارك كارني، رئيس وزراء كندا، وهو المحافظ السابق لبنك إنكلترا.
لكن فكرة استقطاب مواطنين عملوا داخل منظومة الاحتياطي الفيدرالي كانت أقل شيوعاً. ويُعد المثال الأبرز على ذلك تعيين الحكومة التركية فاتح قره خان، الاقتصادي في فرع نيويورك للاحتياطي الفيدرالي، وهو صانع سياسة في 2023، قبل أن يتولى لاحقاً منصب المحافظ خلفاً لحفيظة غاية إركان بعد إقالتها بقرار من الرئيس رجب طيب أردوغان مطلع 2024.
وشكّل تعيين قره خان بداية تحول واسع في السياسة الاقتصادية عقب إعادة انتخاب أردوغان، واضعاً حداً لسنوات من السياسات الشعبوية التي غذّت تضخماً جامحاً. ومنذ ذلك الحين، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة إلى ما يصل إلى 50%، وعقد عشرات الاجتماعات مع مستثمرين أجانب لإعادة بناء المصداقية.
وبحسب بلومبيرغ ، فإن هذه التعيينات تعكس توجهاً يقوده وزير المالية محمد شيمشك، وهو نفسه استراتيجي سابق في "ميريل لينش"، لتقديم مرشحين يتمتعون بخلفيات اقتصادية قوية وخبرة عملية للرئيس أردوغان للموافقة عليهم.
وفي سويسرا، انضم أنطوان مارتان إلى البنك الوطني السويسري، وهو صانع سياسة مطلع 2024، قبل أن يتولى منصب نائب الرئيس بعد تسعة أشهر. وقد لبّى هذا التعيين حاجة سويسرا إلى شخصية تمتلك الخبرة والهيبة اللازمة لإدارة عملة احتياطية لا تزال ذات ثقل عالمي، إضافة إلى جنسية غير شائعة نسبياً. وقد أمضى مارتان معظم مسيرته المهنية في الولايات المتحدة، بدءاً من بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، قبل انتقاله إلى نظيره في نيويورك.
أما في إيطاليا، فأُعلن في ديسمبر/كانون الأول 2023 تعيينُ كيارا سكوتي، المسؤولة في بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، التي باشرت عملها نائبةً للمدير العام بعد بضعة أشهر. وقالت سكوتي في مقابلة أجريت معها في نوفمبر/تشرين الثاني: "تجربتي في الاحتياطي الفيدرالي كانت تكوينية للغاية. أنا فخورة بأنني عشت أفضل ما في العالمين".
وإضافة إلى عامل "الجذب" الذي يدفع هؤلاء المسؤولين للعودة إلى أوطانهم لتولي مناصب عليا، وفّرت إدارة ترامب أيضاً عامل "دفع" غير مباشر، إذ وجّه حلفاء الرئيس انتقادات متكررة إلى الاحتياطي الفيدرالي بسبب العدد الكبير من الاقتصاديين العاملين لديه. وقد طُرح هذا الأمر حتى خلال مشاورات ترامب لاختيار الرئيس المقبل للبنك، عندما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الرئيس سأل أحد المرشحين عن سبب حاجة الاحتياطي الفيدرالي إلى مئات من حملة الدكتوراه في الاقتصاد، مضيفاً: "لم تكن هناك إجابة مقنعة".
وفي ما يخص البنوك المركزية حول العالم، ظل "النسب الأميركي" أو الخلفية المهنية في الولايات المتحدة محل تقدير كبير. ففي البنك المركزي الأوروبي، عزز حصول كبير الاقتصاديين فيليب لين على الدكتوراه من جامعة هارفارد فرصه. كما أمضى نائب الرئيس السابق لوكاس باباديموس جزءاً من مسيرته المبكرة في بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن.
ومع ذلك، كان من النادر في السابق أن تنظر الحكومات أو البنوك المركزية إلى منظومة الاحتياطي الفيدرالي بوصفها ساحة تنتقي منها الكفاءات للتعيين في المناصب العليا. ومن الأمثلة السابقة في أوروبا، مغادرة أثناسيوس أورفانيدس للاحتياطي الفيدرالي في واشنطن عام 2007 لتولي منصب محافظ البنك المركزي القبرصي، وكذلك انضمام إيمانويل موينش من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك عام 2015 بعد رئاسته لقسم الأبحاث في "بوندسبنك" الألماني.
وقال موينش، الذي يعمل حالياً أستاذاً في كلية فرانكفورت للتمويل والإدارة: "الاحتياطي الفيدرالي هو بالتأكيد بيئة تدريب ممتازة للمصرفيين المركزيين. هناك الكثير مما يمكن تعلمه. ويتميز بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، على وجه الخصوص، بتركيزه القوي على الأسواق المالية وروابطه الوثيقة مع المشاركين فيها".
وعلى النقيض من نظرائه، يبرز بنك إنكلترا بوصفه أكثر انفتاحاً على الاستفادة من خبرة البنك المركزي الأميركي من دون التركيز كثيراً على عامل الجنسية. ويضم مجلس السياسة المالية في البنك حالياً راندال كروزنر، وهو محافظ سابق في الاحتياطي الفيدرالي، كما شغل دونالد كون، نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق، عضوية المجلس نفسه. كذلك أعد كل من بن برنانكي وكيفن وارش، مرشح ترامب لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، تقارير حول آلية عمل البنك المركزي البريطاني.
وكغيره من المؤسسات، يوفد بنك إنكلترا أيضاً موظفيه لفترات إعارة إلى مؤسسات الاحتياطي الفيدرالي. ومن بين هؤلاء كبير الاقتصاديين السابق سبنسر دايل، وكذلك المحافظ الحالي أندرو بايلي، الذي أمضى فترة في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك عام 1987.